فصل: الركن الرابع: العلة

429 paragraphs · vol. 2, p. 259

Page 5 of 11

  1. أحدهما: أن جهات إثبات العلة لا تنحصر في المناسبة، بل طرقها كثيرة على ما علم، فلا يلزم من انتفاء طريق واحد انتفاؤها.

    vol. 2, p. 289
  2. الثاني: أن المناسبة متحققة فيه، فإن ما كان وجوده نافعًا، لزم من عدمه الضرر، وما كان مضرًّا: لزم من عدمه النفع.

    vol. 2, p. 290
  3. فللَّه -تعالى- فرائض وواجبات، كما أن له محظورات ومحرمات، فكما أن فعل المحرمات يناسب شرع عقوبات في حق من فعلها، زجرًا عنها، فعدم [فعل] الفرائض يناسب ترتيب العقوبات على تاركها، حثًّا عليها.

  4. ولا بُعد في قول من قال: إن ترك الصلاة يناسب شرع القتل، أو الضرب، أو الحبس، وكذلك أشباهها من الواجبات.

  5. وقولهم: "إن هذا إعدام" .

  6. غير صحيح، بل هو مجرد عدم؛ إذ الإعدام: إخراج الموجود إلى العدم، ولم يكن للصلاة من تاركها وجود فيعدمها.

  7. ولا يلزم من ثبوت الحكم: أن يكون في حق آدمي آخر.

  8. ثم لو لزم منه ضرر: فلا تنتفي المناسبة بوجود الضرر، على ما علم في موضع آخر.

  9. ومثل هذا يوجد في الإثبات، فلا فرق إذًا.

  10. وقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} يتناول ماله، دون ما عليه، فليست عامة، فلا يصح الاستدلال بها على عموم التعليل بالنفي.

  11. على أن الآية إنما أريد بها الثواب في الآخرة، دون أحكام الدنيا، بدليل أن فقر القريب صلح علة لإيجاب النفقة له.

  12. وعدم المال في حق المسكين جعله مصرفًا للزكاة. وأمثال هذا يكثر. والله أعلم.

  13. فصل: [في جواز تعليل الحكم بعلتين]

    vol. 2, p. 291
  14. يجوز تعليل الحكم بعلتين؛ لأن العلة الشرعية أمارة، فلا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد.

  15. ولذلك من لمس، وبال في وقت واحد: انتقض وضوؤه بهما.

  16. من أرضعتها أختك، وزوجة أخيك، فجمع لبنهما وانتهى على حلقها دفعة واحدة: حرمت عليك؛ لأنك خالها وعمها. ولا يحال على أحدهما دون الآخر.

  17. ولا يمكن أن يقال: تحريمان، وحكمان؛ لأن التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة، ويستحيل اجتماع مثلين١.

  18. فإن قيل: فإذا ذكر المعترض علة أخرى في الأصل، فلم يعارض علة المستدل، لم يقبل هذا الاعتراض، إذا أمكن الجمع بين علتين٢.

  19. قلنا:
  20. إن كانت علة المستدل مؤثرة: لم تبطل بذلك، كما ذكرناه من الأمثلة، وكاجتماع العدة والردة؛ إذ دل الشرع على أن كل واحدة علة على حيالها.

  21. وإن كانت ثابتة بالاستنباط: فسدت بهذه المعارضة؛ لأن ظن كونها علة إنما يتم بالسبر، وهو أنه لا بد لهذا الحكم من علة، ولا يصلح علة إلا هذا.

  22. فإذا ظهرت علة أخرى: بطلت إحدى المقدمتين، وهي: "أنه لا يصلح علة إلا كذا" .

  23. مثاله: من أعطى إنسانًا شيئًا فوجدناه فقيرًا: ظنناه أنه أعطاه لفقره، وعللنا به. فإن وجدناه قريبًا: عللناه بالقرابة. فإن وجدناه فقيرًا قريبًا: أمكن أن يكون الإعطاء لهما، أو لأحدهما، فلا يبقى الظن أنه أعطاه لواحد بعينه.

  24. فإن قيل: فلم يلزم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، فإن العلل الشرعية أمارات ودلالات، فإذا جاز اجتماع دلالات، لم يكن من ضرورة انتفاء البعض انتفاء الحكم.

  25. قلنا: هذا صحيح، وإنما يلزم العكس إذا لم يكن للحكم إلا واحدة، فإن الحكم لا بد له من علة.

  26. فإذا اتحدت وانتفت، فلو بقي١ الحكم: لكان ثابتًا بغير سبب.

  27. وأما إذا تعددت العلة: فلا ينتفي عند انتفاء بعضها، بل عند انتفاء جميعها.

    vol. 2, p. 293
  28. فصل: [في جريان القياس في الأسباب]

    قال قوم: يجوز إجراء القياس في الأسباب١.

  29. فنقول: إنما نصب الزنا سببًا لوجوب٢ الرجم لعلة كذا، وهو موجود في اللواط، فيجعل سببًا، وإن كان لا يسمى زنا.

  30. ومنع منه آخرون٣.

    قالوا: الحكم يتبع السبب دون حكمته؛ فإن الحكمة: ثمرة، وليست علة، فلا يجوز أن يوجب القصاص بمجرد الحاجة إلى الزجر٤ بدون القتل، وإن علمنا أنه٥ حكمة وجوب القصاص في القتل.

  31. ولأن القياس في الأسباب يعتبر فيه التساوي في الحكمة، وهذا أمر استأثر الله -سبحانه وتعالى- بعلمه.

    vol. 2, p. 294
  32. ولنا:
  33. أن نصب الأسباب حكم شرعي، فيمكن أن تعقل علته، ويتعدى إلى سبب آخر.

  34. فإن اعترفوا بهذا ثم توقفوا عن التعدية: كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم، كمن يقول: يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص، وفي البيع دون النكاح.

  35. وإن ادّعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك، أبضرورة١ أو نظر؟ كيف٢ ونحن نبين إمكانه بالأمثلة!

  36. فإن قالوا: هو ممكن في العقل، لكنه غير واقع؛ لأنه لا يلغي٣ للأسباب علة مستقيمة تتعدى.

  37. قلنا: قد ارتفع النزاع الأصولي، إذ لا ذاهب على تجويز القياس، حيث لا تعقل العلة، ولا تتعدى

    وهم قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكنت التعدية، فارتفع الخلاف.

  38. ثم إننا نذكر إمكان القياس في الأسباب من منهجين٤.

  39. أحدهما: تنقيح المناط.

    vol. 2, p. 295
  40. فنقول: قياس اللائط على الزاني، كقياس الأكل على الجماع في الكفارة، فإنا تعرفنا أن وصف كونه "زنا" لا يؤثر، بل المؤثر: كونه إيلاج فرج في فرج محرم قطعًا، مشتهى طبعًا.