فصل: الركن الرابع: العلة

429 paragraphs · vol. 2, p. 259

Page 6 of 11

  1. فإن قالوا: ليس هذا بقياس١؛ فإن القياس أن يقال: علق الحكم بالزنا لعلة كذا، وهي موجودة في اللواط، فيلحق به، كما يقال: ثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة، وهي موجودة في النبيذ، فيضم النبيذ إلى الخمر في التحريم، ولم نغير من الخمر شيئًا.

    vol. 2, p. 295
  2. ونحن في "الكفارة" لم نبين أن الحكم ثبت للجماع، ولم نعلق به، وإنما علقنا الحكم بإفساد الصوم، فنتعرف الحكم الوارد شرعًا أين ورد، وكيف ورد؟

  3. وكذا أنتم لم تعلّقوا الحكم بالزنا.

  4. وبهذا يظهر الفرق -للمنصف- بين تعليل الحكم، وتعليل السببية، فإن تعليل الحكم تعدية له عن محله، مع تقريره في محله.

  5. وفي السببية إذا قلنا: علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا، فألحقنا به غير الزنا: تناقض آخر الكلام وأوله؛ لأن الزنا إن كان مناطًا من حيث إنه "زنا" فألحقنا به ما ليس بزنا: أخرجنا الزنا عن كونه علة ومناطًا، فإنا نتبيّن بالآخرة: أن الزنا لم يكن هو السبب، بل معنى أعم منه وهو: إيلاج فرج.

  6. في فرج محرم، فكيف يعلل كونه مناطًا بما يخرج به عن كونه مناطًا، والتعليل تقرير لا تغيير١.

    vol. 2, p. 296
  7. وإنما يكون تعليلًا أن لو بقي الزنا سببًا، وانضم إليه سبب آخر، كما بقي الخمر محلًّا للتحريم، وانضم إليه محل آخر، وذلك غير جار في الأسباب.

  8. قلنا: هذا الطريق جار لنا في "اللائط" و "النباش" وهو نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص، بفهم العلة التي هي مناط الحكم، فيرجع٢ النزاع إلى الاسم٣، ولا فائدة فيه.

  9. أو يقول٤: هذا بعينه جار في الأحكام، فإن الخمر لما حرم لعلة الشدة: بينا أن وصف كونه خمرًا لا أثر له، والمؤثر إنما هو كونه مشتدًا مزيلًا للعقل.

  10. كما تبينا أن المؤثر في الحد: إيلاج فرج في فرج محرم.

  11. وكما جعلتم الموجب للكفارة في الجماع: كونه مفسدًا للصوم.

  12. فالقياس في كل موضع: توسعة محل الحكم، بحذف الأوصاف غير المؤثرة.

  13. وقولهم: "إنا نبين بهذا أن الزنا لم يكن سببًا" .

  14. قلنا: بل هو سبب؛ لاشتماله على المعنى المؤثر.

  15. المنهج الثاني:
  16. أنا نعلل الحكم بالحكمة، ونعدّي الحكم بتعديها، كما في قوله عليه السلام: "لَا يَقْضِي القَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وهُوَ غَضْبَان" ١. إنما جعل الغضب سببًا؛ لأنه يدهش العقل، ويمنع من استيفاء الفكر، وهو موجود في "الجوع والعطش" المفرطين، فنقيسه عليه.

  17. وكقولنا: الصبي يولّى عليه لحكمة، وهي: عجزه عن النظر لنفسه٢، فينصب "الجنون" سببًا، قياسًا على "الصغر" لهذه الحكمة.

  18. ولذلك: اتفق عمر وعلي -رضي الله عنهما- على قتل الجماعة بالواحد٣، قياسًا على الواحد بالواحد، للاشتراك في الحاجة إلى الردع والزجر.

  19. وقولهم: "الزجر: ثمرة، إنما تحصل بعد الحكم، فكيف تكون علة" ؟

  20. قلنا: الحاجة إلى الزجر هي العلة؛ لكون القتل سببًا، دون نفس الزجر، والحاجة سابقة وإن تأخر الزجر، كما يقال: خرج الأمير للقاء زيد، ولقاء زيد بعد خروجه، لكن الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه، وإنما المتأخر نفس اللقاء.

    vol. 2, p. 298
  21. كذلك ههنا: الحاجة إلى العصمة هي الباعثة، وهي متقدمة١.

  22. فصل: [في جريان القياس في الكفارات والحدود]

  23. ويجري القياس في الكفارات والحدود٢، وهو قول الشافعية. وأنكره الحنفية.

  24. لأن الكفارات والحدود وضعت لتكفير المآثم، والزجر والردع عن المعاصي، والقدر الذي يحصل ذلك به من غير زيادة أمر استأثر الله بعلمه٣.

  25. وكذلك الحكم بمقدار معلوم في الصلاة و "الزكاة" و "المياه" لا يعلمه إلا الله -سبحانه- فلم يجز الإقدام عليه بالقياس١.

    vol. 2, p. 299
  26. ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والقياس لا يخلو من الشبهة٢. ولنا:

    ما تقدم في المسألة التي قبلها: من أنه يجري فيه قياس التنقيح٣.

  27. ولأنه حكم من أحكام الشرع عقلت علته، فجرى فيه القياس كبقية الأحكام٤.

  28. وما ذكروه٥. يبطل بسائر الأحكام فإنها شرعت لمصالح العباد والقياس يجري فيها.

  29. ولو ساغ ما ذكروه: لساغ لنفاة القياس في الجملة.

  30. ولأننا إنما نقيس إذا علمنا الأصل، ويثبت ذلك عندنا بالقياس، فيصير كالتوقيف.

  31. فأما ما لا نعلمه: كأعداد الركعات ونحوه: فلا يجري القياس فيه. وقولهم: "إن في القياس شبهة" .

  32. قلنا: يبطل بخبر الواحد، والشهادة، والظاهر، فإنه٦ يثبت به الحد، مع وجود الاحتمال فيه.

  33. مسألة: [في جريان القياس في النفي]

    vol. 2, p. 300
  34. والنفي على ضربين:

    طارئ، كبراءة الذمة من الدَّين١.

  35. فهو حكم شرعي يجري فيه قياس العلة، وقياس الدلالة، كالإثبات٢.

  36. ونفي أصلي:
  37. وهو البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، كانتفاء صلاة سادسة، فهو منفي باستصحاب موجب العقل.

  38. فلا يجري فيه قياس العلة؛ لأنه لا موجب له قبل ورود السمع، فليس بحكم شرعي حتى تطلب له علة شرعية، بل هو نفي حكم الشرع ولا علة له، إنما العلة لما يتجدد٣.

  39. لكن يجري فيه قياس الدلالة، وهو: أن يستدل بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، هو: استصحاب الحال١، والله أعلم.

    vol. 2, p. 301
  40. فصل: [في قوادح العلة]

    قال بعض أهل العلم: يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالًا٢:

    vol. 2, p. 302الاستفسار -وفساد الاعتبار -وفساد الوضع -والمنع -والتقسيم -والمطالبة -والنقض- والقول بالموجب- والقلب- وعدم التأثير -والمعارضة- والتركيب

    [السؤال الأول: الاستفسار]