أمر يزيد بن المهلب وقصته قبل ولاية يزيد بن عبد الملك وفي أيامه

122 paragraphs · vol. 9, p. 279

Page 3 of 4

  1. وكان القطامي في حين بلغه أمر يزيد بن المهلب قال:

    vol. 9, p. 315لعلّ عيني أن ترى يزيدا … يقود جيشا جحفلا رشيدا

    نسمع للأرض به وئيدا … لا برما جبسا ولا حسودا

    ولا جبانا في الوغى رعديدا

    ثم إنه بعد ذلك سار مع مسلمة بن عبد الملك فحارب يزيد بن المهلب، فقال يزيد: ما أبعد شعر القطامي بن جمّال من فعله.

    vol. 9, p. 314
  2. وحدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: مرّ يزيد بن المهلب بفرقد السّبخي، ومع يزيد إخوته: عبد الملك، والمفضّل، وأبو عيينة، فوقف على فرقد وعليه جبة صوف وعلى عاتقه منجل، فقال له:

    يا أبا يعقوب إن بني أمية ابتزوا الناس أمورهم فلو خرجت سارع الناس إليك، فقال: هيه، اذهب عنا. فقال إخوته: من هذا؟ قال: فرقد السبخي. فقال المفضل: إنا لله وإنا إليه راجعون، بعد الأحنف بن قيس والمهلب، ومالك بن مسمع صرنا إلى فرقد السبخي؟ هلكنا ورب الكعبة.

    قالوا: ووجه يزيد بن عبد الملك - وهو يزيد بن عاتكة - مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك في جمع عظيم من أهل الشام والجزيرة يقال إن مبلغه سبعون ألفا، ويقال ثمانون ألفا.

  3. وكان يزيد حين خلع قال: إني لأرجو أن أهدم مدينة دمشق حجرا حجرا. فقال الفرزدق:

    تخبّرك الكهّان أنك ناقض … دمشق التي قد كانت الجنّ جزّت

    لها من جبال الثلج صخرا كأنه … قناعيس (١) حتى أشرفت واشمخرّت

    vol. 9, p. 316أتتك خيول الشام تخطر بالقنا … لها خرق كالطّير لما استعلّت

    يقود نواصيها إليك مبارك … إذا ما تصدّى للكتيبة ولّت

    من آل أبي العاصي حوالي لوائه … ثمانون ألفا كلّها قد أظلّت (١)

  4. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن أشياخه قال: نزل مسلمة والعباس النّخيلة بالكوفة، فقال مسلمة: ليت هذا المزوني لا يكلفنا اتباعه في هذا البرد، فقال حسان النّبطي: أنا أضمن لك أن يزيد لا يبره الأرصة - يريد: أنا أضمن لك أن يزيد لا يبرح العرصة - فقال العباس: لا أم لك أنت بالنبطية أبصر منك بهذا، فقال حسان له: نبّط الله وجهك أشقر أحمر أزرق ليس اليه طابئ الخلافة - يريد أشقر أحمر ليس عليه طابع الخلافة، فقال مسلمة: يا أبا سفيان، لا يهولنّك قول العباس. قال: إنه أهمق لا يأرف - يريد أحمق لا يعرف-.

    قالوا: وقد كان جرى بين العباس ومسلمة اختلاف، فبلغ ذلك يزيد بن عاتكة، فوجّه عثمان بن حيّان المرّي ليصلح بينهما، وضمن له يزيد بن عاتكة إن فعل أن يفكّ عنه حدّين كان حدّه إياهما أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو يومئذ عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة، أحدهما لرجل من قريش قال له: يا مخنث، أو يا منكوح، والآخر في شراب.

  5. فلما أصلح بينهما واستقام أمرهما عزل يزيد ابن حزم، وكان عامله بعد سليمان وعمر أيضا، فاقتصّ عثمان منه الحدّين. وكان شاعر الأنصار قال:

    vol. 9, p. 317نحن ضربنا الفاسق ابن حيّان … حدّين لم نخلطهما ببهتان

    فقال شاعر قيس:

    نحن ضربنا الفاسق ابن حزم … حدين لم نخلطهما بإثم

    قالوا: ولما بلغ يزيد بن المهلب إقبال مسلمة والعباس في جند أهل الشام والجزيرة، كتب إلى محمد بن المهلب في القدوم من فارس، فقدم عليه وقيل له: ائت فارس فإن بها قلاعا منيعة فإن أعطيت ما تريد، وإلا أتيت خراسان، فقال: أمع الوعول بفارس؟ فقال محمد: أقم فقاتل بأهل مصرك. فقال حبيب: لا تخدعن فإن أهل مصرك غير مقاتلين معك، ولكن احمل هذا المال واخرج إلى الموصل فادع عشيرتك بها، فقال: يا أبا بسطام أردت أن تقربني من عدوي فيقاتلني في بلاده؟ لا ولكني آت واسطا ثم أقرب من الكوفة وأرتاد مكانا فيه مجال للخيل، وأرجو أن ينضم إليّ من أهل الكوفة مثل من معي من أهل البصرة.

  6. فعسكر بالبصرة عند الجسر، وأمر مروان بن المهلب أن يستنفر الناس، وكان الحسن البصري يثبط الناس عنه ويحذرهم الفتنة، فأخذ مروان ناسا من أصحاب الحسن فحبسهم فكف عند ذلك فخلاهم مروان.

  7. ثم وجه يزيد عبد الملك بن المهلب في أربعة آلاف إلى واسط فأتاها، وخرج يزيد من البصرة يؤمّ واسطا، واستخلف على البصرة مروان بن المهلب، فأتي مروان بمرتدّ فاستشار فيه الحسن فقال: قال رسول الله ﷺ :

    «من بدّل دينه فاقتلوه» ، فقتله.

  8. وقدم يزيد واسطا في ستة عشر ألفا، وشخص معه بعديّ بن أرطاة ومن حبسه معه، وتكلم الناس فعظموا أمر أهل الشام، فخطبهم فقال:

    vol. 9, p. 318رأيت ارتجاس هذا العسكر بقولهم جاء مسلمة، وجاء العباس، وجاء أهل الشام. وما أهل الشام هل هم إلا تسعة أسياف سبعة منها لي وسيفان علي؟ وما مسلمة؟ جرادة صفراء. وما العباس؟ نسطوس بن نسطوس أتاكم في برابرة وجرامقة وجراجمة وأنباط وأبناء فلاحين وأوباش أخلاط كاسلاء اللحم وأقباط. أليس لكم جنن (١) كجننهم، أوليسوا بشرا يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، فأعيروني سواعدكم ساعة تصفعون بها خراطيمهم.

  9. وكان خالد بن صفوان هرب من البصرة فلقيه يزيد بواسط وكانت بوجهه بثرة عليها دواء فاستأذنه وقال إنه وصف لي شرب التيادر (٢) بطوس، فأذن له، فتنحى.

    وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص أو غيره:

    أبا خالد قد هجت حربا فلا تقم … وقد شمّرت حرب عوان فشمّر

    فقال يزيد حين بلغه هذا البيت: قد كان ذاك.

    وإنّ بني مروان قد زال ملكهم … فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر

    فعش ملكا أو مت كريما وإن تمت … وسيفك مشهور بكفّك تعذر

    فقال يزيد: أما هذا فنعم.

  10. وقال عطية بن السّائب الشّنّي

    أبا خالد إنّ المنايا مطلّة … فمت صابرا قدما كما مات مصعب

    ولا تقبلن خسفا فما من سعادة … لمن عاش مذموما يلام ويقضب

    vol. 9, p. 319فلما سمع يزيد قوله: كما مات مصعب. قال: صدق فوك.

  11. ووجه يزيد إخوته يرتادون له موضعا للمعسكر فاختاروه بالعقر، فخلف على واسط ابنه معاوية بن يزيد، وخلف عدي بن أرطاة ومن حبس معه عنده، وسار يزيد حتى نزل معسكره بالعقر بين المدائن والكوفة وهو من سوراء (١) ، وأتاه ناس من أهل الكوفة يعينونه.

  12. ونزل عبد الحميد بن عبد الرحمن النّخيلة وبثق الأنهار لئلا يصل أحد إلى الكوفة، وبعث مع سند بن هانئ الهمداني جيشا إلى مسلمة ليقاتلوا ابن المهلب معه، وقال الفرزدق:

    هلاّ زجرت الطير إن كنت زاجرا … غداة نزلت العقر إنك تعقر (٢)

  13. ولما قرب أهل الشام منه وجه أخاه محمدا، وكان يسمى المشؤوم، وابنه المعارك، في جمع كثيف فلقوا العباس بن الوليد بسوراء وهو في أربعة آلاف سوى من صار إليه من أهل البصرة مخالفين ليزيد، فالتقوا فانكشف أهل الشام، وصبر هريم بن أبي طحمة وأهل البصرة، فناداهم هريم:

    يا أهل الشام لا تسلمونا. فعطفوا، وأقدم هريم وهو يقول:

    لما رأوني في الكتيبة معلما … أغشى الكريهة مثل ضوء الكوكب

    فاستيقنوا منّي بضرب صادق … ليست عداوتنا كبرق خلّب

  14. فهزموا أصحاب يزيد حين بلغوا إليه، فقال الفرزدق:
  15. أحلّ هريم يوم سوراء بالقنا … نذور نساء من تميم فحلّت (٣)

    vol. 9, p. 320وقال محمد بن المهلب ليزيد: لو وجهت إليهم خيلا فحركتهم. فعقد يزيد لعبد الله بن حيّان العبدي على أربعة آلاف، وضم إليه فضيل بن هناد الأزدي ثم الفراصي في خيل، وضم إليه سالما المنتوف في خيل، وصيّره على خيل بكر بن وائل فعبروا الصّراة. ووجه إليهم مسلمة سعيد بن عمرو بن أسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة في أربعة آلاف، وكان لأهل الشام كمين فاقتتلوا فقتل عبد الله بن حيان، وفارس من أصحاب فضيل بن هناد، وجال أهل العراق وخرج كمين أهل الشام عليهم عند جولتهم فكانت الهزيمة فلم يلووا على أحد حتى أتوا يزيد، وعثر بسالم المنتوف فرسه فصرع فأخذوه أسيرا فقال لمسلمة: استبقني لقتال الروم، فقال: يا بن اللخناء طالما كفيناك قتال الروم وكفاناهم الله قبلك، وأمر به فقتل. فقال موسى بن حكيم السّعدي:

    وبالمنتوف عبدكم فخرتم … فهلاّ بالصّراة حمى الذّمارا

    ثم عبر مسلمة الصراة، وخلّف الأثقال، وخندق خندقين، فقال المهلب بن العلاء بن أبي صفرة: إن هؤلاء قد خندقوا خندقا بعد خندق ولا آمن من يصلوا بخندقهم إلى خندقنا فعاجلهم، فضحك يزيد وقال: إن وصلوا فمه. فما أظن العسكرين ضمّا رجلا أضعف قلبا منك، فقال حبيب بن المهلب: أما والله إنك لتعرفه بغير الجبن وقد أشار عليك بالرأي ورماك به فبيّتهم وعاجلهم.

  16. فهمّ يزيد بذلك فقال بعض من معه من القراء: لا يحل لنا أن نبيتهم حتى ندعوهم، فأقاموا أياما ثم التقوا.

    vol. 9, p. 321قالوا: ولما كان اليوم الذي قتل فيه يزيد، وهو يوم الجمعة، لأربع عشرة ليلة خلت من صفر، سنة اثنتين ومائة، خرج منسر لأهل الشام ومنسر لأهل العراق فتهايجوا، فسمع يزيد ضجة فقال: ما هذا؟ فقيل:

    الناس يقتتلون. فدعا يزيد بدرعه وثيابه فلبسها وخرج ووضع له كرسي على باب خندقه، ووضع لمحمد كرسي آخر وجعلا يتحدثان، وقد كانت أصابت يزيد خلفة (١) قبل ذلك فضعف، فأمر الناس فتقدموا وعلى ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى الميسرة المفضّل بن المهلب، والراية مع المهلب بن العلاء، وركب محمد فرسه فلحق بهم فصار ومن معه على حاميتهم.

  17. وزحف أهل الشام، وفي ميمنتهم الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وفي الميسرة القعقاع بن خليل بن جزي العبسي، ويقال الوليد بن تليد العبسي، والوضاح البربري مولى عبد الملك في الوضاحية. ولوضاح هذا يقول جرير بن عطية:

    لقد جاهد الوضّاح بالحقّ معلما … فأورث مجدا باقيا أهل بربرا (٢)

  18. فاقتتلوا وصبر الناس، فقال مسلمة للوضاح: انطلق إلى جسر الصرّاة فأحرقه وأحرق السفن التي في الصراة. فأحرق الجسر وبعض السفن فلما رأوا النار اضطرب عسكر يزيد فقال يزيد ما للناس؟ قيل: انهزموا.

    قال: ولم؟ قيل: أحرق الجسر. فقال: لعنهم الله رعاج (٣) نفخ فطار، بئس حشو الكتيبة والعسكر، كأنهم غنم شدّ في ناحيتها ذئب.

  19. وصبر أهل الحفاظ، وفقئت عين المفضل، وجاء محمد وقد ضرب على جبهته بعمود فقال له يزيد: من ضربك؟ قال: لا أدري إلا أنه قال حين ضربني: أنا الغلام الحرشي فظننته سعيد بن عمرو الحرشي.

    vol. 9, p. 322
  20. وكان يزيد جالسا على كرسيه ينقل من مكان إلى مكان، ووضع على نشز من الأرض فنظر فإذا فرس حبيب بن المهلب قد جاء غائرا. فقال:

    هذا والله فرس أبي بسطام ولا أحسبه إلاّ قد قتل، وقال له بعض من معه:

    إني لأظنه كما قلت وأنت تشم التفاح، وكان معه تفاحة يشمها لضعفه.

  21. فدعا يزيد بفرسه الأشقر ثم ذكر قول القائل في الأشقر: إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، فتطير وقال: ائتوني بفرسي الأشهب فأتي به فركبه وحمل فلما توسط المعركة لقيه القحل (١) بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عزين من ولد زهير بن جناب الكلبي، فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، وله يقول المسيّب بن رفل بن حارثة بن جناب بن قيس بن أبي جابر بن زهير بن جناب الكلبي:

    قتلنا يزيد بن المهلب بعد ما … تمنّيتم أن يغلب الحقّ باطله

    وما كان في أهل العراق منافق … عن الدين إلا من قضاعة قاتله

    تخلّله فحل بأبيض صارم … حسام جلا عن شفرتيه صياقله

    وقال أبو مخنف: جلس مسلمة على تل وحوله حماة أهل الشام، وقصد أصحاب يزيد التل فلما رآهم مقبلين انحدر، وركب يزيد فرسا له أشهب وقاتل فصدم أهل الشام أهل العراق صدمة منكرة واختلط الناس،

    vol. 9, p. 323وفقد يزيد فقال المهلب بن العلاء: ويحكم اطلبوا محمد بن المهلب فإن فيه خلفا من يزيد إن كان يزيد قتل، فطلب يزيد فلم يوجد فألقى ابن العلاء اللواء وخنس في الناس.

  22. ودخل أهل الشام عسكر يزيد فأسروا ثلاثمائة فسمي ذلك اليوم يوم التل، ويوم العقر لأن مسلمة كان على تل، فلما أقبل الناس نحوه نزل عنه.

  23. وقتل في المعركة يزيد بن المهلب، وحبيب، ومحمد بنو المهلب، وعبد ربه، والحجاج بنو يزيد بن المهلب، وحرب بن محمد.

    وقال قوم من قيس: قتل يزيد الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وقيل للهذيل: انزل فاحتز رأسه فأنف وقال: أنا أنزل فأحتز رأسه؟ - استنكافا-.

  24. وقدم فلّ يزيد بن المهلب واسطا على معاوية بن يزيد بن المهلب، فقدّم عدي بن أرطاة ومن في الحبس معه فقتلهم، وأراد قتل نساء آل المهلب لئلا يؤسرون فأغلقن الباب دونه، فقال: أولى، أما والله لو ظفرت بكنّ ما أبقيت منكنّ واحدة، والله أولى بالعذر.

  25. ومضى معاوية إلى البصرة، وتحمل منها ففي ذلك يقول ثابت قطنة.

    وما سرّني قتل الفزاريّ وابنه … عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع

    ولكنها كانت معاوي زلّة … وضعت بها أمرا على غير موضع

    وكان الذين قتل معاوية بن يزيد بن المهلب: عدي بن أرطاة، وعبد الله بن عروة النصري، وابني مسمع.

    vol. 9, p. 324وقال أبو الحسن المدائني: لما قتل يزيد جاء قوم يقولون: جاء الفتح، ثم جاءت حقيقة الخبر، فقتل معاوية بن يزيد وهو على واسط عديا، وجميع من كان معه، وكان عدي قال ليزيد: استبقني فهو خير لك، فقال له: اني لخليق أن أشدك بالحديد وأضعك بيني وبين أهل الشام. فقال: إذا لا يمنعهم ذلك من الإغراق في النزع.

    قال: وأسر من أصحاب يزيد في المعركة ألفان وثمانمائة، فبعث بهم مسلمة بن عبد الملك من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية وكان عامله على الكوفة.

  26. وحدثني حفص بن عمر المعروف بالعمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش، وأخبرني الأثرم عن أبي عبيدة وقرأت على المدائني قالوا: لما قتل يزيد وأتى برأسه ورؤوس أصحابه إلى مسلمة أرسل بها مسلمة والعباس بن الوليد مع عذام بن شتير الضبي إلى يزيد بن عبد الملك وافدا وبشيرا، وبعث برأس يزيد خاصة مع محمد بن عمر المخزومي، فلما وردت الرؤوس على يزيد بن عبد الملك سجد ودعا بحجام فأخذ من ناصيته ونواصي من حضره، وكان ابن شهاب الزهري فيمن حضره، وكان أصلع شديد الصلع، فأخذ الحجام شعرات من قفاه.

  27. وأقطع يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر المخزومي مهلبان (١) ، وأقطع عذام بن شتير أرض زياد بن المهلب. وقال الفرزدق.

    vol. 9, p. 325لولا دفاعك يوم العقر ضاحية … عن العراق ونار الحرب تلتهب

    لولا دفاعك عنهم عارضا لجبا … لأصبحوا عن جديد الأرض قد ذهبوا

    لما التقوا وجنود الشام فاجتلدوا … بالمشرفيّة فيها الموت والحرب

    خلّوا يزيد فتى المصرين منجدلا … بالعقر منهم ومن ساداتهم عصب

    حامى سنان عليه في كتيبته … وأسلمته هناك العجم والعرب

    (١) سنان مولى بني مسمع، كان صبر في أربعمائة من القراء.

    قالوا: وكان سعيد بن عمرو الحرشي قال قبل القتال لمسلمة بن عبد الملك: ان محمدا كان لي ودّا، فلو أذنت لي فلقيته فأعطيته أمانا، لعله يصرف يزيد عن رأيه، قال: فسر إليه فأعطهم جميعا الأمان، فدنا سعيد بن عمرو من عسكرهم ونوّه بمحمد فأتاه فقال: يا أبا حرب أعن رأي ملئكم كان هذا؟ قال: إن يزيد خاف على نفسه، ففعل ما ترى، فأمنه، فأبى يزيد قبول الأمان.

    وقال أبو الحسن المدائني: نظر الحسن بن أبي الحسن إلى النضر بن أنس بن مالك، أو موسى بن أنس، وهو يقول: أيها الناس ما تنقمون من أن يقام لكم كتاب الله، فقال الحسن: وهذا ابن أنس قد شمر، قاتل الله ابن المهلب، اطرقي وميّشي، خرقاء وجدت صوفا (٢) .

  28. الطرق: الضرب ومنه قيل مطرقة الصانع، ومطرقة النجار وهي عوده. والميش: خلط الشعر بالصوف. ميّشت، أميّش، ميشا. وهذا مثل سائر.

    vol. 9, p. 326
  29. ومن رواية أبي مخنف أن يزيد قام فحرض الناس على القتال فقال: ان هؤلاء قوم لن يردعهم عن غيّهم إلا الطعن في أعينهم، والضرب على هامهم، إنه ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء - يعني مسلمة - وعاقر الناقة نسطوس بن نسطوس - يعني العباس - الذي كان سليمان بن عبد الملك عزم على نفيه فكلمته فيه حتى أقره على نسبه، ليس يهمهما إلاّ تشريدي في الأرض ولو جاؤوا بأهل الأرض جميعا ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم. فقيل له: إنا نخاف أن تصنع كما صنع ابن الأشعث. قال: أن ابن الأشعث فضح الذمار وفضح حسبه، هل كان يخاف أن يفوت أجله.

  30. المدائني عن رجل عن ابن عياش عن جعفر بن سليمان الأزدي قال:

    لما انتهى يزيد إلى سوراء من أرض بابل نزل العقر فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قيل: العقر. قال: انا لله وانا إليه راجعون. وتطيّر ثم دعا بدرعه فصبّها عليه وتقلد بسيفه، ثم دعا بقباء محشو فلبسه، ثم دعا اسماعيل بن عطارد فقال: حدثني عن ابن الأشعث. قال: هزم من الزاوية، فأتى دير الجماجم فهزم، فأتى المدائن فهزم، فأتى مسكن وهي عند دجيل الأهواز فهزم، فأتى جنديسابور فهزم، فأتى سابور. فقال يزيد: سوءة له، أما استطاع أن ينغمس في الموت ثم يغمض إغماضه، فوالله ما هي إلا رقدة إلى يوم القيامة، فعلم أنه وطّن نفسه على أنه لا يبرح حتى يموت - وتمثل بقول الشاعر:

    vol. 9, p. 327باست امرئ لم يطب نفسا بميتته … إنّ الكرام على ما نابهم صبر

    فلما التقوا أغمض كما قال حتى قتل.

    قال: ولما لبس سلاحه، دخلت عليه جاريته بسّامة، وكانت من أحبّ الناس إليه، وقد تهيأت وتلبست فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فكرة ذلك كراهة شديدة، وتبسم وقال:

    رويدك حتى تنظري عمّ تنجلي … غمامة هذا العارض المتألّق

    ثم خرج فقال لدارس: كن قريبا، ثم أطاف على رايات أهل الشام يسأل عن راية راية منها، فقال: أوّه، يقاتلني بقومي من لا قوم له.

    وقال أبو مخنف: لما قتل يزيد وانهزم الناس كان المفضل يقاتل أهل الشام، وهو لا يعرف خبر يزيد، ولا أنه قد قتل وأن الناس انهزموا، وإنه لعلى برذون له سمند (١) قريب من الأرض، وأمامه مجفّفة كلما حمل عليهم انكشفوا فيحمل ثم يرجع، حتى يكون من وراء أصحابه، وكان لا يلتفت من أصحابه أحد إلا قال له: لا تلتفت وأقبل بوجهك على عدوّك.

  31. وجعل عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ويقول:
  32. قد علمت أم الصبيّ المولود … أنّي بنصل السّيف غير رعديد

    وانكشف جلّ ربيعة، فناداهم المفضل: الكرّة، الكرّة يا معشر ربيعة، نفسي لكم الفداء، اصبروا ساعة فما كنتم بكشف ولا لئام وما الفرار لكم بعادة ولا يؤتينّ أهل العراق من قبلكم.

  33. فبينا هو كذلك إذ قيل له: ما تصنع ههنا وقد قتل يزيد، وحبيب، ومحمد، وانهزم الناس؟. فتفرق من مع المفضل، وأخذ المفضل الطريق إلى واسط، وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب.

    وقال أبو الحسن المدائني: قال أبو اليقظان: لما قتل يزيد أقبل عبد الملك إلى المفضل فكره أن يخبره بقتل يزيد فيستقتل، وقال: إن الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط، فلما علم بقتل يزيد حلف ألا يكلم عبد الملك أبدا، فما كلمه حتى قتل بقندابيل.

    قال: وكانت عين المفضل فقئت في الحرب فقال: فضحني عبد الملك آخر الزمن، وما عذري عند الناس إذا نظروا إلى شيخ أعور مهزوم، ألا صدقتني فقتلت كريما؟.

    وقال المفضل:

    لا خير في طعن الصناديد بالقنا … ولا في لقاء الحرب بعد يزيد

    وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه محمد بن السائب: قتل يزيد بن المهلب يوم التل القحل بن عياش، واسم القحل عمرو، وقتله يزيد أيضا ضرب كل واحد منهما صاحبه.

    وقال المدائني: يقال إن الهذيل بن زفر قتل يزيد، وأن القحل احتزّ رأسه، وجاء به إلى مسلمة. والخبر الأول أثبت.

    vol. 9, p. 328
  34. المدائني عن سحيم بن حفص: أن يزيد بن عبد الملك لما قدم عليه برأس يزيد بن المهلب، ورؤوس من قتل معه من أهل بيته أمر أن يطاف بها

    vol. 9, p. 329في أجناد الشام، وكان الذي عرّفهم الرؤوس: الحواري بن زياد بن عمرو العتكي.

  35. وبادر العباس بن الوليد فوجّه بالبشارة إلى يزيد بن عاتكة عذام بن شتير، قبل أن يوجه بها مسلمة أحدا.

    وقال الهيثم بن عدي: قال ابن عياش وعوانة: نزل يزيد العقر من سوراء ومعه ثلاثة آلاف من الاباضية عليهم جعفر بن شيمان الأزدي فقال يزيد. يا دارس كن مني قريبا.

  36. وتقدم محمد بن المهلب فأنشب الحرب، وكان مشئوما فقتل أهل الشام من الاباضية نحوا من ألفين، وعطفوا على يزيد فقاتل فقتل، وطلبه أصحابه فلم يقدروا عليه، وأصيب دارس مقتولا، ونظروا فإذا في وجه يزيد وصدره نحو من عشرين ضربه وطعنة، واحتزوا رأسه.

  37. وعمد معاوية بن يزيد بن المهلّب، وهو على واسط، فقتل عديا، ومن حبس معه من الأسارى فقال ثابت بن قطنة الأزدي:

    ما سرّني قتل الفزاري وابنه … عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع

    ولكنها كانت معاوي زلة … وضعت بها أمرا على غير موضع

    وأسر من أصحاب يزيد في المعركة، وممن كان في عسكره، ألفان وثمانمائة رجل، فبعث بهم مسلمة من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عامله على الكوفة، وعلى شرطه بالكوفة العريان بن الهيثم. فقال ذو الشامة للعريان: لست من هؤلاء في شيء فشأنك بهم. فميّزهم فقال: يا أهل اليمن أنتم الشعار دون الدثار، وأنتم معشر ربيعة الإخوة والحلفاء، وأما هؤلاء - يعني بني تميم-

    vol. 9, p. 330فأعدى الأعداء. فكان يخرج في كل يوم عشرين من بني تميم فيضرب أعناقهم حتى قتل منهم ثمانين ومائة، ويقال قتل منهم خمسين ومائة، ويقال قتل عشرين ومائة. فقال حاجب بن ذبيان المازني:

    رأيت المعيطيين خاضوا دماءنا … بغير دم حتى انتهى بهم الوحل

    فما حمل الأقوام أثقل من دم … حرام ولا ذحل إذا اتّبع الذّحل

    حقنتم دماء المصلتين عليكم … وحرّ (١) على فرسان غيرهم القتل

    وقى بهم العريان فتيان قومه … فيا عجبا أين الأمانة والعدل

    في أبيات.

  38. وكان قتل يزيد في سنة اثنتين ومائة.

    وقال أبو مخنف: أسر من عسكر يزيد بن المهلب ثلاثمائة رجل، فسرّح بهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بالكوفة، وجاء كتاب يزيد بن عاتكة إلى مسلمة بقتل الأسارى، فأمر محمد بن عمرو بذلك، فقال للعريان:

    أخرجهم عشرين عشرين. فقام قوم من بني تميم فقالوا: نحن انهزمنا بالناس فابدأوا بنا قبل الناس، فما هو إلا أن فرغ من قتلهم حتى جاء كتاب مسلمة بالكف عن قتلهم، فكان العريان يقول: والله ما أردتهم حتى قالوا: ابدأوا بنا.

    وقال المدائني: كانت هزيمة أصحاب يزيد من قبل الوضّاحية، والوضّاح مولى عبد الملك بن مروان، كانت معه خيل مفرّدة.

    vol. 9, p. 331قالوا: ولما وصل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك بعث به إلى امرأته أم الحجاج بنت محمد بن يوسف التي عذبها، وكلمه يزيد بن عبد الملك فيها فلم يجبه إلى ما سأله في أمرها، فبصقت في وجهه وقالت: أراك شيخا أحمق تطلب الباطل، فقال يزيد بن عبد الملك، والله ما أشبهت أم الحجاج أمي عاتكة بنت يزيد حين أتيت برأس الحسين بن علي فأراد الرسول أن يضعه على الأرض فشتمته ودعت بوسادة فوضع عليها، ثم غسلته وطيّبته.

    وقال المدائني وغيره: خرج مروان بن المهلب من البصرة هاربا وخلاّها فوثب عليها شبيب بن الحارث المازني فأخذها، ودعا ليزيد بن عبد الملك، وصلى بالناس حتى قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي من قبل مسلمة.

  39. وكان جيهان بن محرز نازع شبيبا فيها فقهره شبيب ببني مازن، وكان جيهان قاتل مع عدي بن أرطاة.

  40. وقام عطاء مولى بني شقرة - واسم شقرة معاوية بن الحارث بن تميم - وكان عطاء أعور فجعل يقول: جاءكم الأمان. فقال الشاعر:

    أليس عجيبا بحقّ الإله … قيام عطاء على المنبر

    يخبّر عنهم بأخبارهم … وما خبر الكاذب الأعور

    المدائني عن الربيع بن صبيح قال: جاءتنا هزيمة يزيد بن المهلب ومقتله فلما كان نصف النهار قال أبو نضرة: من يصلي بالناس؟ وخرج شبيب بن الحارث إلى الأبلة، وأمر الحسن أن يصلي بالناس فقال أنس: إني عليل. فغضب أبو نضرة وقال: يا سبحان الله تأتي جمعة لا يصلى فيها بمصر

    vol. 9, p. 332من أمصار المسلمين، ودخل على الحسن فقال له: إن الناس لا يصلون حتى تخرج، فإذا الحسن قد جاء معتمدا على رجل، فقام على الأرض فخطب وقرأ في خطبته: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)﴾ (١) ولم يقعد في الخطبة ثم أقام المؤذنون فقرأ: الجمعة، وسبّح اسم ربك الأعلى.

    قالوا: وصلب مسلمة بن عبد الملك جثة يزيد بن المهلب، وعلق معه خنزيرا ومرديا (٢) وزقّ خمر وسمكة.