مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 41 of 79
- vol. 9, p. 301
وهذا ما لا خِلافَ فيه بين العُلماءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد نصَّ عليه في كِتابِهِ للمُذنِبينَ مِنَ المُسلِمينَ، وللكُفّارِ أيضًا.
-
وقال ابنُ عبّاسٍ، ومجُاهِدٌ، والضَّحاكُ، وقتادةُ، وغيرُهُم في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} قالوا: كلُّ ما عُصِيَ اللهُ به، فهُو جَهالةٌ، ومن عمِلَ السُّوءَ وعَصىَ الله، فهُو جاهِلٌ {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: ١٧] قالوا: ما دُونَ الموتِ، فهُو قَرِيبٌ (١) .
-
وهذا أيضًا إجماعٌ في تأويلِ هذه الآيةِ، فقِفْ عليه.
-
ذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن ابن عُمرَ، قال: التَّوبةُ مبسُوطةٌ ما لم يَسُقِ العَبْدُ. يقولُ: يَقَعْ في السَّوْق (٢) .
-
ولقد أحسنَ محمودٌ الورّاقُ رحِمهُ الله حيثُ قال (٣) :
قدِّمْ لِنفسِكَ تَوْبةً مرجُوَّةً ... قبلَ المماتِ وقبلَ حَبْسِ (٤) الألسُنِ
بادِرْ بها (٥) عُلَقَ (٦) النُّفُوسِ فإنَّها ... ذُخْرٌ وغُنْمٌ للمُنيبِ المُحسِنِ
قال أبو عُمر: التَّوبةُ أن يترُكَ ذلك العملَ القبيحَ بالنِّيَّةِ والفِعْلِ، ويَعْتَقِدَ أن لا يَعُودَ إليه أبدًا، وَينْدمَ على ما كان منهُ، فهذه التَّوبةُ النَّصُوحُ المقبُولةُ إن شاءَ اللهُ عندَ جماعةِ العُلماءِ، واللهُ بفضلِهِ يُوفِّقُ ويعصِمُ من يَشاءُ، لا شَريكَ له (٧) .
- vol. 9, p. 302
حديثٌ سادِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا لاعَنَ امرأتَهُ في زَمَنِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وانتفَلَ مِنْ ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما، وألحَقَ الولدَ بالمرأةِ.
-
هكذا قال: وانتفَلَ مِنْ ولدِها، وأكثرُهُم يقولُون: وانتَفَى مِنْ ولدِها. والمعنى واحدٌ، ورُبَّما لم يذكُر بعضُهُم فيه: انتَفَى، ولا: انتفَلَ، واقتصرَ على الفُرْقةِ بين المُتلاعِنَيْنِ، وإلحاقِ الولدِ بأُمِّهِ، فهذا أعظمُ (٢) فائدةِ حديثِ ابن عُمرَ هذا.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ (٣) بن إسحاق الرّازيُّ وأبو أحمد الحُسينُ بن جَعْفرٍ الزَّيّاتُ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُور، قال (٤) : حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَ المُتلاعِنَيْنِ، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
-
وقد قال قومٌ (٥) في هذا الحديثِ عن مالكٍ: إنَّ الرَّجُلَ قذَفَ امرأتَهُ. وليسَ هذا في "المُوطَّأ" ولا يُعرَفُ من مذهبِهِ.
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أحمد القاضي، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا عاصِمُ (٦) بنُ مِهْجَع (٧)
- vol. 9, p. 303
خالُ مُسدَّدٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من ولدِهِ، وقذَفَ امرأتَهُ، فلاعَنَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
-
وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ والحَسَنُ بن سوّارٍ، قالا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من وَلدِهِ، وقذَفَ امرأتهُ، فلاعنَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما، وألحَقَ الولدَ بأُمِّه (١) .
-
وأمّا قولُهُ: ففرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما، فهُو عندِي محفُوظٌ من حديثِ ابن عُمرَ، صحيحٌ.
وقال ابنُ عُيينةَ: عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. وأنكرُوهُ على ابن عُيَينةَ في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْل، وقد ذكَرْتُ (٢) ذلكَ في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من كِتابِنا هذا.
-
وقد كان ابنُ مَعِينٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: سُئلَ يحيى بن مَعينٍ، عن حديثِ ابن عُيينةَ: أنَّ (٣) النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينهُما. فقال: أخطأ، ليسَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينهُما. هكذا ذكرهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في "التّاريخ" (٤) عن ابن مَعينٍ.
-
فإن صحَّ هذا، ولم يكُن فيه وهمٌ، فالوجهُ فيه، أن يُحمَلَ كلامُ ابن مَعينٍ على أنْ ليسَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينهُما من حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ.
-
وأمّا ظاهِرُ كلام ابن مَعينٍ، فإنَّهُ يُوجِبُ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يُفرِّقْ بينَ
vol. 9, p. 304المُتلاعِنَيْنِ، وهذا خطأٌ من ابن مَعينٍ، إن كان أرادَهُ؛ لأنَّهُ قد صَحَّ عن ابن عُمرَ من حديثِ مالكٍ، وغيرِه: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ.
-
وقد يحتمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِهِ: ليسَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينهُما، أي: أنَّ اللِّعانَ فرَّقَ بينهُما. فإن كان أراد هذا، فهُو مَذْهبُ مالكٍ وأكثرِ أهلِ العِلم، وقد ذكَرْنا هذا المعنى في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ من كِتابِنا هذا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، سمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ يقولُ: شهِدتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، وكُنتُ ابنَ خمسَ عَشْرةَ سنةً، فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْن (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ ووَهْبُ بن بَيانٍ وأحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح وعَمرُو بن عُثمانَ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال مُسدَّدٌ: قال: شهِدتُ المُتلاعِنَيْنِ على عَهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سنةً، ففرَّق بينهُما رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. وقال الآخرُونَ (٣) : إنَّهُ شهِدَ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ، فقال الرَّجُلُ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسكتُها. وبعضُهُم لم يَقُل: عليها. قال أبو داودَ: ولم يُتابِعْ أحدٌ ابنَ عُيَينةَ على قولِهِ: إنَّهُ فرَّق بين المُتلاعِنَيْنِ.
vol. 9, p. 305قال أبو عُمر: معنى قولِ أبي داود هذا عِندِي: أنَّهُ لم يُتابِعْهُ أحَدٌ على ذلك: في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ؛ لأنَّ ذلكَ محفُوظٌ في حديثِ ابن عُمرَ من وُجُوهٍ ثابتةٍ، وأظُنُّ ابنَ عُيَينةَ اختلطَ عليه لفظُ حَديثِهِ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، بلفظِ حديثهِ عن عَمرِو بن دينارٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عُمر.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢) : حدَّثنا إسماعيلُ، يعني: ابنَ عُليَّةَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: رَجُلٌ قذفَ امرأتهُ؟ فقال: فرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بين أخَوَيْ بني العَجْلانِ، وقال: "اللهُ يعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنْكُما تائبٌ؟ " يُردِّدُها ثلاثَ مرّاتٍ، فأبَيا، ففرَّقَ بينهُما.
قال (٣) : وحدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٤) : حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال: سمِعَ عَمرٌو سعيدَ بنَ جُبَيرٍ سمِعَ ابنَ عُمرَ يقولُ: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكُما على الله، أحدُكُما كاذِبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها" ، فقال: يا رسُولَ الله، مالي، قال: "لا مالَ لكَ، إن كُنتَ صَدَقتَ عليها، فهُو بما اسْتَحلَلتهُ من فَرْجِها، وإن كُنتَ كذَبتَ عليها، فهُو أبعدُ لكَ" .
- vol. 9, p. 306
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي سُليمانَ، يعني: عبدَ الملِكِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينَهُما؟ فقال: سُبحانَ الله! نعَمْ، كان أوَّلَ من سألَ عن هذا فُلانٌ، فسكتَ عنهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ جاءَ فقال: أرأيتكَ الذي سَألتَ عنهُ، فقدِ ابتُليتُ به؟ فنَزَلت عليه الآياتُ في سُورةِ النُّورِ، فتَلاها عليه ووعَظهُ، وذكَّرهُ، وأخبَرهُ أنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخِرةِ، فقال: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما كذَبتُ، ثُمَّ دَعا المرأةَ، فقال لها مِثلَ ذلكَ، فقالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ. فبَدَأ بالرَّجُل، فشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، والخامِسةَ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. ثُمَّ دَعا بالمرأةِ، فشَهِدت أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِن الكاذِبينَ، والخامِسةَ: أنَّ غضَبَ الله عليها إن كان من الصّادِقينَ. ثُمَّ فرَّقَ بينهُما (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملِكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جُبيرٍ يقولُ: سُئلتُ عن المُتلاعِنَيْنِ زمنَ مُصعبِ بن الزُّبيرِ، فلم أدْرِ ما أقُولُ، وأتيتُ ابن عُمرَ، فقلتُ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينهُما؟ فذكَرَ مِثلَهُ سواءً إلى آخِرِه (٢) .
- vol. 9, p. 307
فهذا عن ابن عُمرَ من وُجُوهٍ صِحاح: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. كما رَوَى مالكٌ، وهذا يدُلُّك على أنَّهُ إنَّما أنكَرَ على ابن عُيينةَ ذلكَ في حديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ عندي، والله أعلمُ.
-
وقد زعَمَ قومٌ أنَّ مالكًا أيضًا انفردَ في حديثهِ هذا، بقولِهِ فيه: وألْحَقَ الولدَ بالمرأةِ، أو: ألْحَقَ الولدَ بأُمِّهِ. قالوا: وهذا لا يقولُهُ أحدٌ غيرُ مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ.
قال أبو عُمر: حديثُ نافع، عن ابن عُمرَ، في هذا البابِ، رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ بين رَجُلٍ وامرأتِهِ، وفرَّقَ بينَهُما (١) .
-
وهكذا رواهُ كلُّ من رَواهُ عن نافع، ذكَرُوا فيه اللِّعانَ والفُرقةَ، ولم يذكُرُوا أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ألحقَ الولدَ بالمرأةِ، وقالهُ مالكٌ عن نافع، كما رأيتَ، وحسبُك بمالكٍ حِفظًا وإتقانًا، وقد قال جماعةٌ من أئمَّةِ أهلِ الحديثِ: إنَّ مالكًا أثبتُ في نافع وابن شِهابٍ من غيرِهِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذان، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ بين رجُلٍ وامرأتِهِ، انتَفَى من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَهُما، وألحقَ الولَدَ بأُمِّهِ.
-
هكذا قال: بأُمِّهِ. وفي "المُوطَّأ" : وألحقَ الولدَ بالمرأةِ. وذلك كلُّهُ سواءٌ.
-
وهذه اللَّفظةُ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، أو: بالمرأةِ، التي زعَمُوا أنَّ مالكًا انفردَ بها، وهي محفُوظةٌ أيضًا من وُجُوهٍ، منها: أنَّ ابنَ وَهْبٍ ذَكَر في "مُوطَّئهِ" ، قال:
vol. 9, p. 308أخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ، قال: حَضَرتُ لِعانَهُما عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنُ خمسَ عشْرةَ سنةً. وساقَ الحديث، قال: وفيه: ثُمَّ خَرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ لأُمِّهِ (١) .
-
وذكَرَه الفِرْيابيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ في هذا الخبرِ، خبَر المُتلاعِنَيْنِ، وقال فيه: فكان يُدْعَى (٢) الولدُ لأُمِّه (٣) .
-
وذكَرَ أبو داود (٤) الحديثين جميعًا، ذكَرَ حديثَ ابن وَهْبٍ: عن أحمدَ بن صالح، عن ابن وَهْب. وذكَرَ حديث الفِريابيِّ: عن محمودِ بن خالدٍ، عن الفِريابيِّ.
-
وحسبُكَ بحديثِ مالكٍ في ذلكَ، ومالكٌ مالكٌ في إتقانِهِ وحِفظِهِ وتَوقِّيهِ وانتِقادِه (٥) لِما يَرْويهِ.
-
فإن قيلَ: ما معنى قولِهِ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، ومعلُومٌ أنَّهُ قد لحِقَ بأُمِّهِ، وأنَّها على كلِّ حالٍ (٦) أُمُّهُ؟ قيل لهُ: المعنى أنَّهُ ألحقَهُ بأُمِّهِ دُونَ أبيهِ، ونفاهُ عن أبيهِ بلِعانِهِ، وصَيَّرهُ إلى أُمِّهِ وحدَها، ولهذا ما اختلَفَ العُلماءُ في ميراثِهِ، فجعَلَ بعضُهُم عصَبَتَهُ عَصَبةَ أُمِّهِ، وجعَلَ بعضُهُم أُمَّهُ عصَبتَهُ، وسنذكُرُ اختِلافَهُم في ذلك، في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
وأمّا تفريقُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بين المُتلاعِنينِ فذلك عندَنا إعلامٌ منهُ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ التَّلاعُنَ يُوجِبُ الفُرْقةَ والتَّباعُدَ، فأعلَمَهُما بذلكَ وفرَّقَ بينهُما، وقال: "لا سَبِيلَ
vol. 9, p. 309لكَ عليها " (١) . وهذا على الإطلاقِ على ما قد بيَّنّا فيما سلَفَ من كِتابِنا، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، وقال لهما رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " اللهُ يَعْلمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائبٌ؟ ". وأخبَرَ أنَّ الخامِسةَ مُوجِبةٌ، يعني: أنَّها تُوجِبُ لَعْنةَ الله وغَضبَهُ، فلمّا جهِلَ الملعُونُ منهُما، وصحَّ أنَّ أحدَهُما قد لحِقَتهُ لَعْنةُ الله وغضَبُهُ فرَّقَ، والله أعلمُ بينهُما، لئلّا يجتمِعَ رجُلٌ ملعُونٌ وامرأةٌ غيرُ ملعُونةٍ.
-
ولَسْنا نعرِفُ أنَّ المرأةَ أُفرِدَت باللَّعنةِ، فنَقِيسَها على اليهُوديَّةِ الجائزِ نِكاحُها، ولا بأسَ أن يكونَ الأسفلُ ملعُونًا، كما أنَّهُ لا بأسَ أن يكونَ كافِرًا.
-
ولا سَبيلَ إلى مَعْرِفةِ مَن حقَّت عليه اللَّعنةُ منهُما، فمِنْ ها هُنا وَقَعتِ الفُرْقةُ، ولو أيقنّا أنَّ اللَّعنَةَ حقَّت على المرأةِ بكذِبِها، لم نُفرِّقْ بينَهُما.
-
هذا جُملةُ ما اعتلَّ به بعضُ أصحابِنا، وفي ذلكَ نَظَرٌ، والتَّلاعُنُ يَقْتضي التَّباعُدَ، وعليه جُمهُورُ السَّلفِ.
-
وفي قولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لا سبيلَ لك عليها" كِفايةٌ ودلالةٌ صَحِيحةٌ على أنَّ اللِّعانَ هُو المُوجِبُ للفُرقةِ بينهُما، وأنَّ الحاكِمَ إنَّما يُنفِّذُ الواجِبَ في ذلكَ من حُكم الله تعالى ذِكرُهُ.
-
ولم يكُن تَفْريقُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بين المُتلاعِنَيْنِ بعدَ اللِّعانِ اسْتِئنافَ حُكم، وإنَّما كان تنفيذًا لِما أوجَبهُ اللهُ تعالى باللِّعانِ بينَهُما، فالواجِبُ على سائرِ الحُكّام تنفيذُ الحُكْم بذلكَ، والتَّفريقُ بينهُما، فإن فَعلَ، فقد فَعلَ ما يجِبُ، وإن تَركَ كان الحُكْمُ بالفُرقَةِ بينهُما نافِذًا على حسَبِ ما ذكَرْنا.
-
واحتجَّ أصحابُ أبي حَنِيفةَ لقولِهِ: إذا الْتَعنا فرَّقَ الحاكِمُ بينهُما (٢) ، بما
vol. 9, p. 310رُويَ عن رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: أنَّهُ فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ. قالوا: فدَلَّ على أنَّهُ الفاعِلُ للفُرْقةِ. قالوا: وهي فُرْقةٌ تَفْتقِرُ إلى حُضُورِ الحاكِم، فوجبَ أن تَفْتَقِرَ (١) إلى تَفْريقِهِ، قياسًا على فُرْقةِ العِنِّين (٢) .
-
ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ التَّفاسُخَ في التَّبايُع لمّا وقَعَ بتمام التَّحالُفِ، فكذلكَ اللِّعانُ.