فصل: الركن الرابع: العلة
429 paragraphs · vol. 2, p. 259
Page 4 of 11
- vol. 2, p. 282
الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة١، لكن لعدم مصادفتها محلها، أو فوات شرطها.
-
كقولنا: "السرقة علة القطع" وقد وجدت في "النباش" فيقطع٢".
-
فيقال: تبطل بسرقة ما دون النصاب، وبسرقة الصبي، أو بسرقة من غير الجرز
vol. 2, p. 283وكقولنا: البيع علة الملك، وقد جرى، فليثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: يبطل ببيع الموقوف والمرهون. فهذا لا يفسد العلة.
-
لكن هل يكلف المناظر جمع هذه الشروط في دليله؛ كي لا يرد ذلك نقضًا؟ فهذا اختلف فيه الجدليون١.
-
والخطب فيه يسير، فإن الجدل موضوع، فكيف اصطلح عليه فإليهم ذلك.
-
والأليق: تكليفه ذلك؛ لأن الخطب فيه يسير، وفيه ضم نشر الكلام وجمعه.
-
فأما تخلف الحكم لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة: فهو الذي تنتقض العلة به، وفيه من الاختلاف ما قد مضى.
- vol. 2, p. 284
فصل: [في أقسام المستثنى من قاعدة القياس] .
-
والمستثنى عن قاعدة القياس منقسم إلى:
ما عقل معناه.
-
وإلى ما لا يعقل.
-
فالأول: يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة.
-
من ذلك: استثناء العرايا للحاجة، لا يبعد أن نقيس العنب على الرطب، إذا تبين أنه في معناه.
-
وكذا إيجاب صاع من تمر في لبن "المصرّاة" مستثنى من قاعدة الضمان بالمثل. نقيس عليه: ما لو ردّ "المصراة" بعيب آخر، وهو نوع إلحاق.
-
ومنه: إباحة أكل الميتة عند الضرور، صيانة للنفس، واستبقاء للمهجة١. يقاس عليه: بقية المحرمات، إذا اضطر إليها، ويقاس عليه٢. المكره؛ لأنه في معناه٣.
-
وأما ما لا يعقل: فكتخصيصه بعض الأشخاص بحكم، كتخصيصه.
- vol. 2, p. 285
أبا بردة بجذعة من المعز١، وتخصيصه خزيمة بشهادته وحده٢. وكتفريقه في بول الصبيان بين الذكر والأنثى٣.
-
فإنه لما لم ينقدح فيه معنى: لم يقس عليه الفرق في البهائم بين ذكورها وإناثها.
-
وفي الجملة: إن معرفة المعنى من شرط صحة القياس في المستثنى وغيره. والله أعلم.
- vol. 2, p. 286
فصل: [في جواز التعليل بنفي صفة أو اسم أو حكم] ١
قال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة: نفي صفة، أو اسم، أو حكم، على قول أصحابنا.
-
كقولهم: ليس بمكيل ولا موزون٢، ليس بتراب٣، لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه٤.
وقال بعض الشافعية: لا يجوز أن يكون العدم سببًا لإثبات حكم؛ لأن السبب لا بد أن يكون مشتملًا على معنى يثبت الحكم، رعاية له.
-
والمعنى إما تحصيل مصلحة، أو نفي مفسدة، والعدم لا يحصل به شيء من ذلك٥.
-
فلئن قلتم٦: إنه تحصل به الحكمة، فإن ما كان نافعًا، فعدمه
vol. 2, p. 287مضر، وما كان مضرًا فعدمه يلزمه منه منفعة، ويكفي في مظنة الحكم أن يلزم منها الحكمة، ولا يشترط أن يكون منشأ لها.
-
قلنا: لا ننكر ذلك، لكن لا يناسب حكمًا في حق كل أحد، بل إعدام النافع يناسب عقوبة في حق من وجد منه الإعدام، زجرًا له، وإعدام المضر يناسب حكمًا نافعًا في حق من وجد منه إعدامه، حثًّا له على تعاطي مثله. فالمناسبة في الموضعين انتسبت إلى الإعدام، وهو أمر وجودي، لا إلى العدم١.
-
فلئن قلتم٢: إن عدم الأمر النافع للشخص يناسب ثبوت حكم نافع له، جبرًا لحاله.
-
قلنا: عنه جوابان.
-
أحدهما: منع المناسبة؛ فإنه لا يلخو: إما أن تثبت المناسبة بالنسبة إلى الله -عز وجل- أو إلى غيره.
-
وفي الجملة: شرع الجائز إنما يكون معقولًا على من وجد منه الضرر. وأما شرعه في حق غيره. فإنه عدول على مذاق القياس، ومقتضى
vol. 2, p. 288الحكمة، كإيجان ضمان فرس زيد على عمرو، إذا تلف بآفة سماوية.
-
فإن قيل: يناسب الثواب بالنسبة إلى الله -عز وجل- فهو عود إلى الوجود١.
-
ثم إن وجوبه على واحد من الخلق يلزم منه من الضرر في حق من وجب عليه بقدر ما يحصل من المصلحة لمن وجب له، فلا يكون مناسبًا؛ فإن نفع زيد بضرر عمرو لا يكون مناسبًا، لكونهما في نظر الشرع على السواء.
-
الثاني٢: أنه لا يمكن اعتباره؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ٣. وإثبات الحكم له لمنفعته من غير سعيه مخالف للعموم.
-
قلنا٤:
بل يجوز التعليل بالعدم:
فإن٥ علل الشرع أمارات على الحكم، ولا يشترط فيها أن تكون منشأ للحكمة، ولا مظنة لها.
-
وعند ذلك لا يمتنع أن ينصب الشارع العدم أمارة: إذا كان ظاهرة معلومًا.
-
ولو قال الشارع: اعلموا أن ما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، وأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه: فما المانع من هذا وأشباهه؟
- vol. 2, p. 289
وقد١ تقرر بين الفقهاء: أن انتفاء الشرط علامة على عدم المشروط، فإنه ينتفي بانتفائه.
-
وإذا جاز ذلك في النفي: ففي الإثبات مثله، فإنه لو قال الشارع "ما لا مضرة فيه من الحيوان فمباح لكم أكله" و "ما لم يذكر اسم الله عليه فحرام عليكم أكله" لم يمتنع ذلك.
-
وقد قال الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ٢ وهذا تعليق لتحريم الأكل على عدم اسم الله.
-
ولأن٣ النفي صلح أن يكون علة للنفي، فيلزم منه أن يصلح التعليل به للإثبات؛ لأن كل حكم له ضد، فالحل ضده: الحرمة، والوجوب ضده: براءة الذمة، والصحة ضدها: الفساد، وكل ما نفي شيئًا أثبت ضده.
-
فما كان علة لانتفاء الحرمة: فهو علة الإباحة.
-
وما ذكروه٤ من: "أن النفي لا يناسب إثبات الحكم في حق الآدمي؛ لأنه يلزم منه: ضرر في حق الآدمي الآخر" .
- قلنا: عنه جوابان: