[قصة أنس بن مالك والحجاج]

1 paragraph · vol. 8, p. 295

  1. قالوا: (١) وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، وكان شجاعا شديد البطش، حمل بخراسان بدرة بفمه فعبر بها نهرا، فلما بلغ الحجاج خبر مقتله قال: لا أرى أنسا يعين علي، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فأتاه فلما دخل عليه قال: لا مرحبا ولا أهلا إيها يا خبيث، شيخ ضلالة جوال في الفتن، مرة مع أبي تراب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الجارود أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال إياك أصم الله صداك فرجع أنس فأخبر ولده بما لقيه الحجاج به فأشاروا عليه بأن يكتب بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه كتابا شكا فيه الحجاج وما صنع به وما قال له، فأجابه جوابا لطيفا، وكتب إلى الحجاج:

    «أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا ابن المستفرمة (٢) بعجم الزبيب لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق، وقد بلغ المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره ذلك أو إغضاءه

    vol. 8, p. 296عنه، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، وأعرف له حقه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله، والسلام». وبعث بالكتابين مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر وجبينه يرشح عرقا وهو يقول: يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لإسماعيل: انطلق بنا إلى أنس، قال إسماعيل: فقلت: بل يأتيك، قال: فنعم، فأتى أنسا فاقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج فرحب به الحجاج وأدناه وقال يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والشكية إلى أمير المؤمنين قبل أن تعلم كل الذي لك عندي، إن الذي فرط مني إليك عن غير نيّة ولا رضا بما قلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان أني إذا بلغت منك ما بلغت، كنت إليهم بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وحتى زعمت أننا الأشرار، وقد سمانا الله جل وعز الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق ونحن الذين تبوّأوا الدار والإيمان وسيحكم الله عز وجل بيننا وبينك، فهو أقدر علي الغير

    vol. 8, p. 295