فصل: الأدلة العقلية للمنكرين للقياس

50 paragraphs · vol. 2, p. 176

Page 1 of 2

  1. وأما شبههم المعنوية:

    [فالأولى] : قالوا: براءة الذمة بالأصل معلومة قطعًا، فكيف ترفع بالقياس المظنون؟!

    vol. 2, p. 176
  2. والثانية: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات، إذ قال: "يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ" ١، ويجب الغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، ونظائر ذلك كثير.

  3. الثالثة: أن الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قد أوتي جوامع الكلم٢، فكيف يليق به

    vol. 2, p. 177أن يترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: "حرَّمتُ الربا في المكيل" إلى الأشياء الستة؟

  4. الرابعة: قالوا: الحكم ثبت في الأصل بالنص؛ لأنه مقطوع به والحكم مقطوع به، فكيف يحال على العلة المظنونة، والحكم يثبت في الفرع بالعلة، فكيف يثبت الحكم فيه بطريق سوى طريق الأصل؟

  5. الخامسة: قالوا: غاية العلة: أن يكون منصوصًا عليها، وذلك لا يوجب الإلحاق، كما لو قال: "أعتقت من عبيدي سالمًا؛ لأنه أسود" لم يقتض عتق كل أسود، ولا يجري ذلك مجرى قوله: "أعتقت كل أسود" .

  6. كذا قوله: "حرمت الربا في البر، لأنه مطعوم" لا يجري مجرى قوله: "حرمت الربا في كل مطعوم" .

  7. الجواب:
  8. أما قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} فإن القرآن دل على جميع الأحكام، لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار، وإما بالدلالة على الإجماع والسنة، وهما قد دلا على القياس.

  9. وإلا فأين في الكتاب مسألة: "الجد والإخوة" و "العول" و "المبتوتة" و "المفوضة" ١، و "التحريم" ٢، وفيها حكم لله شرعي.

  10. ثم قد حرّمتم القياس، وليس في القرآن تحريمه١.

    vol. 2, p. 178
  11. وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ٢.

  12. قلنا: القياس ثابت بالإجماع والسنة، وقد دل عليه القرآن المنزل.

  13. ومن حكم بمعنى: استنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل.

  14. وقوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ١. قلنا: نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله -تعالى- ونص رسوله، فالقياس: تفهّم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له.

    vol. 2, p. 179
  15. ثم أنتم رددتم القياس بلا نص، ولا معنى نص.

  16. وقولهم: "كيف ترفعون القواطع بالظنون" .

  17. قلنا: كما ترفعونه بالظواهر، والعموم، وخبر الواحد، وتحقيق المناط في آحاد الصور.

  18. ثم نقول: لا نرفعه إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، فإنا نقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن، فيكون قاطعًا.

  19. وقولهم: "مبنى الحكم على التعبدات" .

  20. قلنا: نحن لا ننكر التعبدات في الشرع، فلا جرم، قلنا: الأحكام ثلاثة أقسام:

    قسم: لا يعلل.

  21. وقسم: يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي، لضعف عقله.

  22. وقسم: يتردد فيه.

  23. ولا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا٢.

  24. وقولهم: "لِمَ لم ينص على المكيل، ويغني عن القياس على الأشياء الستة" ؟

    vol. 2, p. 180
  25. قلنا: هذا تحكم على الله -تعالى- وعلى رسوله، وليس لنا التحكم عليه فيما صرّح ونبّه وطوّل وأوجز١، ولو جاز ذلك: لجاز أن يقال: "فلم لم يصرّح بمنع القياس على الأشياء الستة؟ ولِمَ لم يبين الأحكام كلها في القرآن، وفي المتواتر٢، لينحسم الاحتمال؟ وهذا كله غير جائز.

  26. ثم نقول: إن الله -تعالى- علم لطفًا في تعبد العلماء بالاجتهاد، وأمرهم بالتشمير في استنابط دواعي الاجتهاد، لـ {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ٣.

  27. وقولهم: "كيف يثبت الحكم في الفرع بطريق غير طريق الأصل"؟

  28. قلنا: ليس من ضرورة كون الفرع تابعًا للأصل أن يساويه في طريق

    vol. 2, p. 181الحكم؛ فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات، ولا يلزم تساويهما في الطريق، وإن تساويا في الحكم

    وأما إذا قال: "أعتقت سالمًا؛ لسواده" فالفرق بينه وبين أحكام الشرع من حيث الإجمال والتفصيل.

  29. أما الإجمال: فإنه لو قال، مع هذا: "فقيسوا عليه كل أسود" لم يتعد العتق سالمًا.

  30. ولو قال الشارع: "حرمت الخمر لشدّتها، فقيسوا عليه كل مشتد" : للزمت التسوية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟

  31. وأما التفصيل: فلأن الله -تعالى- علق الحكم في الأملاك حصولًا وزوالًا على اللفظ، دون الإرادات المجردة.

  32. أما أحكام الشرع: فتثبت بكل ما دل عليه رضا الشارع وإرادته، ولذلك تثبت بدليل الخطاب، وبسكوت النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عما جرى بين يديه من الحوادث.

  33. ولو أن إنسانًا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر، ولم ينكر ولم يأذن، بل ظهرت عليه علامات الفرح: لا يصح البيع.

  34. بل قد ضيق الشرع أحكام العباد حتى لا تحصل بكل لفظ١.

  35. فلو قال الزوج: "فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.

    vol. 2, p. 182
  36. وإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.

  37. وإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة١؟

  38. على أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: "لا تأكل الأهليلج٢؛ لأنه مسهل" ، و "لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.

  39. وعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.

  40. ثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.