عمر بن عبد العزيز

294 paragraphs · vol. 9, p. 125

Page 3 of 8

  1. حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا محمد بن يزيد العقدي عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة، وجور في الأحكام، وسنن سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين، وصلاح الرعية العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهمّ إليك من نفسك حتى توطنها بطاعة الله، وأنا آمرك أن توظف عليهم خراجهم ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامر على خراب، وخذ من الخراب ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسهيل من غير عنف وإرهاق لأهل الأرض ولا تأخذ في الخراج إلا وزن سبعة ليس فيها آيين (٢) ، ولا أجور الصرافين، ولا هدايا النوروز والمهرجان، ولا دراهم

    vol. 9, p. 148النكاح، ولا ثمن الصحف، ولا أجر البيوت، ولا أجور الفيوج (١) ، ولا خراج من أسلم من أهل الذمة، ولا تعجل دوني بقتل ولا قطع، والسلام».

    قالوا: وكتب عمر إلى العمال: «أما بعد: فإنه كان في الناس من أهل هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم حتى بلغت بهم إصابة الدم الحرام، والمال الحرام، والفرج الحرام، وهم يقولون: شربنا شرابا لا بأس به، وإنّ شرابا حمل على هذه المحارم لعظيم البلاء كثير الإثم، وقد جعل الله المندوحة والسعة في أشربة ليس في الأنفس منها حاكة (٢) ، ولا ريب الماء الفرات واللبن العذب والعسل الماذي والسويق، وفي أشربة كثيرة من نبيذ التمر والزبيب المنبوذ في أسقية الأدم التي لازفت فيها، فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن نبيذ الظروف المزفتة وعن الدباء والحنتم، وقيل كل مسكر حرام، فاستغنوا بما أحلّ الله عما حرّم، فإنه من شرب بعد تقدّمنا إليه من هذه الأشربة المكروهة أوجعناه عقوبة، ومن استخفى عنا فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وقد أردت بكتابي إليكم اتخاذ الحجة عليكم في اليوم وما بعده، نسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى وأن يقبل بالمسيء منا ومنكم إلى التوبة في يسر منه وعافية، والسلام».

    vol. 9, p. 147
  2. المدائني عن خالد بن يزيد عن أبيه قال: أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأمر بتجريده ثم قال: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ)﴾ (٣) خلّوا سبيله.

  3. المدائني قال: أبلغ رجل عمر كلاما عن رجل غاظه فهمّ بعقوبته ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منه اليوم ما ينال مني في مثله غدا، خلوا سبيله.

    vol. 9, p. 149
  4. المدائني عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فإني كنت كتبت إلى عمرو بن عبد الله أن يقسم ما وجد بعمان من عشور الحب والتمر في فقراء أهلها، ومن سقط إليها من أهل البادية وإضافته إليها أهل الحاجة والمسكنة وانقطاع السّبل، فكتب إليّ أنه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام والتمر فذكر أنه قد باعه وحمل إليك ثمنه، فاردد إلى عمرو ما كان عاملك حمل إليك من ثمن التمر والحب ليضعه في المواضع التي أمرته بوضعه فيها، ويصرفه إليها إن شاء الله، والسلام» .

  5. المدائني قال: قدّم يزيد بن المهلب أخاه إلى خراسان فحبس وكيع بن أبي سود، فبكى فقيل له: أتبكي يا أبا مطرف جزعا من الحبس؟ فقال:

    وددت أني ويزيد بن المهلّب، وسليمان بن عبد الملك في النار فلعن الله أجزعنا، ولكني أبكي لأني قتلت قتيبة ثم يعزلني ابن العبسية، ويولي يزيد.

  6. فلما ولي عمر بن عبد العزيز بلغه ذلك فقال: لوكيع على جفائه خير من يزيد بن المهلب، على أنه لا خير في واحد منهما.

    قال المدائني: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وولى عدي بن أرطاة الفزاري البصرة أراد أن ينشئ غرفا فوق دار الإمارة، فكتب إليه عمر:

    vol. 9, p. 150«هبلتك أمك يا بن أم عدي، أيعجز عنك منزل وسع زيادا وآل زياد» ؟.

  7. فأمسك عدي.

  8. حدثنا بسّام الجمّال عن حمّاد بن سلمة عن أيوب أن قتيلا وجد بالبصرة في بني نمير فكتب فيه إلى سليمان بن عبد الملك، فكتب إلى عامله «أن استحلف خمسين رجلا على قاتله، فإن حلفوا فأقده» . فلم يفعل حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عمر في أمره فكتب: «إن شهد على قاتله عدلان فاقتله، وإلا فلا تقتله» .

  9. المدائني عن عبيس بن بيهس قال: جاء رجل من بني عزيز بن ثعلبة بن يربوع إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين اسقني سقاك الله. قال: أين؟. قال: بالخرنق (١) فإنه طريق لا يطؤه الناس ولا يتطرقونه.

  10. فكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فإن رجلا من بني ثعلبة بن يربوع يقال له فلان استحفرني بالخرنق فاحفره، ومن جاءك من أسود الناس وأبيضهم يستحفرك فأحفره، واشترط أن ابن السبيل أول ريّان، وأنّ حريم البئر طول رشائها، والسلام» .

    قالوا: وكتب عمر إلى عدي: «أما بعد فاستوص بمن في سجون أرضك خيرا، ولا تصيبنّهم ضيعة، وأقم لهم ما يصلحهم من الطعام والأدام من مال الصدقة إن شاء الله» .

  11. وكتب إلى عدي: «أما بعد فما كان عندك من لقطة فحال عليها الحول فأخرج ما يجب فيها من الصدقة فضعه في أهل المسكنة والحاجة، ما كانت عندك، حتى يجيء لها طالب، وليكن ذلك شأنك وشأنها حتى يبقى منها ما لا تجب فيه الصدقة إن شاء الله، والسلام» .

    vol. 9, p. 151
  12. وكتب عمر إلى بعض عماله: «أما بعد فقد بلغني أن كثيرا ممن قبلك من أهل الذمة قد لبسوا العمائم وتشبّهوا بالمسلمين في زيّهم، فامنعهم من ذلك أشدّ المنع، وخذهم بأن يحلقوا أوساط رؤوسهم، إن شاء الله، والسلام» .

  13. المدائني قال: وعظ عمر بن عبد العزيز قوما من أهل بيته، فقال مسلمة: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فلقد ألنت منّا قلوبا قاسية، وأبكيت عيونا جامدة، وأحييت لنا في الصالحين شرفا وذكرا.

  14. المدائني قال: خطب عمر فقال: أيها الناس أصلحوا من سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، فإنّ امرأ ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق له في الموت.

  15. شريح عن اسماعيل بن علية أنّ صالح بن عبد الرحمن بعث توبة العنبري إلى سليمان في أمر فقال: إذا فرغت من أمر سليمان فائت عمر بن عبد العزيز فاعرض عليه الحوائج. فلما أتى قال: عليك بتقوى الله وما يبقى لك عند الله فإن الذي يبقى لك عنده باق عند الناس والذي لا يبقى لك عند الله غير باق لك عند الناس. فأبلغ ذلك صالحا فقال: أسمعتم قطّ بكلام أحسن من هذا؟

  16. المدائني عن موسى بن يزيد عن عمّه قال: قال هشام لرجاء بن حيوة: ألست صاحب عمر يوم ناجيته في الدار وقد توفي سليمان؟ فقال:

    يا أمير المؤمنين، والله ما دعاني ولا ناجاني إلاّ في صرف الخلافة عنه. فقال هشام: رحم الله أبا حفص كان في أمر وكنا في غيره.

    vol. 9, p. 152
  17. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال مسلمة بن عبد الملك لعمر:

    ألا توصي ببنيك؟ قال: أوصي بهم الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين.

  18. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان يوم احتضر:

    إنّ بنيّ صبية صغار … أفلح من كان له كبار

    إنّ بنيّ صبية صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون

    فقال عمر بن عبد العزيز وكان عنده: ﴿أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)﴾ (١) .

    قال: وكتب عمر إلى الناس: «أما بعد فإن صدقة الفطر سنة مؤكدة، فأدّوا صدقة الفطر عن أهليكم: حرّهم ومملوكهم، صغيرهم، وكبيرهم، وليكن ما تؤدون عن كل رأس صاعا من شعير أو تمر، أو نصف صاع من برّ ليقسم عاملكم ذلك في أهل المسكنة والحاجة من الحاضرة دون أهل البادية إن شاء الله، والسلام» .

    قالوا: وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز: «إنّ قوما من أهل الخراج كانوا إذا أرادوا كسر خراجهم جلوا من أرض إلى

    vol. 9, p. 153أخرى، وإني أمرت أن تجعل أرض من جلا صافية، وأرجو أن يتركوا بذلك عادتهم إن شاء الله».

  19. فكتب إليه عمر: «أما بعد فقد بلغني كتابك، ولعمري لئن لم تدع رجلا خرج من أرض إلى أرض ومن قرية إلى قرية إلا أخذت أرضه ثم عزلت أم متّ لينقطعنّ صاحب الأرض عنها وتبوء بإثمه، وما يجلو رجل عن أرضه إلاّ بأن يحمّل فوق طاقته، فإياك أن تعمل وعمالك بعمل ابن يوسف وعماله، فإنهم كانوا مفسدين وقد قضى الله بأنه لا يصلح عمل المفسدين، وتألّف أهل الأرض فإن أرضيهم وبلادهم أحبّ إليهم من الجلاء إذا عدل عليهم ورفق بهم إن شاء الله والسلام» .

  20. المدائني عن بقيّة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض إخوانه: «أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه واحتج عليك بأنبيائه وبرهانه، فإنك مختبر بما كلّفت، ومرتهن بما عملت، وكأن قد وافيت مضجعك، وطالعت مرجعك، واضمحلّت عنك الدنيا، ثم بعثت يوم النشور، ووقفت بين يدي الملك القدير ليجزيك بما كدحت، ويسألك عما اجترحت. فاعمل بدنك فيما ينجيك، ودع عنك ما لا يعنيك، فإنّ الدنيا قد أدبرت، وإنّ أمورها قد تكدرت، وقد رأيت من تقلّب أحوالها وتصرّف أمورها ما فيه معتبر وموعظة لمن أبصر، أعاننا الله وإياك على تقواه، وألهمنا وإياك رضاه، تعاهدني يا أخي بكتابك فإنّ الكتب من الإخوان تديم الودّ والعهد، وتدعو إلى التواصل والتناصح، ولا قوة إلا بالله» . وقال بعضهم: إنّ الرجل كتب إلى عمر بهذا الكتاب.

    vol. 9, p. 154وقال محمد بن مصفى الحمصي: كتب عمر إلى الجرّاح الحكمي أو غيره من عماله: «أما بعد، فإذا قدرت على عقوبة العباد، فاذكر قدرة الله عليك، فاعف له ما لم يكن في العفو مفسدة في الدين واستخراج من القوم المذنبين، فإنك بالله تعزّ، وإليه ترجع» .

  21. المدائني قال: كتب عمر إلى أبي أمامة الحمصي يعزيه بابن له استشهد: «أما بعد: فالحمد لله على آلائه وقضائه، وقد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة، فقد عاش في الدنيا مأمونا وأفضى إلى الآخرة شهيدا، فقد فاز بما خصّ الله به الشهداء من الفضيلة والكرامة، فليس شيء نعلمه وإن عظم خطره وجلّ ثوابه أعظم عند الله تبارك وتعالى وعند عباده الذين أوتوا العلم والفهم من الشهادة، فمن خصّه الله بها فقد أفلح وأنجح وربح، ووسمه الله سمة الأبرار، فهو في جوار الله وتحت عرشه قد انقطعت عنه مرارة الدنيا وعلاجها، وصار إلى عيش الآخرة وحبورها، نسأل الله الذي بيده نواصي العباد أن يرزقنا وإياكم الشهادة والسعادة بقدرته والسلام» .

  22. حدثنا عمرو الناقد وأبو عبيد القاسم بن سلام قالا: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، أنبأنا سفيان بن حسين أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه فترك نقط سين «بسم الله» وتبيينها، فأشخصه إليه فقال الناس: فيم أشخص فلان؟ فقيل: أشخص في سين، فعلقها الناس.

  23. المدائني عن مسلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «أما بعد فإن الصلاة أحقّ ما تعهدّه المرء من نفسه، ومن ولاّه الله أمره. فأقيموا الصلاة في بيوتكم ومساجدكم لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها، وترتيل

    vol. 9, p. 155ما تقرأون من القرآن فيها، فإن الله جعلها ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ١،﴾ وتعهدوا الناس في الزكاة وحضّوهم عليها، فإن من أدّاها أجر، ومن استخف بحقها وبذر كانت حجة عليه، نسأل الله أن يجعلنا مطيعين له مجتهدين في مرضاته، والسلام».

  24. وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فقد أتاني كتابك تسأل عن القضاء بين الناس، والقضاء بين الناس باتباع ما في كتاب الله، ثم ما جاء عن رسول الله ﷺ ، ثم ما حكم به أئمة الهدى، ثم استشارة ذوي الرأي والعلم، فما أتاك من الحكم فلم تجده في الكتاب نصا، ولا في السّنة رواية، ولا أخبرك به مخبر عن الأئمة الأبرار، فسل عنه أهل العفة والمعرفة، ثم احكم بالعدل، ولا تؤثر أحدا على أحد، إن شاء الله.

  25. وسألت عن ميراث رجل وهب ولاءه أو باعه غير مستكره فإنّ الولاء لمن أعتق، لا يباع ولا يوهب، وقد أوصى رسول الله ﷺ أنّ الولاء لمن أعتق.

  26. وسألت عن الكافر يعتقه المسلم فهو مولى للمسلم، وميراثه راجع الى بيت المال، لأنه لا يتوارث أهل ملّتين، ويعقل عنه إذا جنى من مال الله.

  27. وسألت عن المرأة ترمي الرجل بنفسها أو يوجد معها وليس معهما أحد سواهما، والرجل جاحد وقد اتّهم وأظن، وان الحدود لا تقام إلا بالبينات أو الاعتراف، فاجلد من أخذته على ذلك جلد النكال على غير حدّ، ولا تقم الحدود بالتّهم فإنها تدرأ بالشبهات، وما ستر الله عباده فاسترهم

    vol. 9, p. 156به، واعلم أنك متمسك بالعدل ما أزلت الشك بالبيّنة، والشهود والعدول، والسلام».

    قالوا: وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فاحص أهل المسكنة بالبصرة، واكتب إليّ بعدّتهم إن شاء الله» . فأحصاهم فبلغوا ثلاثين ألفا وتسعمائة وخمسة عشر إنسانا، فكتب إلى عدي يأمره أن يعطي كل إنسان جريبا في كل شهر من طعام كسكر والسّواد إذا قدم عليه بالطعام».

    قال: وجّه عمر جيشا إلى الروم فمشى معهم ثم ودعهم وقال: اتقوا الله وقاتلوا أعداءه ابتغاء ثواب الآخرة، فإنّ الأجر للصابرين ﴿فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)﴾ (١) .

  28. وحدثني أبو عبيد القاسم بن سلام قال: بلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: التّقى مفحم ملجم.

  29. حدثنا سعيد بن سليمان عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: «أمت كلّ بدعة، وأحي كل سنّة من سنن الإسلام، وشريعة من شرائعه، ولا تأخذنك في الله لومة لائم» .

  30. المدائني عن المبارك بن سلام عن مجالد أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يستأذنه في عذاب العمال، والبسط عليهم، ويذكر مقاسمة عمر بن الخطاب عماله، فكتب إليه: «قد فهمت كتابك ولم تعلمني عن مقاسمة عمر عماله شيئا إلا وقد علمته، ولعمري لغير ما استأمرتني فيه من أمر العمال أجمل في عاجل الأمر، وأسرع في درك البغية مما كان ابن يوسف

    vol. 9, p. 157وابن أبي مسلم، وصالح بن عبد الرحمن يفعلونه من العذاب بالجوامع، والمحبس الضّنك، وسوء المطعم والمشرب، وغلظ الملبس، وفرّ من ذلك أشد الفرار، وانظر من كان في السجون في وثاق أو في مطعم سوء ومشرب سوء، فنفّس عنهم وأطلقهم، وأحسن أسار من أسرت، وليس رأيي في العمال إلا محاسبتهم فيما ولّوا فمن أدركنا عليه حقا أخذناه به، ومن لم ندركه عليه خلينا سبيله حتى يحكم الله فينا وفيهم بما شاء والسلام».

    وقالوا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: «كتبت تسأل عن الرجل من الموالي يكون له ذوو رحم لهم عدد، وله مال يرثونه دون مواليه فيحدث حدثا، أيكون عقله عليهم دون مواليه، وان الموالي لا يحملون العقل، والموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة يورث ولا يرث ومولى عقل لا يرث ولا يورث وميراثه لعصبة رحمه» .

  31. حدثنا عفان بن مسلم، ثنا جرير بن حازم قال: قرأت كتاب عمر إلى عدي: «أما بعد فقد بلغني كتابك تسأل عن شهادة الأربع النسوة المرضيات أتجيزها أم لا، وكتبت تسأل عن العبد يقذف الحر، وذكرت أنه بلغك أني كنت أضربه في عملي على المدينة أربعين جلدة، ثم جلدته في آخر عملي ثمانين، وإنّ جلدي الأول كان رأيا رأيته، وإنّ جلدي الآخر وافق ما في كتاب الله لأنّ الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) لم يسمّ فيها حرا ولا مملوكا، فاجلده ثمانين.

  32. فأما شهادة النسوة الأربع فإني لم أسمع في الكتاب بشهادة خلصت فيها نساء إلا ومعهنّ رجل فانته من الأمر إلى ما تعرف، ودع ما تنكر، واعلم أنّ أحدا لا يستطيع إنفاذ حقوق الناس بينهم حتى لا يبقى منها شيء، ولا بد من أن تستأخر قضايا كثيرة إلى يوم الحساب، والسلام».

    vol. 9, p. 158
  33. حدثني عمر بن شبه، ثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة عن حميد أن رجلا اختلس طوقا من عنق جارية فارتفعوا إلى عدي بن أرطاة، فسأل عدي الحسن (١) فقال: لا تقطعه. وقال إياس بن معاوية بن قرّة: اقطعه.

  34. فكتب عدي بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: «إن العرب كانت تسمّي هذا: العادي، فاجلده، واستودعه الحبس» .

  35. حدثني خلف بن هشام البزّار، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النّجود أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر: «إني أخذت رجلا يسبك فهممت بقتله، ورفع إليّ رجل قتل في السوق فاتّهم به فسّاق من فساق أهل البصرة، ولم تقم عليهم البيّنة» ؟ فكتب إليه: «أنظر القتيل فده من بيت مال المسلمين، وانظر الفساق فاحبسهم عن المسلمين، وأنفق عليهم من بيت المال، وانظر الذي سبّني فسبّه، وإلا فخلّ سبيله، فوالله لو كنت قتلته لقتلتك به» .

  36. حدثني منصور بن مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: استبطأ عمر بن عبد العزيز عديا في بعض الأمر، فكتب إليه: «إنك غررتني يا بن أم عدي بعمامتك السوداء» .

  37. المدائني عن عبد الله بن سلم أن عدي بن أرطاة خطب فشتم عليا

    vol. 9, p. 159ولعنه، فكتب الحسن (١) بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عدي: «بلغني عنك أنك شتمت عليا ولعنته، ولبئس الرجل أنت، إن فعلت ذلك، وأقدمت عليه، فقبّحك الله وترحك، وأنا أقسم لئن عدت لمثلها لأنهكنّك عقوبة، ثم لأسيئنّ عزلك» . فأمسك عدي. فقال الشاعر:

    وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف … بريئا ولم تقبل مقالة مجرم

    حدثني أبو بكر الأعين عن سعيد بن سليمان عن خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرمّاني قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر: «إن الناس أصابوا خصبا وخيرا كادوا يبطرون له» ، فكتب إليه عمر: «إن الله رضي من أهل الجنة حين دخلوها بأن قالوا: الحمد لله رب العالمين، فمر من قبلك أن يحمدوا الله على ما آتاهم إن شاء الله والسلام» .

  38. المدائني قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما بال نصارى العرب لا يؤخذ منهم الجزية» ؟ فسأله فقال: اكتب إليه: «إنك متّبع ولست بمبتدع، إن عمر رأى في ذلك صلاحا» .

  39. حدثني عمرو الناقد، ثنا إسحاق الأزرق عن عوف قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما منع من مضى من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء» ؟ فسأله فأخبره: «إن النبي ﷺ قبل الجزية من مجوس هجر، وأقرهم على مجوسيتهم ومناكحهم، وأقرهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم » .

  40. حدثني محمد بن أبان الطحان، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا شهر بن حوشب أنه استأذن على عدي بن أرطاة فقال الآذن: إنّ الأمير يقول:

    vol. 9, p. 160لا تأذن له فإنه سبّني. فقال له قتادة: إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفس أهلها، وإنّ عديا قد أخبرك بما في نفس صاحبه عمر، فلا غفر الله لمن لا يستغفر لهما - يعني عليا وعثمان-.