فصل: في ترجيح المعاني
40 paragraphs · vol. 2, p. 397
- vol. 2, p. 397
قال أصحابنا: ترجح العلة بما يرج به الخبر١:
من موافقتنا لدليل آخر من كتاب أو سنة، أو قول صحابي، أو خبر مرسل، أو بكون إحداهما ناقلة عن الأصل، كما قلنا في الخبر. فأما إن كانت إحداهما حاظرة والأخرى مبيحة، أو كانت إحداهما مسقطة للحد، أو موجبة للعتق، ففي الترجيح بذلك اختلاف٢:
فرجح به قوم، احتياطًا للحظر ونفي الحد.
- vol. 2, p. 398
ولأن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.
-
ومنع آخرون الترجيح بذلك، من حيث إنهما حكمان شرعيان فيستويان١.
-
ولأن سائر العلل لا ترجح بأحكامها، فكذا هاهنا.
-
ورجح قوم العلة بخفة حكمها؛ لأن الشريعة خفيفة. وآخرون بالعكس؛ لأن الحق ثقيل.
-
وهي ترجيحات ضعيفة.
-
فإن كانت إحدى العلتين حكمًا، والأخرى وصفًا حسيًّا، ككونه قوتًا أو مسكرًا٢.
-
فاختار القاضي ترجيح الحسية٣.
-
ومال أبو الخطاب إلى ترجيح الحكمية٤؛ لأن الحسية كانت موجودة قبل الحكم، فلا يلازمها حكمها، والحكم أشد مطابقة للحكم.
-
ورجح القاضي: بأن الحسية كالعلة العقلية، والعقلية قطعية، فهي أولى مما يوجب الظن٥.
-
ولأنها لا تفتقر إلى غيرها في الثبوت.
-
وقيل: هذا كله ترجيح ضعيف.
- vol. 2, p. 399
وذكر أبو الخطاب ترجيح العلة إذا كانت أقل أوصافًا، لمشابهتها العلة العقلية.
-
ولأنها أجرى على الأصول١.
-
وترجيحها بكثرة فروعها وعمومها٢.
-
ثم اختار٣ التسوية، وأن هذين لا يرجح بهما؛ لأن العلتين سواء في إفادتهما حكمهما، وسلامتهما من الفساد.
-
ومتى صحت لم يلتفت إلى كثرة فروعها، ولا كثرة أوصافها.
-
ورجح العلة المنتزعة من الأصول على ما انتزع من أصل واحد؛ لأن الأصول شواهد للصحة، وما كثرت شواهده كان أقوى في إثارة غلبة الظن.
-
ورجح العلة المطردة المنعكسة على ما لا ينعكس؛ لأن الطرد والعكس دليل على الصحة ابتداء، لما فيه من غلبة الظن، فلا أقل من أن يصلح للترجيح.
-
ورجح العلة المتعدية على القاصرة، لكثرة فائدتها.
-
ومنع ذلك قوم؛ لأن الفروع لا تبني على قوة في ذات العلة، بل القاصرة أوفق للنص.
-
والأول أولى، فإنها متفق عليها، وهذه مختلف فيها٤.
- vol. 2, p. 400
ورجح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا؛ لأنه متفق على الوصف، مختلف في الاسم فالمتفق عليه أقوى١.
-
ورجح ما كانت علته إثباتًا على التعليل بالنفي، لهذا المعنى أيضًا.
-
ورجح العلة المردودة٢ إلى أصل قاسَ الشارعُ عليه، كقياس الحج على الدَّين في أنه لا يسقط بالموت، أولى من قياسهم على الصلاة، لتشبيه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- له بالدين في حديث الخثعمية٣.
- vol. 2, p. 401
ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه، والآخر مختلفًا فيه، كانت المتفق على أصلها أولى، فإن قوة الأصل تؤكد قوة العلة.
- وكذلك ترجح كل علة قوى أصلها، مثل:
-
أن يكون أحدهما محتملًا للنسخ، والآخر لا يحتمل.
-
أو يثبت أحدهما بخبر متواتر، والآخر بآحاد.
-
أو أحدهما ثابتًا بروايات كثيرة، والآخر برواية واحدة.
-
أو أحدهما بنص صريح، والآخر بتقدير أو إضمار.
-
أو يكون أحدهما أصلًا بنفسه، والآخر أصلًا لآخر.
-
أو أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه.
-
أو يكون دليل أحد الوصفين مكشوفًا١ معينًا، والآخر أجمعوا على أنه بدليل، ولم يكن معينًا.
-
أو يكون أحدهما مغيرًا للنفي الأصلي، والآخر مبقيًا عليه، فالمغير أولى؛ لأنه حكم شرعي، والآخر نفي للحكم على الحقيقة.
-
وترجح العلة المؤثرة على الملائمة.
-
والملائمة على الغريب.
-
والمناسبة على الشبهية؛ لأنه أقوى في تغليب الظن٢. والله -سبحانه- أعلم.
- vol. 2, p. 402
تم الكتاب بحمد الله ومنّه وكرمه.
-
وصلَّى اللهُ على خير رسله: محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.