فصل: في خطأ المجتهد وإصابته

135 paragraphs · vol. 2, p. 347

Page 2 of 4

  1. وهو٥ باطل كيفما كان؛ إذ كيف يكون القرآن قديمًا مخلوقًا، والرؤية محالًا ممكنًا وهذا محالٌ؟! ٦.

    vol. 2, p. 352
  2. والدليل على أن الحق في جهة واحدة١: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى٢.

    vol. 2, p. 353
  3. أما الكتاب:

    فقول الله – تعالى- {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} ٣.

  4. فلو استويا في إصابة الحكم: لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم معنى. وهو يدلُّ على فساد مذهب من قال: "الإثم غير محطوط عن المخطئ" ، فإن الله- تعالى- مدح كلا منهما وأثنى عليه بقوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} ٤.

  5. فإن قيل: فيكف يجوز أن ينسب الخطأ إلى داود وهو نبيٌّ؟! ومن أين

    vol. 2, p. 354لكم أنه حكم باجتهاده، وقد علمتم الاختلاف في جواز ذلك١؟!.

  6. ثم لو كان مخطئًا: كيف يمدح المخطئ وهو يستحق الذم؟!

  7. ثم يحتمل: أنهما كانا مصيبين فنزل الوحي بموافقة أحدهما

  8. قلنا:
  9. يجوز وقوع الخطأ منهم، لكن لا يقرّون عليه، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.

  10. وإذا تُصُوِّر وقوع الصغائر منهم: فكيف يمتنع وجود خطأ لا مأثمَ فيه، وصاحبه مثاب مأجور؟!

  11. ولولا ذلك: ما عوتب نبينا- عليه السلام – على الحكم في أسارى بدر، ولا في الإذن في التخلف عن غزوة تبوك فقال- تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ....} ٢.

    وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، وإنما أقضي على نحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذْهُ؛ فإنما أقْطعُ له قطعةً من النار" ٣.

  12. فبين أنه يقضي للرجل بشيء من حقِّ أخيه.

  13. قولهم: "من أين لكم أنه حكم بالاجتهاد؟! "

  14. قلنا:
  15. الآية دليل عليه؛ فإنه لو حكم بنص: لما اختصَّ سليمان بالفهم دونه.

  16. وقولهم: "إن النص نزل بموافقة سليمان" .

    vol. 2, p. 355
  17. قلنا:
  18. لو كان ما حكم به داود – عليه السلام- صوابًا وهو الحق، فتغير الحكم بنزول النص: لا يمنع أن يكون فهمهما وقت الحكم، ولا يوجب اختصاص "سليمان" بالإصابة، كما لو تغير بالنسخ.

  19. وأما السنة:

    فما تقدم من الخبر، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-أخبر بأنه يقضي للإنسان بحق أخيه.

  20. ولو كان يأثم بذلك: لم يفعله النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

  21. ولو كان ما قضي به هو الحكم عند الله – تعالى- لما قال: "قضيت له بشيء من حق أخيه" ولا قال: "إنما أقطع له قطعة من النار" .

  22. ولأن الحكم عند الله تعالى- لا يختلف باختلاف لحن١ المتخاصمين، أو تساويهما.

  23. وروي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا بعث جيشًا أوصاهم فقال: "إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم" ٢.

  24. وروى ابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة، وغيرهم: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" .

    vol. 2, p. 356
  25. هذا لفظ رواية عمرو. أخرجه مسلم١.

  26. وهو حديث تلقته الأمة بالقبول.

  27. وهو صريح في: أنه يحكم باجتهاده فيخطئ ويؤجر دون أجر المصيب.

  28. فإن قيل: المراد به: أنه أخطأ مطلوبه، دون ما كلّفه، كخطأ الحاكم، ردّ المال إلى مستحقيه٢، مع إصابته حكم الله عليه، وهو اتباع موجب ظنه. وخطأ المجتهد جهة القبلة مع أن فرضه جهة يظن أن مطلوبه فيها. وهذا يتحقق في كل مسألة فيها نص، أو اجتهاد يتعلق بتحقيق المناط، كأروش الجنايات، وقدر كفاية القريب؛ فإن فيها حقيقة معينة عند الله، وإن لم يكلف المجتهد طلبها٣.

  29. قلنا:
  30. فإذا سلم هذا: ارتفع النزاع، فإننا لا نقول: إن المجتهد يُكلَّف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف المجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه فله أجران، وإن أخطأه فله أجر على اجتهاده،

    vol. 2, p. 357وهو مخطئ، وإثم الخطأ محطوط عنه.

  31. كما في مسألة القبلة؛ " فإن المصيب لجهة الكعبة عند اختلاف المجتهدين واحد، ومن عداه مخطئ يقينًا، يمكن أن يبين له خطأه، فيلزمه إعادة الصلاة عند قوم، ولا يلزمه عند آخرين، لا لكونه مصيبًا لها، بل سقط عنه التوجه إليها، لعجزه عنها.

  32. وهكذا كون حق زيد عند عمرو، إذا اختلف فيه مجتهدان، فالمصيب أحدهما، والآخر مخطئ؛ إذ لا يمكن كون ذمة عمرو مشغولة بريئة.

  33. وتخصيص ذلك بما فيه نص خلاف موجب العموم، وهو باطل- أيضًا- فإن القياس [في] معنى النص، ونحن نتعرف بالبحث المعني الذي قصده النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فهو كالنص.

  34. وأما الإجماع:

    فإن الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم – اشتهر عنهم في وقائع لا تحصى: إطلاق الخطأ على المجتهدين.

  35. من ذلك: قول أبي بكر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان "١.

  36. وعن ابن مسعود في قصة "برْوع " مثل ذلك٢.

    وقال عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لكاتبه: "اكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر"٣.

  37. وقال- في قضية قضاها: "والله، ما يدري عمر أصاب أم أخطأ" ذكره الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد١ عن أبيه.

    vol. 2, p. 358
  38. وقال علي لعمر- في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها، وقد استشار عثمان وعبد الرحمن، فقالا: "لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب" - فقال علي: "إن يكونا قد اجتهدا: فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهد فقد غشّاك، عليك الدية" . فرجع عمر إلى رأيه٢.

    وقال علي- في إحراق الخوارج٣:

    vol. 2, p. 359لقد عثرت عثرة لا تنجبر ... سوف أليسُ١ بعدها أو أستمر

    .............................. ... وأجمع الرأي الشتيت المنتشر٢

    وقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد؛ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا" ٣.

    وقال: "من شاء باهلته في العول" ٤.

    وقالت عائشة: "أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-إلا أن يتوب" ٥.

  39. وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ.

  40. فإن قيل٦: لعلهم نسبوا الخطأ إليه، لتقصيره في النظر، أو لكونه من غير أهل الاجتهاد.