فصل: هل النافي للحكم يلزمه الدليل
138 paragraphs · vol. 1, p. 451
Page 1 of 4
- vol. 1, p. 451
والنافي للحكم يلزمه الدليل.
-
وقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه.
وقال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين:
أحدهما: أن المدّعى عليه الدَّين لا دليل عليه.
-
والثاني: أن الدليل على النفي متعذر، فكيف يكلف ما لا يمكن؟
-
كإقامة الدليل على براءة الذمة١.
- vol. 1, p. 452
ولنا قوله -تعالى-: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ١.
-
ومن المعنى: يقال للنافي: ما ادعيت نفيه، علمته، أم أنت شاك فيه؟
-
فإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل.
-
وإن ادعى العلم: فإما أن يعلم بنظر أو تقليد:
فإن ادعى العلم بتقليد، فهو -أيضًا- معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره.
-
وإن كان ينظر: فيحتاج إلى بيانه.
- vol. 1, p. 453
ولأنه لو أسقط الدليل عن النافي: لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي فيقول: بدل قوله: "مُحدَث" : "ليس بقديم" وبدل قوله: "قادر" : "ليس بعاجز" ١.
-
وقولهم: "إن المدعى عليه الدين لا دليل عليه" : عنه أجوبة٢:
أحدها: المنع؛ فإن اليمين دليل، لكنها قصرت عن الشهادة، فشرعت عند عدمها، واختصت بالمنكر؛ لرجحان جانبه باليد التي هي دليل الملك.
- vol. 1, p. 454
واحتمال الكذب فيها لا يمنع كونها دليلًا، كاحتمال الكذب في الشهادة.
-
الثاني: إنما لم يحتج المنكر إلى دليل؛ لوجود اليد التي هي دليل الملك؛ إذ الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه.
-
الثالث: إنما لم يجب عليه الدليل لعجزه عنه؛ إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف: بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبته للحظات، وهو محال.
-
وشغل الذمة -أيضًا- لا سبيل إلى معرفته؛ فإن الشاهد لا يحصل إلا الظن بجريان سبب اللزوم، من إتلاف أو غيره، وذلك في الماضي.
-
أما في الحال: فإنه يجوز براءتها بأداء، أو إبراء، فاكتفى بالشهادة على سبب اللزوم، واكتفى معها باليمين لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر" ١.
-
أما في مسألتنا: فيمكن إقامة الدليل إن كان النزاع في الشرعيات، فقد يصادف الدليل عليها من الإجماع، كنفي وجوب صلاة الضحى، وصوم شوال، أو النص، كقوله، -صلى الله عليه وسلم-: "لا زكاة في الحلي" ٢، و "لا
vol. 1, p. 455زكاة في المعلوفة" ١، أو بمفهوم، أو بقياس، كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة٢.
- vol. 1, p. 456
وإن عدم الأدلة: فيتمسك باستصحاب النفي الأصلي الثابت بدليل العقل.
-
وأما العقليات: فيمكن نفيها، فإن إثباتها يفضي إلى محال، وما أفضى إلى المحال محال.
- vol. 1, p. 457
ويمكن الدليل عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء أحد المتلازمين دليل على انتفاء الآخر، كقوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ١.
-
فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان٢.
-
هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة
- الأول- شرع من قبلنا:
-
إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟
-
وهل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- متعبدًا بعد البعثة باتباع شريعة من قبله٣؟
- vol. 1, p. 458
...........................................
- فيه روايتان١:
-
إحداهما: أنه شرع لنا اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.
-
والثانية: ليس بشرع لنا.
-
وعن الشافعية كالمذهبين.
- وجه أنه ليس بشرع لنا سبعة أدلة:
-
الأول: قوله تعالى: لكل {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} ٢ فدل على أن كل نبي اختص بشريعة لم يشاركه فيها غيره.
-
الثاني: قوله -عليه السلام-: "بعثت إلى الأحمر والأسود، وكل نبي بُعث إلى قومه" ٣.
- vol. 1, p. 460
فدل على أن كل نبي يختص شرعه بقومه، ومشاركتنا لهم تمنع الاختصاص.
-
الثالث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى يومًا بيد "عمر" قطعة من التوراة فغضب فقال: "ما هذا ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو أدركني موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" ١.
-
الرابع: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "بم تحكم" ٢؟ فذكرالكتاب، والسنة، والاجتهاد ولم يذكر شرع من قبلنا، وصوبه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو كانت من مدارك الأحكام لم يجز العدول إلى الاجتهاد، إلا بعد العجز عنها.
- فإن قيل:
-
اندرجت التوارة والإنجيل تحت الكتاب، فإنه اسم جنس، يعم كل كتاب.
- قلنا:
-
إطلاق اسم الكتاب لا يفهم منه المسلمون غير القرآن، كيف ولم يعهد من "معاذ" تعلم شيء من هذه الكتب، ولا الرجوع إليها؟