٩٧ - كتاب قتال أهل البغي
20 paragraphs · vol. 8, p. 217
- vol. 8, p. 217
قال أبو بكر: قال الله جل ثناؤه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
-
يقال: إن الآية نزلت في أمر كان بين قوم على عهد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.
-
(ح ١٦٨٩) وروينا عن أنس بن مالك: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه وركب (١) حماراً، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: إليك عني فو الله لقد آذاني ريح حمارك، فقال [٢/ ٣٣٢/ألف] رجل من
vol. 8, p. 218الأنصار: والله، لحمار رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه. فكان بينهم ضربٌ بالجريد وبالأيدي والنعال. فبلغنا أنها نزلت فيهم {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} .
قال أبو بكر:
م ٥٣٩٣ - وإذا اعتزلت جماعة من الرعية إمام المسلمين ومنعوه حقاً من الحقوق، ولم يعتلوا فيه بعلة يجب على الإمام (١) النظر فيه، ودعاهم الإمام إلى الخروج مما يجب عليهم، فلم يقبلوا قوله، وامتنعوا من أداء ذلك إلى الإمام، فحق على إمام المسلمين حربهم وجهادهم، ليستخرج منهم الحق الذي وجب عليهم، وحق على الرعية قتالهم مع إمامهم إذا استعان الإمام بهم.
-
كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتال من منع الزكاة، انه قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. وتأول:
(ح ١٦٩٠) قول النبي- صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابهم على الله" .
-
فرأي أن الزكاة من الحق الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 8, p. 219
ويقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، قاتل قوماً كفروا بعد إسلامهم.
-
ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب.
وقال الشافعي: "وأهل الردة بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ضربان: ضرب منهم كفروا بعد إسلامهم، مثل طُلَيحَة، والعنسي، ومسيلمة وأصحابهم.
-
ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات.
-
ولا نعلم أحدا في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنهم من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - امتنع من قتالهم.
-
ولا أرى رأيا خلاف الذي رآه الصديق.
-
فهذا مع دلائل سنن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كالإجماع من المهاجرين
vol. 8, p. 220والأنصار على أن الصديق قام في ذلك بحق وجب عليه القيام به.
-
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد بلغه عن القوم الذين قاتلوا كلاما، قبل أن يقتلوا عبد الله بن خباب، فلم يقاتلْهم، فلما قتلوا عبد الله بن خباب قال لهم: أقيدوني من ابن خباب، قالوا: كلنا
قتله. فحينئذٍ استحل قتالَهم [٢/ ٣٣٢/ب] فقتلهم.
-
(ح ١٦٩١) وقد ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (١) أمر بقتلهم قال: سمعته يمول: "سيخرج أقوام في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانُهم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة،
فأينما لقيتَهم فاقتلْهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة.
- vol. 8, p. 221
م ٥٣٩٤ - واختلفوا في قتل المُدْبر منهم، والأسير، أو الجريح.
-
فكان الشافعي يقول: لا يقتل منهم مُدْبرٌ أبداً، ولا أسير، ولا جريح بحال.
قال أبو بكر: ومن حجة من قال هذا القول قول علي رضي الله عنه يوم الجمل: لا يُذفّف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق باباً، أو بابه، فهو آمن، ولا يتبع مدبر.
-
وروي نحو (١) ذلك عن عمار بن ياسر.
وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا هزموا ولهم فئة يلجؤون إليها فينبغي لأهل الجماعة أن يقتلوا مدبرهم، وأن يُجيزوا على جريحهم، وأن يقتلوا من أسر منهم.
-
فإن انهزم الخوارج ولم يكن لهم فئة يلجؤون إليها لم يقتل مدبرهم، ولم يجيزوا على جريحهم، ولم يقتلوا أسيرهم، ولكن يعاقبون ويضربون من أخذ منهم ضربا وجيعاً، ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه
ويحدثوا توبة.
vol. 8, p. 222وقال الأوزاعي بعد أن ذكر قول أبي حنيفة: وما تحل هذه السيرة في الفئة إذا افترقت الأمة، ولا في الطائفتين اللتين نزل فيهما وفي أشباههما القرآن، ولا في الخوارج إذا هزمهم المسلمون قتل أسيرهم والإجازة على جريحهم.
قال أبو بكر: وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنه قولاً يوافق قول الأوزاعي، والنعمان.
-
وروينا عن ابن عباس أنه سئل عن أناس من الخوارج: "قالوا فهزمناهم أنقتلهم؟ قال: اقتلهم ما كانت لهم فئة يرجعون إليها.
-
فإن لم يكن لهم فئة فلا تقتلوا مدبراً ولا مقبلاً".
-
وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ودى قوماً من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين.