فصل: في النهي
35 paragraphs · vol. 1, p. 604
- vol. 1, p. 604
اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي٢ وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير.
- vol. 1, p. 605
من ذلك:
أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها١.
وقال قوم: النهي عن الشيء لعينه: يقتضي الفساد٢، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه؛ لأن الشيء قد يكون له جهتان هو مقصود من إحداهما، مكروه من الأخرى على ما مضى٣.
وقال آخرون: النهي عن العبادات يقتضي فسادها، وفي المعاملات
vol. 1, p. 606لا يقتضيه؛ لأن العبادة طاعة، والطاعة موافقة الأمر، والأمر والنهي يتضادان، فلا يكون النهي مأمورًا، فلا يكون طاعة ولا عبادة.
-
ولأن النهي يقتضي التحريم وكون الشيء قربة محرمًا محال١.
-
وحكي عن طائفة، منهم أبو حنيفة: أن النهي يقتضي الصحة؛ لأن النهي يدل على التصور، لكونه يراد للامتناع، والممتنع في نفسه، المستحيل في ذاته، لا يمكن الامتناع منه، فلا يتوجه إليه النهي، كنهي الزَّمِن٢ عن القيام، والأعمى عن النظر.
-
وكما أن الأمر يستدعي مأمورًا يمكن امتثاله: فالنهي يستدعي منهيًّا يمكن ارتكابه، إذا ثبت تصوره.
-
فلفظات الشرع تحمل على المشروع، دون اللغوي فإذا نهى عن صوم يوم النحر، دل على تصوره شرعًا٣.
vol. 1, p. 607وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يقتضي فسادًا ولا صحة؛ لأن النهي من خطاب التكليف، والصحة والفساد من خطاب الأخبار١، فلا يتنافى أن يقول: نهيتك عن كذا، فإذا فعلته رتبت عليك حكمه.
- vol. 1, p. 609
فإن قيل: معناه: ليس بمقبول قربة ولا طاعة.
-
قلنا: قوله: "مردود" يقتضي رد ذاته، فإن لم يكن١، اقتضى رد ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.
-
والثاني: أن الصحابة -رضي الله عنهم- استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها:
فاستدلوا على فساد عقود الربا بقوله -عليه السلام-: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل" ٢.
-
واحتج ابن عمر -رضي الله عنه- في فساد نكاح المشركات بقوله
vol. 1, p. 610-تعالى-: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ١، وفي نكاح المحرم بالنهي٤.
-
وفي بيع الطعام قبل قبضه بالنهي٣. وغير ذلك مما يطول.
-
الثالث: أن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به، أو بما يلازمه؛ لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالفساد إعدام لها بأبلغ الطرق٤.
-
الرابع: أن النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأن نصبها سببًا تمكين من التوسل، والنهي منع من التوسل.
- vol. 1, p. 611
ولأن حكمها مقصود الآدمي، ومتعلق غرضه، فتمكينه منه حث على تعاطيه، والنهي منع من التعاطي ولا يليق ذلك بحكمة الشرع.
-
ثم لا فرق بين كون النهي عن الشيء لعينه، أو لغيره، لدلالة النهي على رجحان ما يتعلق به من المفسدة، والمرجوح كالمستهلك المعدوم.
-
وقولهم١: "إن النهي لا ينافي الصحة" . قد بينا تناقضهما.
-
وإن سلمنا أنه لا ينافيه، لكن يدل على الفساد ظاهرًا، ويكفي ذلك.
-
وفي المواضع التي قضينا بالصحة٢، خولف فيه الظاهر، فلا يخرجه عن أن يكون الأصل ما ذكرناه، كما لو خولف مقتضاه في التحريم.
-
وقولهم: "إنه يدل على الصحة" . بعيد جدًّا؛ فإنهم إذا لم يجعلوه دليلًا على الفساد مع قربه منه، كيف يجعلونه دليلًا على الصحة؟!
-
قولهم: "إنه يدل على التصور" .
- vol. 1, p. 612
قلنا: يدل على تصوره حسَّا، وهو الأفعال١.
-
أما الصحة والفساد: فحكمان شرعيان، لا ينهى عنهما، ولا يؤمر بهما، ودليله: مناهي الشرع: كالمحاقلة والمزابنة، والمنابذة والملامسة٢، وقوله -تعالى-: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} ٣، {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ٤، وقوله -عليه السلام-: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ٥. إلى نظائره.
-
قولهم: "إن الأسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع" .
- عنه جوابان:
-
أحدهما: أن الأصل تقرير الأوضاع اللغوية، إلا ما صرف عنه الاستعمال الشرعي١.
-
وفي الأوامر: ألفنا من الشارع استعمال هذه الأسماء للموضوع الشرعي.
-
أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف.
-
الثاني: أنا نسلم استعماله في الموضوع الشرعي، لكن الصلاة الشرعية: هي الأفعال المنظومة، والصحة غير داخلة في حدها؛ لما ذكرناه٢.
- vol. 1, p. 614
............................................
-
= الخامس: أنه لا يقتضي الصحة ولا الفساد.
-
وقد أورد الطوفي مذهبًا سادسًا، ذكر أنه المختار، وأنه أقرب إلى التحقيق من الإطلاقات الواردة في المسألة خلاصته: أن النهي عن الفعل إما أن يكون لذاته، أو لوصف لازم له، لا ينفك عنه، أو لأمر خارج عنه، لا يتعلق به أصلًا، أو لوصف يتعلق به، لكنه غير لازم له.
-
فإن كان النهي عنه لذاته، كالكفر والكذب والظلم، دل النهي على الفساد والبطلان.
-
وكذلك إذا كان لوصف لازم له، كالنهي عن نكاح الكافر المسلمة.
-
وإن كان لأمر خارج عنه لا يتعلق له به أصلًا، فلا يدل على الفساد، مثل:
النهي عن غرس العنب خشية جعله خمرًا.
وإن كان لوصف غير لازم: مثل النهي عن الصلاة وقت النداء للجمعة ففيه خلاف. قال: "والصحيح من مذهب أحمد أنه لا يصح، لظاهر النهي ... " .
-
انظر: شرح الطوفي "٢/ ٤٣٩-٤٤١" .