فصل: الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعا

35 paragraphs · vol. 1, p. 442

  1. الأخذ بأقل ما قيل: ليس تمسكًا بالإجماع، نحو اختلاف الناس في دية الكتابي:

    فقيل: دية المسلم١.

    vol. 1, p. 442
  2. وقيل: النصف٢.

  3. وقيل: الثلث٣.

  4. فالقائل: إنها الثلث ليس هو متمسكًا بالإجماع؛ لأن وجوب الثلث متفق عليه، وإنما الخلاف في سقوط الزيادة، وهو مختلف فيه، فكيف يكون إجماعًا؟

    vol. 1, p. 443
  5. ولو كان إجماعًا كان مخالفه خارقًا للإجماع، وهذا ظاهر الفساد. والله تعالى أعلم.

  6. الأصل الرابع

    استصحاب الحال ودليل العقل

    اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة من الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل١.

  7. فالنظر في الأحكام: إما في إثباتها، وإما في نفيها.

    vol. 1, p. 444
  8. فأما الإثبات: فالعقل قاصر عنه.

  9. ...............................................................

    vol. 1, p. 445
  10. وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد دليل السمع الناقل عنه، فينتهض دليلًا على أحد الشطرين١.

    vol. 1, p. 446
  11. ومثاله: لما دل السمع٢ على خمس صلوات، بقيت السادسة غير واجبة، لا لتصريح السمع بنفيها؛ فإن لفظه قاصر على إيجاب الخمسة، لكن كان وجوبها منتفيًا، ولا مثبت للوجوب، فيبقى على النفي الأصلي.

  12. وإذا أوجب عبادة على قادر، بقي العاجز على ما كان عليه، ولو أوجبها في وقت، بقيت في غيره على البراءة الأصلية.

  13. فإن قيل:
  14. إذا كان العقل إنما كان دليلًا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد وضع الشرع لا يعلم نفي السمع، ومنتهاكم: عدم العلم بوروده، وعدم العلم ليس بحجة.

  15. ولو جاز ذلك، لجاز للعامي النفي مستندًا إلى أنه لم يبلغه دليل٣.

  16. قلنا:
  17. انتفاء الدليل قد يعلم، وقد يظن؛ فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا صلاة سادسة؛ إذ لو كان لنقل وانتشر، ولم يخفَ على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، لا عدم علم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس حجة، والعلم بعدم الدليل حجة.

  18. وأما الظن: فإن المجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة، فلم يظهر له دليل مع أهليته. واطلاعه على مدارك الأدلة، وقدرته على الاستقصاء، وشدة بحثه، وعنايته، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهذا غاية الواجب على المجتهد.

  19. وأما العامي: فلا قدرة له؛ فإن الذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ، أمكنه القطع بنفي المتاع، والأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يدري ما فيه، لا يمكنه ادعاء نفي المتاع.

  20. فإن قيل:
  21. ليس للاستقصاء غاية محدودة، بل للمجتهد بداية ووسط ونهاية،

    vol. 1, p. 448فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي، والبيت محصور، وطلب اليقين فيه ممكن، ومدارك الشرع غير محصورة، فإن الأخبار كثيرة، وربما غاب راوي الحديث.

  22. قلنا:
  23. مهما علم الإنسان أنه قد بلغ وسعه، فلم يجد فله الرجوع إلى دليل العقل؛ فإن الأخبار قد دونت، والصحاح قد صنّفت فما دخل فيها محصور، وقد انتهى ذلك إلى المجتهدين، وأوردوها في مسائل الخلاف.

  24. فإن قيل:
  25. لِمَ لا يكون واجبًا لا دليل عليه، أو له دليل لم يبلغنا؟

  26. قلنا:
  27. أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال؛ لأنه تكليف ما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود الشرع، والبحث يدلنا على عدم الدليل، على ما ذكرناه.

  28. [استصحاب دليل الشرع]

  29. وأما استصحاب دليل الشرع١: فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، واستصحاب النص إلى أن يرد النسخ، واستصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك الثابت، وشغل الذمة بالإتلاف أو الالتزام، وكذلك الحكم بتكرار اللزوم إذا تكررت الأسباب، كتكرر شهر رمضان، وأوقات الصلوات. فالاستصحاب إذن: عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي،

    vol. 1, p. 449وليس راجعًا إلى عدم الدليل، بل إلى دليل ظني مع انتفاء المغير١، أو العلم به.

  30. فصل: فأما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف:

    فليس بحجة في قول الأكثرين٢.

    وقال بعض الفقهاء: هو دليل٣ واختاره أبو إسحاق بن شاقلا٤.

  31. مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها، فنحن نستصحب ذلك حتى يأتينا دليل يزيلنا عنه.

    vol. 1, p. 450
  32. وهذا فاسد؛ لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم.

  33. فأما مع الوجود: فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال.

  34. وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهذا لأن كل دليل يضاده نفس الخلاف، لا يمكن استصحابه معه، والإجماع يضاده نفس الخلاف.

  35. والعموم، والنص، ودليل العقل، لا يضاده نفس الاختلاف، فلذلك صح استصحابه معه٤.