أمر يزيد بن المهلب وقصته قبل ولاية يزيد بن عبد الملك وفي أيامه
122 paragraphs · vol. 9, p. 279
Page 2 of 4
- vol. 9, p. 298
فأبلغ القاسم بن عبد الرحمن عديا رسالته، فقال عدي للقاسم:
ما ترى؟. قال: أرى أن تشدّ يدك بهم حتى يضع يزيد يده في يدك، ثم ترى من رأيك.
-
ورجع القاسم إلى يزيد فقال: قد أبى إلا أن تضع يدك في يده، فبعث يزيد إلى الأزد وربيعة فجاءت الأزد وأبطأت ربيعة، ثم جاؤوا فقال يزيد: لو كنا ندعوكم إلى معصية إن كان ليجب عليكم أن تجيبونا وأنتم إخواننا، فكيف وإنما ندعوكم إلى حق، علام يحبس هذا الرجل إخوتي بغير جرم.
- vol. 9, p. 299
وأمر يزيد العرفاء أن يفرضوا للناس ففرضوا، وجعل يعطيهم قطع الفضة يقطعها لهم غلمان رجل من الصيارفة يقال له حريث، وأتى يزيد قوم من القرّاء والقصّاص، وأرسل يزيد إلى الأسواق فحوّلها أو أكثرها إلى الأزد، واشترى السلاح واعتزل فنزل مقبرة بني يشكر. وكانت اليمانية والربعية تختلف إليه، وكانت مضر تأتي عديا، وكان سبرة بن نخف بن أبي صفرة يختلف إلى عدي معتصما بالطاعة، فبعث إليه يزيد: يا أبا عمرو إنك تأتي هذا الرجل ولا آمن أن يغتالك بعض المضرية فيذهب دمك، فترك عديا ولزم بيته.
-
وكان البختريّ بن معن بن المغيرة بن أبي صفرة يرى الطاعة أيضا ويكره ما صنع يزيد فخرج الى الشام وأتى يزيد بن عبد الملك فقيل له: إنه عين ليزيد بن المهلب. فحبسه، فقال قصيدته التي يقول فيها:
فإن أكن مفردا بالشام مغتربا … دوني رتاج له قفل وإقليد
وأصبحت بعد قرب الدار نازحة … أمّ الخليل بأرض دونها البيد
وحدثني روح بن عبد المؤمن عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه أن عديا حبس من بني الملهب: حبيبا الحرون، ومروان، والمفضل، وعبد الملك، واستخفى محمد بن المهلب في الحدان، وتغيب بقية ولد المهلب في قبائل الأزد، فلم يقدر عدي عليهم، وكانوا امتنعوا من المصير إليه، فبعث إليهم من وجوه أهل المصر قوم ناشدهم وقالوا: لا تخافوا أميركم فقالوا: قد مات عمر بن عبد العزيز ولا ندري ما فعله بنا، فلم يزالوا بهم حتى أتوا عديا فلما أتوه حبسهم.
- vol. 9, p. 300
وحدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني على بن نصر الجهضمي عن مشايخهم أن عديا بعث الحسن بن أبي الحسن إلى ولد المهلب في عدة منهم:
عبد الله، وخالد ابنا عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد فناشدوهم أن يأتوا أميرهم ولا يؤثروا على الطاعة شيئا، فقال عبد الملك بن المهلب: انكم واطأتم عديا على هلاكنا وليست طاعته بواجبة علينا، فقال له الحسن:
كذبت. فغضب عبد الملك وقال للحسن: أتكذّبني يا بن اللخناء، وأخذ بقائم سيفه وقال: والله لولا أن أعيّر بقتلك وأنت في منزلي لضربت عنقك، فأنك عبد تريد استذلال أهل المصر بتخاشعك، وقد حمّقت نفسك وعدوت طورك وقدرك، فلم يزل المفضل أخوه يقسم عليه ويسكّنه حتى سكن، ولم يجبه الحسن بشيء.
ثم قال له: يا حسن ألم تطمر نفسك من الحجاج حينا، وليس هذا سلطان بني أمية، وذلك سلطانهم، ولسنا نأتي عديا على هذه الحالة لأنّا لا نأمنه على دمائنا كما لم تأمن الحجاج على دمك. قال الحسن: فإن عديا أمنكم من كل ما تكرهون، وأمرني أن أعقد لكم أمانا، وأضمن لكم عنه الوفاء.
-
فوثق المفضّل بقوله ولم يزل بعبد الملك حتى مضى معه إلى عدي، وتخلف الآخرون. فلما دخلا على عدي أخفر الحسن وحبسهما مع حبيب ومروان، ثم بعث فأتي بأبي عيينة ومدرك فحبسهما فصاروا ستة فقيدهم جميعا.
-
فلما حبس بني المهلب صعد المنبر فنعى عمر وأخبر بقيام يزيد بن عاتكة، وكان المغيرة بن عبد الله الباهلي في خمسمائة فارس بالطّف، قد
vol. 9, p. 301جعلهم عدي هناك ليمنع يزيد من دخول البصرة، فلما دنا منه انهزم وأصحابه من غير قتال، فلما انتهى إلى محرس بني تميم قالوا: من هذا؟ قيل الأمير يزيد، فسلموا عليه بالإمرة ودعوا له ثم انصرفوا إلى عدي فأخبروه بمقدم يزيد، فغضب عليهم وشتمهم وقال: تركتموه حتى دخل، ثم جئتموني تخبروني عنه. قالوا: فعاجله الساعة قبل أن يغلظ أمره وتشتد شوكته فإنه إن أصبح لم تصل إليه.
-
وسأل يزيد عن إخوته الذين حبسهم عدي مع حبيب ومدرك فقال:
هب هذين ولّيا، فما بال الآخرين؟ وكان مدرك ولي ليزيد سجستان وولي حبيب السند، فلما عزلهما عدي حبسهما.
-
ولم يعط عدي الناس من بيت المال شيئا، وجعل يعطيهم في اليوم درهمين درهمين سلفا من مال يقترضه ويقول: خذوا هذا حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين يزيد، فقد كتبت إليه أن يطلق لي إعطاءكم من بيت المال، وإن أقدمت على إعطائكم من بيت المال لم آمن لائمته وأن لا يحسب ما تأخذونه لي، فقال الفرزدق:
أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم … إلى الموت آجال لهم ومصارع
وأحزمهم من كان في قعر بيته … وأيقن أنّ الغرم لا بدّ واقع (١)
-
حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو عاصم النبيل عن أبي عامر الخزاز قال: فرض عدي لأصحابه درهمين درهمين، فرأيت رجلا من أصحاب
vol. 9, p. 302الحرس وقد طعن فخرج تربه (١) وإنه ليقال له: قل لا إله إلا الله فيقول هاتوا الدرهمين. حتى خرجت نفسه.
-
حدثني عمر بن شبّه عن أبي عاصم عن أبي عامر الخزاز بمثله.
-
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: جمع عدي لقدوم يزيد، أهل البصرة وخندق عليها، فبعث على خمس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، وعلى خمس تميم محرز بن حمران السعدي أو جيهان ابنه، ويقال عبيد الله بن مضارب الدارمي، وعلى بكر بن وائل عمران بن عامر بن مسمع ويقال نوح بن شيبان المسمعي. والثبت أن رجلا من بني قيس بن ثعلبة يقال له أبو منقذ قال: إن الراية لا تصلح إلا في بني مالك بن مسمع، فدعا عدي بن شيبان بن مالك بن مسمع فعقد له على بكر بن وائل، وعقد لمالك بن المنذر بن الجارود على عبد القيس، وعقد لعبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز على أهل العالية. وقال غير أبي مخنف: عقد لعبد الأعلى بن الفرات الأسدي على أهل العالية.
-
وأقبل يزيد لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيل من قبائلهم إلا تنحوا له عن الطريق حتى يمضي.
-
وحدثني روح بن عبد المؤمن عن علي بن نصر الجهضمي عن محمد بن أبي عيينة قال: غضب عمران بن عامر بن مسمع فمال إلى يزيد.
وقال أبو الحسن المدائني وأبو عبيدة: كان بالأهواز رجل من أهل الشام من السكاسك يكنى أبا السكن، واسمه عبد الله بن هارون، فلما بلغه
vol. 9, p. 303أمر يزيد أقبل لينصر عدي بن أرطاة، فخاف عدي أن يعرض له يزيد، فبعث لمسور بن عمر بن عباد بن الحصين والزِّرد بن عبد الله السعدي ليمنعاه ممن أراده، فبعث يزيد إليه محمد بن المهلب - أخاه - والمهلب بن العلاء بن أبي صفرة، فالتقوا عند الجسر، ففر الزّرد والتقى محمد والمسور فضرب محمد المسور فأصاب أنف البيضة، فجرحه على أنفه، وضرب المسور محمدا فتناول محمد السيف من المسور وجذبه فحزّ في أصابع محمد، والتقى ابن العلاء وأبو السّكن فطعنه ابن العلاء ففقأ عينه وتحاجز القوم، فقال الشاعر:
وأفلت في يوم الخميس بنفسه … وكاد يلاقي الموت زرد بني سعد
حززنا بحدّ السيف كفّ محمد … ولم نبتئس إن فرّ زرد بني سعد
وقال قوم من الأزد: كانت ليزيد رمكة بالأهواز فوجه المهلب بن العلاء ليقدم بها، وبلغ ذلك عديا فسرح المسور لذلك، وأرسل يزيد أخاه ليمنع منه فالتقوا بصهر تاج (١) ووافاهم أبو السكن على تلك الحال فقاتل مع مسور ففقئت عين أبي السكن وجرح مسور على أنفه، وانهزموا.
وقال المدائني: ولى يزيد بكير الفراهيدي من الأزد الجسر، فأقام هناك، ونظم عدي ما بين دار الإمارة والمربد بالخيل والرجال.
قالوا: وسار يزيد لمحاربة عدي، وعدي في دار الإمارة، فأمر بظلال السوق فأحرقت وهدمت الدكاكين، فقال هريم بن أبي طحمة، واسمه
vol. 9, p. 304عدي بن حارثة بن الشريد بن مرة بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أبو الترجمان بن هريم، والمسور بن عمر بن عباد بن الحصين الحبطي، من بني تميم لعدي: ما تناظر من هذا المزوني وأنت أعز منه وأعدّ، فأمرهما أن يسيرا إلى المربد، وبث خيله في النواحي واستعد للحرب، وكتب إلى يزيد بن عبد الملك يعلمه خلع يزيد بن المهلب، وخرج هريم بن أبي طحمة في جمع كثيف من بني تميم ومن قيس إلى المربد، ووقف هو في القلب في حنظلة وسعد، فوجه يزيد إليهم محمد بن المهلب والمشمعلّ الشيباني، ودارس مولى حبيب بن المهلب فقاتل دارس وأصحابه بني تميم من أصحاب عدي، وكانوا في إحدى المجنبتين وهو يقول:
أنا غلام الأزد واسمي دارس … إنّ تميما سماء ما تمارس
إذا دعونا فارسا لفارس
وقال الفرزدق
تفرّقت الجعراء أن صاح دارس … ولم يصبروا عند السيوف الصوارم
جزى الله قيسا عن عديّ ملامة … ألا صبروا حتى تكون ملاحم (١)
-
وقاتل محمد بن المهلب قيسا وهم في المجنبة الأخرى فهزمهم، وانكشف أصحاب عدي جميعا، وأعان بشر بن حاتم بن سويد بن منجوف أصحاب يزيد، وقاتل فأبلى، وأتاه محمد بن المهلب شاكرا له، وبعث إليه يزيد بصلة سنية مع عثمان بن المفضل بن المهلب، فزعموا أنه قيل لابن سيرين: أن بكرا أعانت الأزد فتمثل:
vol. 9, p. 305إذا كانت الأنصار بكر بن وائل … فذلك دين ناقص غير زائد
وكان فيمن قاتل يومئذ سالم المنتوف فقال بعضهم:
إنّ تميما ساء ما تمارس … ويل لها من سالم ودارس
وقال الفرزدق:
والأزد قد نظمت بالمربدين وقد … حلّوا بأرعن مثل الطّود جرّار (١)
-
وإنما كره محمد ودارس أن يصير أصحاب عدي إليه فيقوى بهم، وكره أصحاب عدي أن يولّوا فيكبّ محمد ودارس عليهم.
قالوا: ولما كان من الغد بعث عدي هريم بن أبي طحمة المجاشعي إلى المسجد المعروف بمسجد الأنصار في خيل، فأرسل يزيد أخاه محمدا وهو ابن الطالقانية، فشد على هريم فاحتضنه وأخذ بمنطقته فقال هريم: عمك يا بن أخي، فتركه.
وقال أبو مخنف في بعض روايته: التقوا عند مسجد الأنصار ليلا، فأهوى محمد لمنطقة هريم ليحمله فيقتلعه من السرج، فانقطعت منطقته فتركه، وأقبل مسور بربذ (٢) فضربه محمد على أنفه وانهزم أصحاب عدي.
وقال أبو عبيدة: ضرب محمد بن المهلب مسورا، ضربة على أنفه، فقال خلف بن خليفة الأقطع:
كسروا راية ابن أمّ هريم … وحذوا مسورا على الخرطوم
ووجه يزيد عثمان بن المفضل بن المهلب نحو عدي، وقد برز عدي إلى رحبة القصّابين، فلقى عثمان خيل عدي فهزمهم وأسر منهم رجلين
vol. 9, p. 306أطلقهما يزيد، وأبلى عثمان يومئذ بلاء مذكورا فزوجه يزيد ابنته الفاضلة بنت يزيد.
-
وهزم أصحاب عدي في كل ناحية، وقتل خالد بن واقد العقيلي وغيره، وهرب عدي فدخل الدار.
-
وأخذ دينار السجستاني مولى آل المهلب في العطّارين، ثم صار إلى الوزّانين، فرمي بصخرة من سطح فأصابت ظهره فمات واحتز رأسه رجل من بني تميم فأتى به عديا، وقال: هذا رأس بعض بني المهلب، فبعث به عدي إلى المحبّسين الذين عنده من ولد المهلب، فقالوا هذا رأس دينار مولانا.
-
وكان محمد بن المهلب ودارس ومن معهما مواقفين لهريم ومسور وأصحابها لا يقدم بعضهم على بعض، وذلك عند مسجد الأنصار حيث كانت وقعتهم، فلم يزالوا على تلك الحال حتى ظهر يزيد على عدي.
قالوا: والتقى عثمان بن المفضل وأصحاب عدي في الرحبة التي عند دار الإمارة فاقتتلوا، فصرع جيهان بن محرّز السعدي، فحماه معاوية بن أبي سفيان بن زياد، فقال الفرزدق:
دعا ابن أبي سفيان والخيل دونه … تثير عجاجا بالسنابك ساطع
فكرّ عليه مثل ما كرّ مخدر … من الأسد يحمي واردات المشارع (١)
-
وأم معاوية هذا أم أبان بنت حكيم بن قيس بن عاصم التّميمي.
-
ودنا الناس إلى عدي وهو في دار الإمارة، وألصقوا بالدار، فجعلت نبالهم تقع في الدار، فقال عدي لحبيب بن المهلب: أجرني. قال: لا،
vol. 9, p. 307ولا كرامة. فقال لأبي عينية وعبد الملك: أجيراني. فقالا: نعم. وكانت الأصوات إذا خفيت دنا بنو المهلب إلى عدي كأنهم يتعوذون به، وإذا علت دنا عدي منهم متعوذا بهم.
-
وجاء عبد الله بن دينار مولى بني عامر وكان على حرس عدي منهزما، فدق الباب، وقال: افتحوا فقد أخزى الله ابن المهلب فلم يفتح له حتى أسر، ودعا عثمان بن المفضل بسلم فوضعه على بيت المال أو دار الديوان فصعد الناس ثم انحازوا وخرجوا إلى دار الإمارة فأخذوا عديا، وفتحوا الباب، وأرسل عثمان إلى يزيد رجلا أعلمه الخبر، فأقبل يزيد حتى وقف على باب الدار وأخرج إليه إخوته، فأمر باطلاق قيودهم فأطلقت، ولم يدخل الدار ليكون الأمر - زعم - شورى ونادى مناديه: الناس آمنون إلا عديا وموسى بن وجيه الحميري، فقتل موسى، قتله رجل عطار، وقام أخو جرير بن حازم واسمه مخلد فاعتنق ابن وجيه وقال: اقتلوني وموسى فأصابه السيف، فحمل وهو مثقل فمات بعد أيام.
-
ويقال إن شقران مولى العتيك شد على موسى فعانقه، وقال: اقتلوني وموسى. وارتثّ شقران فحمل إلى العتيك فعاش أياما ثم مات.
-
وأمر يزيد فحوّل إليه عدي بن أرطاة وابنه، وحاضر بن أبي حاضر الأسدي ويقال أبو حاضر نفسه، وابن السّمط بن شرحبيل بن السمط الكندي، وزياد بن الربيع الحارثي وغيرهم ممن أخذ من أصحاب عدي فقيدوا جميعا فقال له عدي: لا تغرنّك نفسك يا يزيد فقد رأيت جنود الله من أهل الشام وبلاءه عندهم فتدارك أمرك قبل أن يشخصوا إليك، واعلم أن بقائي أبقى لك، ولئن طلبت الإقالة فهو خير لك.
vol. 9, p. 308وقال الفرزدق:
أعطى عديّ باسته واست أمّه … أبا خالد والخيل تدمى نحورها (١)
-
وأجمع قوم على الخروج من البصرة منهم: هريم بن أبي طحمة، والمسور، وعمر بن يزيد بن عمير الأسدي، ومحمد بن رباط الفقيمي، وهداب بن مسعود المازني، ومالك بن المنذر بن الجارود، والحواري بن زياد بن عمرو العتكي، فمضوا إلى الكوفة، فأكرمهم عبد الحميد بن عبد الرحمن الأعرج عامل الكوفة من قبل يزيد بن عبد الملك، وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز، فأقره يزيد على الكوفة وأدنى مالك بن المنذر، فحسده عمر بن يزيد فسعى به وقال: هو عين ليزيد عليك. وقال السرادق الباهلي:
غاب العرانين من قيس ولو شهدوا … يوم ابن أرطاة ما سبّت به مضر
قالوا: ولما ظهر يزيد على عدي أقام يومه ذاك في دار بحيال المسجد الجامع، فلما أصبح أمر فنودي في الناس فحضروا المسجد وحشدوا، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيها الناس إنّا غضبنا لكم فانظروا لأنفسكم رجلا يحكم فيكم بالعدل، ويقسم فيكم بالسّوية، ويقيم فيكم الكتاب والسنّة، ويسير بسيرة الخلفاء الراشدين» .
فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يا عجبا من يزيد إنه بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين اتبعوه تقرّبا إلى بني مروان، حتى إذا منعوه شيئا من دنياهم، وأخذوه بحق الله عليه غضب فعقد خرقا على قصب ثم نعق
vol. 9, p. 309بأعلاج فاتبعوه، وقال: إني قد خالفت هؤلاء فخالفوهم، ثم يدعوهم إلى كتاب الله وسيرة الخلفاء الراشدين، ألا وإن من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى محبس عمر، فقال رجل للحسن: كأنك راض عن أهل الشام؟ فقال: قبّح الله أهل الشام وترحهم. أليسوا الذين أحلّوا حرم رسول الله ﷺ ثلاثة أيام. وأباحوه أنباطهم وأقباطهم، لا يتناهون عن سيئة ولا انتهاك حرمة، ثم نصبوا المجانيق يرمون بيت الله، فلم يهج يزيد الحسن وكفّ عنه.
-
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن الحسن أنه قال في فتنة يزيد بن المهلب: كلما نعر لهم ناعر اتبعوه، هذا عدو الله ابن المهلب.
-
وحدثني عبد الواحد بن غياث عن جويرية بن أسماء قال: ذكر ابن المهلب عند الحسن فقال: فاسق قاتل الناس مع هؤلاء على غير هدى، ثم غضب غضبة، فعقد خرقا على قصب، ثم نعق بأعلاج وطغام فاتبعوه، فهو يزعم أنه يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة الخلفاء الراشدين الا وإنّ من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى حبس عمر.
-
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا عمر بن يزيد قال: سمعت الحسن أيام ابن المهلب يقول: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا لم يلبثوا أن يفرّج الله عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيكلهم الله إليه، فوالله ما جاء الجازع إلى السيف بيوم خير قط.
vol. 9, p. 310قالوا: وبايع الناس يزيد بن المهلب على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وتحول إلى دار الإمارة، ووجد في بيت المال عشرة آلاف ألف درهم، وخندق على البصرة، وولى شرطته عثمان بن أبي الحكم الهنائي من الأزد، واستعمل محمد بن المهلب على فارس، وهلال بن عيّاض الهنائي على الأهواز، وزياد بن المهلب على عمان، والمهلب بن أبي عيينة على جزيرة ابن كاوان، والأشعث بن عبد الله بن الجارود أو مهزم بن القرن العبدي على البحرين، وولى مدرك بن المهلب خراسان، وولى وداع بن حميد اليحمدي من الأزد قندابيل، فقال له حبيب بن المهلب: لا تولّه فإن في رأسه وعينيه غدرة، فكان من أمره أنه أغلقها دونهم، فقال المفضل: رحم الله أبا بسطام - يعني حبيبا - لأنه كان يرى أمر وداع، ويقال إن وداعا كان قتل قبل هربهم إلى قندابيل.
قالوا: ولما كان يوم الفطر خرج يزيد بن المهلب إلى المصلّى فخلع يزيد بن عبد الملك، وشتم بني مروان، ودعا إلى الرضا من بني هاشم، وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن فقال: وهذه الضّبعة العرجاء مضطجعا بالكوفة، فأخذ الناس عليه قوله: الضبعة، وإنما هي الضّبع والذكر ضبعان.
-
وأصاب الناس يومئذ مطر شديد، فانصرفوا وانصرف يزيد عن المصلى إلى الأزد وصحبه ناس قليل فغدّاهم وكساهم وأعطاهم مالا قسم بينهم، ثم رجع إلى دار الإمارة.
-
ووجه يزيد بن المهلب إلى بسطام بن مرّي المعروف بشوذب الشاري السميدع، ويقال حبيب بن خدرة يدعوه إلى نصرته، فقال شوذب للذي
vol. 9, p. 311أرسله يزيد من هذين الرجلين: لولا مكانك من الدين لقتلتك. أتدعوني إلى نصر يزيد؟ وضربه عشرين سوطا. وكان السميدع وحبيب صفريّين.
قالوا: وقدم عبد الملك ومالك ابنا مسمع بن مالك بن مسمع من السند، فكرها ان يقاتلا يزيد، فدعوا بني بكر إلى نصرة عدي، وكتبا إلى يزيد بن عبد الملك كتابا في أمر يزيد بن المهلب، فصار الكتاب إلى ابن المهلب فقال: أراهما يعينان عليّ ويبغياني الغوائل فحبسهما مع عدي وأصحابه.
قالوا: وكان قتادة بن دعامة السدوسي الفقيه ينتقص يزيد بن المهلب وينال منه، فبلغ ذلك يزيدا فأرسل يزيد إليه، وهو في الأزد، فلما دخل عليه شتمه، فأغلظ له قتادة فقال السميدع: دعني أبعج بطن هذا الأعمى، أعمى الله قلبه كما أنه أعمى البصر والقلب، فقال يزيد: أنا أراقب قومه، وأمر به فوجئ في عنقه ووضع فيها حبل وبعث به إلى الأهواز فحبس فيها.
-
وخرج قتادة وهو يبكي فقال له رجل: أتبكي يا أبا الخطاب؟ قال: نعم مما أرى. فلم يزل محبوسا حتى قتل يزيد فأخرجه صاحب السجن وكان من بني عجل.
-
وكتب ابن المهلب إلى زياد بن المهلب، وهو بعمان، أن يفرض ففرض لثلاثة آلاف رجل من أهل عمان، واستعمل عليهم المشماس بن عمرو الأزدي ثم الجديدي، فقدموا على يزيد، قالوا: وكان بالبصرة قاض يقال له زيد (١) . فشاور الحسن في صحبة يزيد فنهاه فصحبه، فأخبر يزيد
vol. 9, p. 312بقول الحسن فقال: يا قوم مالي وللحسن يخذّل الناس عني، إني لأخاف والله نفسي عليه، فكان الحسن يقول: يأتينا أقوام فينتصحونا فننتصح لهم فيسيئون بنا. زيدل، وما زيدل. لعن الله زيدلا.
وقال يزيد وذكر الحسن: والله ما أدري ما استبقائي إياه فإنه شيخ جاهل، لهممت أن أضربه حتى يموت، فقال المفضّل: أصلح الله الأمير.
-
إن له قدما وفضلا وقدرا بالمصر، فكفّه ذلك عنه.
وقال الشاعر:
لبئس ما أبلت تميم أمس … عند ابن أرطاة وعند البأس
لم يصلحوا إلا للقم دحس … وفلق البرنيّ (١) والتّحسيّ
ولّت تميم بظهور قعس … وأسلمت أدبارها للنّخس
وقال يحيى بن أبي حفصة:
لو نال عقدا عدي من حبالهم … ما حلّ بالسّجن في قيد وأصفاد
إن يقتلوك فإنّ الله قاتلهم … ودون قتلك يوم شرّه باد
آل المهلّب قوم خانة غدر … لن يهدي الله كيد الخائن العادي
وحدثت عن مرحوم العطار عن أبيه قال: لما كانت فتنة يزيد اختلف الناس في أمره، فانطلقت ورجل آخر إلى محمد بن سيرين فقلنا: ما ترى يا أبا بكر؟ قال: انظروا حين قتل عثمان ما صنع ابن عمر فاقتدوا به، فإن عبد الله بن عمر كفّ يده.
- vol. 9, p. 313
حدثني أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر قال.
قلت للحسن: إن أكرهني يزيد بن المهلب على الخروج معه فحمل عليّ رجل؟ قال: تناشده. قلت: فإن أبى؟ قال: فكن عبد الله المقتول.
قال: فخرجت إلى مكة فسألت مجاهدا فقال لي مثل قول الحسن.
-
ودعا يزيد للفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وبايعه فتوارى، وهرب عبد الواحد من ولد ابن عامر بن كريز، وخالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم المنقري الخطيب وجماعة من بني تميم وغيرهم. قالوا: ولما ورد حميد بن عبد الملك بن المهلب، وخالد بن يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك بكتاب ابن المهلب إليه في طلب الأمان استشار الناس في أمانه، فقالت المضرية:
لا تؤمنه فإنه أحمق غدار، وقالت اليمانية تؤمنه فتحقن الدماء ويستصلحه قومه. فأمر فكتب له أمان على أن يقيم ببلده، وأنفذه مع خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي، وصرف حميدا وخالدا معه، فتقدم خالد بن يزيد إلى أبيه بالبشارة.
-
وكان يزيد بن عبد الملك قد ولى عبد الرحمن بن سليم الكلبي خراسان، فلما كان ببعض الطريق مما يلي الكوفة بلغه ما صنع يزيد بن المهلب بعده، فأقام بمكانه، وورد خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب فلقيهم الحواري بن زياد بن عمرو العتكي، وكان قد صار إلى عبد الحميد فحمله من الكوفة على البريد إلى يزيد بن عبد الملك فأخبرهم بما فعل يزيد بن المهلب وقال: تركت عديا محبوسا مقيدا فقال حميد: إن هذا عدو لنا فهو يشنّع علينا.
- vol. 9, p. 314
وساروا حتى بلغوا الموضع الذي به عبد الرحمن بن سليم بقرب الكوفة فشدّ عبد الرحمن على حميد بن عبد الملك فاستوثق منه، وأخبر عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله والحكمي بما فعل يزيد بن المهلب وقال:
لا تنفذا إليه.
وقال أبو مخنف: ولى يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن سليم الكلبي خراسان، فلما كان بقرب الكوفة، بلغه ما كان من ابن المهلب، فأقام وكتب إلى يزيد بن عبد الملك: إنّ جهاد من خالفك أحبّ إليّ من ولاية خراسان فاجعلني ممن تنهضه لقتال ابن المهلب، فقد عصا وخلع وحبس عديا.
-
وورد عليه خالد بن عبد الله، وعمر بن يزيد بالموضع الذي أقام به، ومعهما حميد فقال لهما: لا تنفذا، وشد عبد الرحمن على حميد فبعث به إلى يزيد بن عبد الملك فحبسه.
-
ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن على خالد بن يزيد بن المهلب حين قدم الكوفة يريد أباه ليبشره - زعم - بالأمان، فبعث به إلى يزيد أيضا فحبسه، فلم يفارق حميد وخالد الحبس حتى هلكا فيه بالطاعون ويقال بل قتلا فيه، ويقال إن ابن جهم بن زحر كان معه فحبسه عبد الحميد.
-
وورد الحواري على يزيد بن عبد الملك فصدقه عن خبر ابن المهلب فعندها أمر بتوجيه الجنود إليه، وبعث يزيد إلى أهل الكوفة رجالا من أهل الشام يسكنونهم ويثنون عليهم بطاعتهم، ويعدونهم الزيادة في أعطياتهم، وفيهم القطاميّ بن جمّال الكلبي واسم القطامي حصين.