فصل: في المحكم والمتشابه

17 paragraphs · vol. 1, p. 213

  1. وفي كتاب الله -سبحانه- محكم ومتشابه١، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... } ٢.

    قال القاضي: المحكم: المفسر، والمتشابه: المجمل؛ لأن الله -سبحانه- سمى "المحكمات" "أم الكتاب" وأم الشيء: الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فيجب أن يكون المحكم غير محتاج إلى غيره، بل هو أصل بنفسه وليس إلا ما ذكرنا.

    vol. 1, p. 214وقال ابن عقيل١: المتشابه هو الذي يغمض علمه على غير العلماء والمحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، كقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُون} ٢. وقال -تعالى- في آية أخرى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ٣. ونحو ذلك.

    وقال آخرون: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما عداه٥.

    وقال آخرون: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال،

    vol. 1, p. 215والمتشابه: القصص والأمثال١.

    vol. 1, p. 213
  2. والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله -تعالى-: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ٢، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} ٣، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي} ٤، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك} ٥ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ٦، ونحوه٧.

  3. فهذا اتفق السلف -رحمهم الله- على الإقرار به، وإمراره على وجهه وترك تأويله.

  4. فإن الله -سبحانه- ذم المبتغين لتأويله، وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ.

  5. وليس في طلب تأويل ما ذكروه من المجمل١ وغيره ما يذم به صاحبه، بل يمدح عليه؛ إذ هو طريق إلى معرفة الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.

    vol. 1, p. 216
  6. ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله -سبحانه- منفرد بعلم تأويل المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله} ٢ له لفظًا ومعنى.

  7. أما اللفظ: فلأنه لو أراد عطف "الراسخين" لقال: "ويقولون آمنا به" بالواو.

  8. وأما المعنى: فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا: لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا.

  9. ولأن قولهم {آمَنَّا بِهِ} يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه.

  10. سيما إذا اتبعوه بقولهم: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فذكرهم ربهم -ههنا- يعطي الثقة به، والتسليم لأمره، وأنه صدر منه، وجاء من عنده كما جاء من عنده المحكم.

  11. ولأن لفظة "أما" لتفصيل الجمل، فذكره لها في {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ} مع وصفه إياهم لابتغاء المتشابه، وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم "الراسخون" ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل.

  12. وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد: فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه؛ لأن ما ذكر من الوجوه لا يعلم تأويله كثير من الناس.

    vol. 1, p. 217
  13. فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟

  14. قلنا:
  15. يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالي-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين} ١ {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ... } الآية٢، {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس} ٣.

  16. وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها٤.

  17. والله أعلم.