فصل: تعريف التعارض
35 paragraphs · vol. 2, p. 390
- vol. 2, p. 390
واعلم أن التعارض: هو التناقض١.
-
ولا يجوز ذلك في خبرين؛ لأن خبر الله –تعالى– ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-لا يكون كذبًا.
- vol. 2, p. 391
فإن وجد ذلك في حكمين:
فإما أن يكون أحدهما كذبًا من الراوي.
-
أو يمكن الجمع بينهما بالتنزيل على حالين، أو في زمانين.
-
أو يكون أحدهما منسوخًا.
-
فإن لم يمكن الجمع، ولا معرفة النسخ: رجحنا١، فأخذنا الأقوى في أنفسنا.
-
[وجوه الترجيح في الأخبار]
-
ويحصل الترجيح في الأخبار من ثلاثة أوجه:
الأول: يتعلق بالسند:
وذلك أمور خمسة:
أحدها: كثرة الرواة، فإن ما كان رواته أكثر كان أقوى في النفس، وأبعد من الغلط أو السهو؛ فإن خبر كل واحد يفيد ظنًّا على انفراده، فإن انضم أحدهما إلى الآخر كان أقوى وآكد منه لو كان منفردًا، ولهذا ينتهي إلى التواتر بحيث يصير ضروريًّا قاطعًا لا يشك فيه.
-
وبهذا قال الشافعي٢.
وقال بعض الحنفية: لا يرجح به ٣؛ لأنه خبر يتعلق به الحكم، فلم يترجح بالكثرة، كالشهادة والفتوى.
- vol. 2, p. 392
قلنا:
- الأصل ما ذكرناه١ بدليل أمور ثلاثة:
-
أحدها: ما ذكرناه من غلبة الظن، وتقديم الراجح متعين، لأنه أقرب إلى الصحة.
-
ولذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد الأصلين وجب اتباعه.
-
الثاني: أن الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- كانوا يرجحون بكثرة العدد. ولذلك قوّى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-خبر ذي اليدين بموافقة أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-٢.
-
وأبو بكر قوّى خبر المغيرة في ميراث الجدة بموافقة محمد بن مسلمة٣. وقوّى عمر خبر المغيرة -أيضًا- في دية الجنين بموافقة محمد بن مسلمة٤. وقوّى خبر أبي موسى في الاستئذان بموافقة أبي سعيد٥. وقوّى ابن عمر خبر أبي هريرة في: "من شَهِد جنازة" بموافقة عائشة٦. إلى غير ذلك مما يكثر، فيكون إجماعًا منهم.
-
الثالث أن هذا عادة الناس في حراثتهم وتجاراتهم، وسلوك
vol. 2, p. 393الطريق؛ فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة يميلون إلى الأقوى. فأما الشهادة١: فلم يرجحوا فيها، وسببها: أن باب الشهادة مبنٌّي على التعبد.
-
ولهذا لو شهد بلفظ الإخبار دون الشهادة لم يقبل، ولا تقبل شهادة مائة امرأة على باقة بقل.
-
الثاني٢: أن يكون أحد الراويين معروفًا بزيادة التيقظ وقلة الغلط، فالثقة بروايته أكثر.
-
الثالث: أن يكون أورع وأتقى، فيكون أشد تحرزًا من الكذب، وأبعد من رواية ما يشك فيه.
-
الرابع: أن يكون راوي أحدهما صاحب الواقعة، فقول "ميمونة" ٣: "تزوجني النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحن حلالان" ٤
vol. 2, p. 394يُقَدَّم على رواية "ابن عباس" : "نكحها وهو محرم" ١.
-
الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة، كرواية أبي رافع ٢: "تزوج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ميمونة وهو حلال، وكنت السفير بينهما" ٣، مع رواية "ابن عباس" التي ذكرناها، فإن المباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي.
-
ولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صحة صوم من أصبح جنبًا، وفي وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون الإنزال على خبر من روى خلاف ذلك.
- الوجه الثاني٤: الترجيح لأمر يعود إلى المتن بأمور:
-
منها: أن يشهد القرآن والسنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق
vol. 2, p. 395الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي كموافقة خبر التغليس١ قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .
-
الثاني: أن يختلف في وقت أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه.
-
الثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.
-
الرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛
- vol. 2, p. 396
لأنه متفق على صحته، وذلك مختلف فيه.
-
وأما الترجيح لأمر من خارج١:
فكترجيح أحد الخبرين بكونه ناقلًا عن حكم الأصل، مثل الموجب للعبادة أولى من النافي لها؛ لأن النافي جاء على مقتضى العقل، والآخر متأخر عنه، فكان كالناسخ له.
-
وكذلك رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على صاحبه٢.
قال القاضي: وإذا تعارض الحاظر والمبيح: قدم الحاظر؛ لأنه الأحوط. وقيل: لا يرجح بذلك٣.
-
ولا يرجح المسقط للحد على الموجب له، ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق؛ لأن ذلك لا يوجب تفاوتًا في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط.
- vol. 2, p. 397
وأما الترجيح بأمر خارج: فبأمور:
منها: أن يشهد القرآن أو السنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي، كموافقة خبر التغليس قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .
-
الثاني: أن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر متفق على رفعه.
-
الثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نُقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.
-
الرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛ لأنه متفق عليه، وذلك مختلف فيه١.