عمر بن عبد العزيز

294 paragraphs · vol. 9, p. 125

Page 7 of 8

  1. وحدثت عن سويد بن سعيد عن بقيّة بن الوليد عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران أنّ حرورية دخلوا على عمر فقالوا: السلام عليك يا إنسان فقال: وعليكم السلام، فقالوا: لا حكم إلاّ الله. قال: نعم لا حكم إلاّ لله.

    vol. 9, p. 190
  2. حدثنا عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا إسحاق أبو النّصر قال: أخذ معي فلس بهرج (١) زمن الحجاج فضربني ابن أبي مسلم وحبسني، فتكلم فيّ الحواري بن زياد فأخذوا مني ألفا وتركوني، فلما استخلف عمر أتيته فأخبرته فبكى وقال: ألف درهم في فلس بهرج، وكتب إلى عبد الحميد: إن كان الأمر كما ذكر فأعطه ألف درهم، قال فأتيته فإذا سياط موضوعة فقلت في نفسي أتيت أمير المؤمنين فلم أر سياطا. قال:

    فأعطاني ألفا وكتب لي عملا وأعطاني نفقة.

  3. وروي عن الصّلت بن بهرام قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول حين شكونا إليه عبد الحميد عامله: لقد عجلتم عليّ، لعلكم ترون أنكم ترون عدلا. والله لا ترون عدلا أبدا.

    vol. 9, p. 191قالوا: وقع بين امرأة من أهل المدائن وبين عريفها مشاجرة فأسقط اسمها من الديوان، فأتت عمر بن عبد العزيز فكتب بيده إلى عبد الحميد بأن يفكّ عن اسمها ويعيده، ويخدمها خادما، وأمر لها بخمسمائة درهم وكراها، فقدمت على عبد الحميد وقد مات عمر فأوصلت إليه الكتاب فعرف خطه، فبكى ثم قال: والله لأنفذنّ ما فيه.

  4. ولما مات عمر رضي الله عنه أحبّ عبد الحميد أن يتقرب إلى يزيد بن عبد الملك فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب الخارجي. فقال الخوارج: ما فعل هذا إلا وقد مات الرجل الصالح، وأقرّ يزيد بن عبد الملك عبد الحميد على الكوفة، حتى خلع يزيد بن المهلّب ووجه إليه يزيد مسلمة.

  5. المدائني عن عيسى بن يزيد قال: كتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى سليمان بن عبد الملك: إن الشمع الذي كنت اخرج به إلى الصلاة في وقت العشاء والصبح قد نفد، وكذلك القراطيس التي كنت أكتب فيها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بشمع وقراطيس، وأن يلحقني بشرف العطاء بالحجاز.

  6. فوصل الكتاب إلى عمر وقد مات سليمان فكتب إليه: «أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان في الشمع وقد عهدتك تخرج في الليلة المطيرة الشديدة الظلمة إلى المسجد بلا شمع، وأنت يومئذ خير منك اليوم، وكتبت تسأل إلحاقك بشرف العطاء بالحجاز، وقد عهدتك وأنت لا تحب الأثرة، وأنت يومئذ خير منك اليوم، وقد كتبت إلى صاحب مصر آمره أن يحمل إليك القراطيس على ما كان يحمل، فألطف القلم، واجمع الحوائج العدّة في

    vol. 9, p. 192كتاب واحد، ولا تطنب في الإملاء، فلا حاجة لنا في كثرة الكلام والسلام».

    قالوا: تزوج رجل من بني فرّاص - كانت أخته عند عدي - امرأة من الحدان كان لها موضع من قومها، فطلّقها وهو يشرب، ثم جحد فأتت إياس بن معاوية بشاهد فعدّله، وجاءت بعبد لها وقد أعتقته فعدّل، فانتزعها إياس من الفراصي، فأمر عدي بها فردّت على الفراصي. وأراد عدي أن يقدم على إياس بمشورة وكيع بن أبي سود، فقال له داود بن أبي هند: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ)﴾ (١) . فهرب إياس إلى عمر بن عبد العزيز، وولى عدي الحسن بن أبي الحسن القضاء، وكتب عدي إلى عمر يعلمه ذلك فكتب إليه عمر: «الحسن أهل لما ولّيته، ولكن ما أنت والقضاء؟ فرّق بين الرجل والمرأة، فرّق الله بين أعضائك» .

  7. المدائني قال: كتب عمر إلى عماله: إنه بلغني أنّ نساء ذوات سعة يخرجن عند موت الميت ناشرات شعورهم ينحن، وهذا فعل أهل الجاهلية، وإنّ الله لم يرخص للنساء في وضع خمرهنّ مذ أمرهنّ بضربها على جيوبهنّ، فتقدم في هذه النياحة تقدما شديدا، وقد كانت هذه الأعاجم تلهو بأشياء زيّنها الشيطان لهم، فازجر من قبلك من المسلمين عن ذلك، فلعمري لقد آن لهم أن يتركوه مع قراءة كتاب الله، وانه عن ذلك الباطل واللهو من الغناء وما أشبهه، فمن لم ينته فنكّل به غير معتد ولا مسرف، إن شاء الله، والسلام».

  8. المدائني قال: كتب عمر إلى عدي في كتابه: «إن الله جعل لأهل الخير أعوانا عليه، ولأهل الشر أصحابا مزينين له، وقد نهيتك عن كاتبك فلم أرك متحاشيا لذلك ولا زاجرا له عن ظلم الرعية وانتقاص حقوقهم، وإنك حين تفعل ذلك يا عدي لمغترّ بي تارك حظك من الله، فاطرد عنك هذا الشائن، ولا تشركه في أمانتك، وأخرجه عن المصر، فإني لو أشركت أحدا من حزب الشيطان في أمانتي لاستعنت بابن أبي مسلم (١) ، فاكفني نفسك يا عدي، ولا تحملني على مكروهك، إن شاء الله، والسلام».

    قالوا: وكتب عمر إلى عماله: «أن انظروا من كان في أسواقكم من باعة اللحم من أهل الذمة فليؤخذوا بأن لا يذبحوا ذبيحة إلاّ ذكروا اسم الله عليها، وأن لا تكسر ولا تنخع حتى تموت، ولتترك متشحطة مذبوحة ومنحورة، ولا ينفخوا في اللحم فإنه من الغش، والسلام» .

    vol. 9, p. 193
  9. المدائني عن ابن جعدبة قال: كتب عمر إلى أبي بكر بن حزم: «أما بعد فإنّ الطالبين الذين نجحوا، والتجار الذين ربحوا، هم الذين اشتروا الباقي الذين يدوم بالفاني المذموم، فاغتبطوا ببيعتهم، واحمدوا عاقبة أمرهم، فاعمل لنفسك وبدنك صحيح، وأنت مريح، قبل أن تنقضي أيامك وينزل بك حمامك فإن العيش الذي أنت فيه ظلّ يتقلص ويزول» .

  10. وكتب إلى عبد الحميد: «أما بعد فإنه من ابتلى بأمر الناس فقد عظمت بليّته، نسأل الله عافيته وحسن معونته، فكن لمن وليت أمره ناصحا وعليهم شفيقا حدبا، واملك نفسك عند الهوى والغضب واكفف يدك

    vol. 9, p. 194ولسانك عن الأموال والأعراض والأبشار، واستر ما استطعت من عورات الناس إلا شيئا أبداه الله لا يصلح ستره، فإن سبق منك هوى أو غضب فاستغفر ربك وراجع أمرك، نسأل الله تعالى أن يصلح لنا أعمالنا ويكفينا أمورنا، وما نرجع إليه بعد الموت، والسلام».

  11. المدائني عن فرات بن السائب عن ميمون بن مهران قال: كتب عمر إلى الجرّاح بن عبد الله: «إنّ ولاة السلطان بعرض مكاره وبلاء إلاّ من وقى الله وأعان، فاتّق الله حق تقاته، واذكر موقفك بين يديه، وإذا حضرك خصم جاهل فرأيت منه رعة سيئة فارفق به وسدده وبصرّه، وخذ له الحق غير متجانف على خصمه، وإن أتى رجل ذنبا يستحق به العقوبة فلا تعاقبه بغضب تجده في نفسك، ولكن لما أتى وجنى، جعلنا الله وإياك ممن ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً) ١،﴾ أو من المتقين الذين لهم العاقبة، والسلام» .

  12. المدائني قال: كتب عمر إلى عدي بن أرطاة، بلغني أن عمالك بفارس يخرصون (٢) الثمار ثم يقوّمونها على أهلها بسعر فوق سعر الناس الذي يتباعون به، ثم يأخذون ذلك ورقا، وإن طوائف من الأكراد يأخذون العشر من السابلة والمارة في الطرق. ولو علمت أنك أمرت بذلك أو رضيته ما ناظرتك ولأتاك مني ما تكره. وقد بعثت بشر بن صفوان وعبد الله بن عجلان للنظر في ذلك، وردّ الثمن الذي أخذ من الناس إلى ما باع أهل الأرض في

    vol. 9, p. 195غلاتهم، فلا تعرض لهم فيما وجهتهم له من ذلك، وأحسن معونتهم عليه، إن شاء الله، والسلام».

  13. حدثني هدبة بن خالد، ثنا حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد أن رجلا من الأنصار أتى عمر بن عبد العزيز فقال: أنا فلان بن فلان، قتل جدي فلان يوم أحد. وجعل يذكر مناقب سلفه، فنظر عمر إلى عنبسة بن سعيد فقال: هذه والله المناقب لا يوم مسكن، ويوم الجماجم، ويوم مرج راهط.

    تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

    المدائني قال: كتب عمر إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم:

    «أما بعد فليكن سعيك في الدنيا للآخرة فليس لك إلا ما قدّمت، واعلم أن مقطّعات الأمور أمامك، وأن الله غير مدخل جنته إلاّ من رضي عنه، وإنك لا تزداد من حسنة ولا تستعتب من سيّئة بعد الموت» .

    قالوا: وكتب عمر إلى عمال الثغور: «أما بعد: فلا تشتروا للأمراء من حظ العامة من المغنم شيئا، وأمروا القسّام أن يجزئوا ما أفاء الله عليكم من السبي والغنيمة خمسة أخماس ثم ليقرعوا عليها بخمسة أسهم، لله الخمس وأربعة للعامة الذي قاتلوا عليها، فحيث وقع سهم الخمس فليحرر ثم يخلى بين الناس وأنصبائهم، والسلام» .

  14. المدائني عن حباب بن موسى قال: قال عمر بن عبد العزيز: نشأت على بغض عليّ لا أعرف غيره، وكان أبي يخطب فإذا ذكر عليا نال منه فلجلج، فقلت: يا أبه إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليّ عرفت منك تقصيرا، قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم. قال: يا بنيّ إن الذين من حولنا لو نعلمهم من حال عليّ ما نعلم تفرقوا عنا.

  15. حدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فإنه يجب على المسلمين أن يضعوا من أهل الشرك والكفر ما وضع الله منهم، وأن ينزلوهم بمنزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذلّ والصّغار، ولا يشركوهم في أمانتهم ولا يسلطوهم على أهل الإسلام فتجري عليهم أحكامهم ويستخدموهم بالطمع فيما عندهم، وينزلوا بهم حاجاتهم فيغشونهم ويحرمونهم، فلا يبق أحد ممن قبلك على غير الإسلام على شيء إلا عزلته واستبدلت به رجلا من المسلمين ترضى دينه وأمانته وعفافه، وخذهم بشدّ المناطق، وركوب الأكف، وحلق أوساط رؤوسهم، وأطع الله واتّقه، فإنه لا حرز لك ولا منعة إن عصيته والسلام» .

    vol. 9, p. 196
  16. وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكر أنك لما قدمت البصرة جعلت سفيان بن فرقد حاجبا وتقدمت إليه ألا يرزأ أحدا شيئا، فبلغك عنه أمر تكرهه فأتاك بخمسين دينارا ذكر أنه أعطاه إياها رجل، فقبضتها وعزلتها في بيت المال إلى أن يأتيك أمري، وليس بيت المال بموضع للرشاء فاردد ذلك الذهب إلى صاحبه الذي أخذ منه فإن ابن فرقد يعرفه، إن شاء الله، والسلام» .

  17. وكتب عمر إلى عدي: «إنّ بعض من ورد علينا أخبرني عن ناحية من نواحي فارس خرابا، فأسهرني ذلك وغمّني، فتعهّد أهل عملك بالكتب والرسل، واجتهد في عمارة البلاد بالعدل والرفق وترك الاستقصاء، واعلم إنما يلتمس إصلاح قوم آثروا سيّئا واجتهدوا في فساد ما تحت أيديهم حتى بلغ الأمر ما بلغ، وليس بكثير على الله جل ثناؤه أن يجعل في عمارة سنة ما يعدل

    vol. 9, p. 197خراب سنين مضت قبلها فيجبره بها، فإن الله يبلغ من تضعيفه لمن يشاء أكثر من ذلك، ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) ١،﴾ والسلام».

    قال: وكتب عمر إلى أبي بكر بن محمد: «ذكرت أن ناسا من بني أسد وفزارة تلاحوا، فرمي فراس الأسدي بحجر فأصاب ركبته، ثم تفرقوا، ومكث سنة وجعا من رميته فاصطلحوا على مائتين من الإبل وإنه لا صلح إلا ما يجوز في الإسلام، فأنفذ الصلح بينهم على مائة من الإبل فليس بدم صاحبهم عن ذلك مذهب، ولولا السّنة لم أبال ما أعطاهم بنو فزارة من أموالهم، والسلام» .

  18. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال عمر بن عبد العزيز: لم أر رجلا كان أعلم بأمر الدنيا من عبد الملك، ولا رجلا كان أغضب للدنيا ولا اشتدت غلبة الدنيا عليه مثل الوليد، ولا رجلا آكل للدنيا من سليمان، وهذه الدنيا تريد أن آكلها وتأكلني، والله لا أفعل.

  19. المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه قال: شتم رجل معاوية عند عمر بن عبد العزيز، فأمر بضربه ثلاثة أسواط.

  20. المدائني عن بشر بن عبد الله قال: دخل عبد الملك بن عمر على أبيه فقال: يا أبه ما يؤمنك أن يأتيك أمر الله بياتا وأنت نائم، فقال: يا بني إنّ نفسي مطيتي وإن لم أرحها لم تحملني، وإني لأحتسب من الأجر في العدل ما أرجو أن لا يقصر بي عن الأجر في ترك النوم.

    vol. 9, p. 198وقال عمر لميمون: لأن أبقى لهذا المال حتى أسلكه سبيله أحبّ إليّ من أن أتركه لولدي ميراثا، لا أحاسب بشيء منه.

  21. المدائني عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «إنّ من كان عليه دين له وفاء به فليقض من ماله، ومن لم يكن عنده فلينظره غرماؤه، فإنما وضعوا أموالهم عنده على أن يصادفوا مالا أو عدما» .

  22. وروى الهيثم بن عدي عن عدي قال: كتب عمر إلى عبد الحميد:

    «كتبت تذكر أنك وجدت في بيت المال سبعة آلاف درهم مما أخذ ممن كان يختلف بالخمور، ولا حاجة لي في خبيث، فإن وجدت له أهلا فاردده عليهم، والسلام» .

  23. المدائني قال: كتب إلى عمر صديق له من النساك: «إلى العبد المبتلى بأمور المسلمين من أخيه فلان، أما بعد: فإنك ممتحن بما ولّيت ومجزى بما عملت، فأصلح نيّتك وتوقّ على دينك فإنك بعرض خير وشر، فإن اتّبعت الخير سعدت، وإن ملت إلى الشر غويت، وكان يقال من تقلّد شيئا من أمور المسلمين فإنما فتح له باب إلى الجنة، وباب إلى النار، فأيّهما اختار فهو والجه، عصم الله دينك ووفّر من الأجر حظك ووفقك للخير ووفقه لك» .

  24. فكتب إليه عمر: «فهمت كتابك يا أخي، وقد عظمت عليّ البليّة، فاسأل الله العون والكفاية، لا تخلني رحمك الله من كتبك بالنصيحة، فإنك تقضي بها حق المودة، والسلام» .

  25. المدائني عن المسيّب بن شريك قال: قدم على عمر بشير من الصائفة فقال له: إن شئت زدناك في عطائك، وإن شئت ألحقنا لك عيّلا. فقال:

    كلاهما وتمرا، فقال عمر: إنك لبطّال وليس لبطال عندنا شيء.

  26. المدائني: أن عمر كتب إلى محمد بن عروة السّعدي عامله على اليمن: «أن أخرج من بيت المال قبلك مائة ألف درهم للغارمين ولا تعط منها من كان دينه في سرف وتبذير، واعط من تزوج أو ابتاع ذا رحم فأعتقه أو تاجرا أتى على ما في يديه، وأخرج مائة ألف درهم لأبناء السبيل، ومر رهطا من ذوي الدين والحسبة والنية الحسنة أن يقعدوا بها على طريق الحاج فلا يدعوا منقطعا به منهم ولا محسورا إلا أعانوه، ولا مرملا إلا زودوه، ولا راجلا إلاّ حملوه، ولا عاريا إلاّ كسوه إن شاء الله، فإنّ سبيل الحاج خير السبل» .

    وقال كثير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله :

    أقول لما أتاني ثمّ مهلكه … لا يبعدنّ قوام الأهل والدّين

    قد غادروا في ضريح اللّحد منجدلا … بدير سمعان (١) قسطاس الموازين

    (٢) وقال الجمحي:

    ثلاثة ما رأت عيني لهم شبها … يضمّ أعظمهم في المسجد الحجر

    وأنت تتبعهم لم تأل مجتهدا … سقيا لها سبلا بالعدل تفتقر

    فإن قصرت عن العليا التي بلغوا … وأنت تطلبها واغتالك القدر

    فما بلغت التي من دون ما بلغوا … ففتّ في ذاك من تثنى له السّير

    لو كنت أملك للأقدار تروية … تأتي رواحا وتبيتا وتبتكر

    دفعت عن عمر الخيرات مصرعه … بدير سمعان لكن تغلب المرر

    (٣)

    vol. 9, p. 200قالوا: وكان عمر بن عبد العزيز أمر أن يخرج الفرزدق من مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وذلك إنه كان ينشد فيه الهجاء، ويتبذّى فقال فيه الشاعر:

    نفاك الأغرّ ابن عبد العزيز … ومثلك ينفى عن المسجد

    فلقي الفرزدق مخنثا فقال له: ما فعلت عمتنا؟ فقال: نفاها الأغرّ ابن عبد العزيز.

    vol. 9, p. 199
  27. المدائني قال: تزوج عبد الرحمن بن عمرو بن سهل بن عمرو من بني عامر بن لؤي بنتا لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فكانا أحسن زوج بالمدينة، فكلّمته يوما وقد مرض فأعرض عنها فقالت: يا حبيبي مالك أعرضت عني؟ قال: أموت وتتزوجين بعدي. قالت: فإني لا أفعل إن - وأعوذ بالله - حدث بك حدث بل أنا المتقدمة قبلك، فخطبها عمر بن عبد العزيز فتزوجته، فدخل عليها ابن قارظ الكناني فقال لها: مثلك ما قال القائل:

    تبدّلت بعد الخيزران جريدة … وبعد ثياب الخزّ أحلام نائم

    فقالت: ما ذاك مثلي، ولكنه ما قال أرطاة بن سميّة:

    ما كنت إلا والها ذات عولة … على شجوها بعد الحنين المرجّع

    متى لم تجده تنصرف لطياتها … من الأرض أو ترجع لأنف ومرجع

    فأفحمته. وكانت ابنتها من عبد الرحمن عند الحجاج بن يوسف فقال لها: مات أبوك فجزعت، فقال: لم تجزعين وقد تزوجت أمك عمر بن عبد العزيز؟ وحدثني الحسين بن علي الحرمازي، ثنا العتبي قال: سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يمدح فاطمة بنت الحسين، ويقال فاطمة بنت عبد الملك

    vol. 9, p. 201امرأته فقال: ما تعرف من الشرّ شيئا. فقال عمر: معرفتها بالشر جنّبتها إياه.

  28. وقال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز وهما بطريق مكة، وأراد أن يذكر له شيئا، فسأله: هل علينا من عين؟ قال: نعم عليك من الله عين بصيرة وأذن سميعة.

    قال العتبي: قرأ قارئ عند عمر بن عبد العزيز آية فلحن، فقال مسلمة: لحن والله يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أو ما شغلك معناها عن لحنه.

  29. حدثني عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم، أنبأ عثمان بن خالد بن دينار عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: لا تأتينّ سلطانا وإن أمرته بمعروف، ولا تخلونّ بامرأة وإن قرأت عليها القرآن، ولا تصحبنّ عاقّا فإنه لن يصلك، وقد عقّ والديه.

  30. المدائني عن عيسى بن يزيد قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قيل له: اكتب إلى يزيد وأوصه بالأمّة فقال: وبماذا أوصيه، إني لأعلم أنه من بني مروان.

  31. ثم كتب إليه: «أما بعد: فاتّق الله يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام» .

  32. حدثني عباس عن أبيه عن عوانة قال: أنشد عمر بن عبد العزيز قول الأحوص بن محمد الأنصاري:

    vol. 9, p. 202سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر (١)

  33. فبكى عمر وقال: ويحه ما أغفله عن قول الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾.

  34. ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ)﴾ (٢) .

    وقالوا: كان على شرطة عمر روح بن يزيد بن يستر السكسكي.

  35. حدثني عمرو بن محمد عن الحجاج الرصافي عن أشياخهم قال: عزّى رجل عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال:

    تعزّ أمير المؤمنين فإنّه … لما قد ترى يغذى الصغير ويولد

    هل ابنك إلاّ من سلالة آدم … وكلّ له حوض المنيّة مورد

    قالوا: ومرض عمر بن عبد العزيز، فقيل له: لو تداويت. فقال:

    لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي.

  36. وحدثني محمد بن خالد الطحان عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: «أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، وحديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه، فإني قد خفت دروس العلم، وذهاب أهله» .

    قال الواقدي: قال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة.

  37. وحدثني عمرو بن محمد عن الحجاج قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز في صحته عسلا يؤتى به من قرية على فراسخ، فقيل له: توجّه رسولا على

    vol. 9, p. 203دابّة من دواب البريد ليأتيك به، فقال: معاذ الله، لا يراني الله شاغلا جناحا من أجنحة المسلمين في شهوة اشتهيتها.

  38. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عمر أنه قال لمحمد بن كعب: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن فيك جرأة، وجبنا، وكيسا، وعجزا، فداو بعض ما فيك ببعض، وعليك بأهل الدين والعقل فإنهم يكفونك أنفسهم ويعينونك على غيرهم، وإيّاك ومن مودته لك بقدر حاجته إليك فإذا انقطعت حاجته ذهبت مودته.

  39. وإذا اصطنعت صنيعة فأحسن ربّها وغذاءها. فقال عمر: أحسن الله جزاءك.

  40. وحدثني هشام بن عمار قال: بلغني أن رجلا تكلم عند عمر بن عبد العزيز فرفع صوته فقال عمر: بحسب الرجل أن يسمع جليسه، لو أدرك شيء خيرا بشدّة صوت لأدركته الحمير.