فصل: في التكليف بغير الممكن

30 paragraphs · vol. 1, p. 600

  1. ويجوز الأمر من الله -سبحانه- لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله.

    vol. 1, p. 600
  2. وعند المعتزلة: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولا عند الآمر، أما إذا كان معلوما أنه لا يتحقق الشرط، فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه؟

  3. وكيف يقول السيد لعبده: خط ثوبي إن صعدت السماء؟

  4. وبهذا يفارق أمر الجاهل؛ لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام: يتصور أن يطلبه منه.

  5. أما إذا علم امتناعه: فلا يكون طالبًا، وإذا لم يكن طالبًا: لم يكن آمرا. ولأن إثبات الأمر بشرط يفضي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطًا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن، أو يتقدم أما أن يتأخر عن المشروط، فمحال.

  6. وهذه المسألة تنبني على النسخ قبل التمكن، وأن فيه فائدة، على ما مضى١.

  7. ولنا:
  8. الإجماع على أن الصبي إذا بلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بشرائع الإسلام، منهي عن الزنا والسرقة، ويثاب على امتثال المأمورات، وترك المنهيات، ويكون متقربًا بذلك وإن لم يحضر وقت عبادة، ولا يتمكن١ من زنا ولا سرقة.

  9. وعلمه بأن الله -تعالى- عالم بعاقبة الأمر: لا ينفي عنه ذلك.

  10. وإن احتمل أن لا يكون مأمورا منهيًّا، لعدم مساعدة التمكن يجب أن يشك في كونه مأمورًا منهيًّا، وفي كونه متقربًا؛ إذ لا خلاف في أن العزم على امتثال ما ليس بمأمور، وترك ما ليس بمنهي ليس بقربة، وهذا لا يتيقن أنه مأمور ولا متقرب وهذا خلاف الإجماع.

  11. ودليل ثان:
  12. الإجماع على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا تقبل نية الفرضية، إلا بعد معرفة الفرضية والعبد ينوي في أول الوقت فرض الظهر، وربما مات في أثنائها، فتبين -عندهم٢- أنها لم تكن فرضًا،

    vol. 1, p. 602فليكن شاكًّا في الفرضية، فتمتنع النية لأنها لا تتوجه إلا إلى معلوم.

  13. فإن قيل: فإذا مات في أثنائها كيف يقال: إن الأربع كانت فريضة على الميت؟

  14. قلنا: هو قاطع بأنها فرض عليه، لكن بشرط البقاء، والأمر بشرط أمر في الحال، وليس بمعلق من عزم عليه يثاب ثواب العزم على الواجبات؛ فإن قول السيد لعبده: "صم غدًا" أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد.

  15. ولو قال: "فرضت عليك بشرط بقائك" : فهو فارض في الحال، لكن بشرط.

  16. ولو قال لوكيله: "بع داري في رأس الشهر" : كان وكيلًا في الحال، يصح أن يقال: وكّله، ويصح عزله.

  17. وإذا قال: وكّلني، وعزلني: كان صادقًا، فإن مات قبل رأس الشهر لم يتبين كذبه.

  18. بخلاف ما إذا قال: "إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي" ، فإنه لا يكون وكيلًا في الحال.

  19. الثالث: الإجماع على لزوم الشروع في صوم رمضان، فإن كان الموت يتبين به عدم الأمر، والموت مجوّز١، فيصير مشكوكًا فيه، فكيف تلزمه العبادة؟.

  20. قالوا٢: لأن الظاهر بقاؤه، والحاصل يستصحب، والاستصحاب أصل تنبني عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع: لم يقبح الهرب، وإن

    vol. 1, p. 603كان من المحتمل موت السبع دونه، ولو فتح هذا الباب: لم يتصور امتثال أمر.

  21. قلنا: هذا يلزمكم، ومذهبكم يفضي إليه، وما أفضي إلى المحال محال١.

  22. وأما الهرب: فحزم، وأخذ بالأسوأ من الأحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد والشك، فإن من شك في سبع في الطريق، أو لص: حسن منه الاحتراز عنه.

  23. وأما الوجوب: فلا يثبت بالشك والاحتمال، بل ينبغي أن من أعرض عن الصوم لم يكن عاصيًا؛ لأنه أخذ بالاحتمال الآخر.

  24. وقولهم٢: "الأمر طلب، وطلب المستحيل من الحكيم محال" .

  25. قلنا: الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه: "افعل" مع تجردها عن القرائن، وهذا متصور مع علمه بالاستحالة٣.

  26. وعلى أنا لو سلمنا أن الأمر طلب، فليس الطلب من الله -تعالى- كالطلب من الآدميين؛ وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد، وهذا يحصل مع الاستحالة؛ لكي يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال، أو الترك؛ لطفًا به في الاستعداد، والانحراف عن الفساد، وهذا متصور.

  27. ويتصور من السيد -أيضًا- أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه،

    vol. 1, p. 604مع عزمه على فسخ الأمر قبل الامتثال؛ امتحانًا للعبد واستصلاحًا له.

  28. ولو وكل رجلًا في عتق عبده غدًا، مع عزمه على عتق العبد: صح، ويتحقق فيها المقصود من: استمالة الوكيل، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره، والكراهية له، وكل ذلك معقول الفائدة، فكذا ههنا.

  29. وقولهم١: "يفضي إلى تقدم المشروط على الشرط" .

  30. قلنا: ليس هذا شرطًا لذات الأمر، بل الأمر موجود، وجد الشرط أم لم يوجد، وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ، فلا يفضي إلى ما ذكروه.