تمهيد
190 paragraphs · vol. 1, p. 23
Page 3 of 5
- vol. 1, p. 32
سادسًا- في التاريخ والأنساب:
١- الاستبصار في نسب الأنصار.
-
٢- التبيين في نسب القرشيين.
-
٣- مشيخة شيوخه.
-
٤- مشيخة أخرى.
-
هذا بالإضافة إلى رسائل أخرى في موضوعات متفرقة١.
- vol. 1, p. 33
منهج ابن قدامة:
في كتابه: روضة الناظر وجنة المناظر
١- من المعروف أن "ابن قدامة" حنبلي المذهب، والحنابلة -بصفة عامة- يسيرون على منهج المتكلمين الذي يعنون بتأسيس القواعد وإقامة الأدلة عليها.
-
والمؤلف سلك نفس المسلك، فيذكر مذاهب العلماء في المسألة مقرونة بأدلتها، ثم يذكر ما يراه راجحًا، مؤيدًا بالبرهان والدليل، ثم يناقش أدلة المخالفين ويبين وجه الخطأ فيما قالوه.
-
وقد بين -رحمه الله تعالى- منهجه هذا في مقدمة كتابه فقال:
"أما بعد: فهذا كتاب نذكر فيه أصول الفقه، والاختلاف فيه، ودليل كل قول، على وجه الاختصار، والاقتصار من كل قول على المختار، ونبين من ذلك ما نرتضيه، ونجيب على من خالفنا فيه" .
-
فهو بذلك يريد أن يجعل كتابه في "أصول الفقه المقارن" كما فعل ذلك في كتابه "المغني" في الفقه، فهو موضوع أساسًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- لكنه أضاف إليه أقوال بعض المذاهب الأخرى، مقرونة -أحيانا- بأدلتها، ثم يناقش هذه الأدلة ويبين الراجح في النهاية بقوله: "ولنا" .
-
ولذلك يعتبره العلماء من أهم المراجع في الفقه المقارن.
- vol. 1, p. 34
٢- والمؤلف سلك في كتابه "الروضة" مسلك الإمام الغزالي في كتاب "المستصفى من علم الأصول" في الجملة، حتى إنه تبعه في إضافة المقدمة المنطقية إلى كتابه، والتي كانت مثار انتقاد له من بعض العلماء، حتى قيل: إنه حذفها فيما بعد من بعض النسخ.
-
كما تبعه في ترتيب أدلة الأحكام، فجعلها على هذا النحو: كتاب الله -تعالى-، ثم سنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم الإجماع، ثم دليل العقل المبقي على النفي الأصلي، ثم في الأدلة المختلف فيها، وأخر القياس وجعله في باب: ما يقتبس من الألفاظ، مخالفًا ما عليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة، حيث يجعلون القياس من الأدلة الأربعة المتفق عليها: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.
-
جاء في شرح الكوكب المنير١: "أدلة الفقه المتفق عليها -على ما في بعضها من خلاف ضعيف جدًّا- أربعة:
الأول: الكتاب، وهو القرآن، وهو الأصل.
-
والثاني: السنة..... وهي مخبرة عن حكم الله تعالى.
-
والثالث: الإجماع..... وهو مستند إلى الكتاب والسنّة.
-
والرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء.
وقال أبو المعالي وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.
قال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا، فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد الظن.
- vol. 1, p. 35
وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة: التي هي الكتاب والسنة والإجماع ".
-
و"ابن قدامة " وإن كان قد سار على منهج " الغزالي " إلا أنه قد خالفه في بعض المسائل، وفي ترتيب الفصول، وتقديم بعض المباحث وتأخير البعض، كما أنه امتاز عن " المستصفي " بإبراز آراء علماء الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى المتوفى سنة " ٤٥٨هـ "، وأبي حامد: الحسن بن حامد بن علي البغدادي المتوفى " ٤٠٣هـ " والتميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد المتوفى سنة " ٣٧١هـ "، وعبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة " ٣٦٣هـ "، وعلي بن عقيل بن محمد " ابن عقيل الحنبلي " المتوفى سنة " ٥١٣هـ "، ومحفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الحنبلي المتوفى سنة " ٥١٠هـ " وغيرهم من علماء المذهب، فضلًا عن النقل عن إمامهم جميعًا: الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
-
٣- ولما كان الغرض من الكتاب الاختصار والاقتصار على ما هو الراجح -غالبًا- كما جاء في مقدمة الكتاب، فإن المصنف كثيرًا ما يحيل على المسائل المتقدمة التي تشبه المسألة التي يعالجها، ومن أمثلة ذلك:
قوله في باب النهي: "اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي، وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير"١ كما أنه -أحيانًا- يضطر إلى إضافة بعض الأشياء في نهاية المسألة، حتى لا تخفى على القارئ بسب الاختصار الذي يختصره من كلام الغزالي.
-
ففي مسألة الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها
vol. 1, p. 36ينقل كلام الإمام الغزالي -باختصار شديد- ثم يقول في ختام المسألة:
" ... العقل لا دخل له في الحظر والإباحة..... وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
-
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} ١ وبقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} ٢ وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ....} ٣ وبقوله {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... } ٤ ونحو ذلك.
-
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: "..... وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه " " ٥ ".
-
٤- كما أن منهجه: أن يوضح حقيقة الخلاف والآراء المنسوبة إلى المذاهب، فقد ينقل الغزالي عن الحنابلة رأيًا معينًا، بينما يكون في المسألة روايات أخرى لم يذكرها، فيوضح ابن قدامة ذلك، ويبين الرواية الراجحة والمرجوحة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء في "مسألة الفرض والواجب " وهل هما بمعنى واحد أو مختلفان؟
-
يقول الغزالي: "فإن قيل: هل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا:
vol. 1, p. 37لا فرق -عندنا- بينهما، بل هما من الألفاظ المترادفة، كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- اصطلحوا على تخصيص اسم "الفرض" بما يقطع بوجوبه، وتخصيص اسم "الواجب" بما لا يدرك إلا ظنًا "١.
-
أما ابن قدامة فيقول: "والفرض هو الواجب -على إحدى الروايتين- لاستواء حدهما، وهو قول الشافعي.
-
والثانية: الفرض آكد.... "٢.
-
فابن قدامة أظهر أن في مذهب الحنابلة روايتين، وقوى الرواية التي توافق مذهب الحنفية من كون الفرض آكد من الواجب، ودلل على ذلك من نصوص علماء اللغة، ثم توصل في النهاية إلى أن الخلاف مبني على الاصطلاح، وهو أمر لا مشاحة فيه.
-
ولذلك قال في نهاية المسألة: "ولا خلاف في انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى".
-
٥- كذلك من منهجه: أنه -غالبًا- ما يبدأ المسألة بذكر المذهب الذي يراه راجحًا، ثم يتبعه برأي المخالفين وأدلتهم، ثم يناقشها، ثم يختم ببيان الأدلة التي تؤيد ما يرجحه، وغالبًا ما ينوع الأدلة التي يوردها مستندًا إلى كلام أهل اللغة، ثم إلى القرآن والسنّة والإجماع والقياس، إن وجد ذلك، وهو في ذلك كله لا يستهين بالرأي المخالف، حتى ولو كان ضعيفًا أو ظاهر البطلان، ولذلك ينقل عن المعتزلة، وأهل الظاهرة، والشيعة، حتى اليهود عنهم، كما جاء في باب النسخ.
-
وهذا -في الواقع- منهج علمي سليم، يقوم على الحجة والبرهان،
vol. 1, p. 38حتى يكون المسلم على بينة من أمره، ولا ينخدع بما يزينه المخالفون لمنهج الإسلام، والطعن على أحكامه بأساليب مختلفة.
- قيمة الكتاب العلمية ومزاياه:
-
أ- مما لا شك فيه أن كتاب "روضة الناظر" من أهم الكتب التي ألفت في علم الأصول -بصفة عامة- وفي مذهب الحنابلة -بصفة خاصة- فما من بحث أو كتاب في علم الأصول -من الكتاب المتأخرة عن "ابن قدامة" - إلا وتجده واحدًا من مصادره التي يعتمد عليها ومن أمثلة ذلك:
١- فقد جعله الإمام القرافي المتوفى سنة "٦٨٤هـ" من مصادره في شرحه لكتاب "المحصول" للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة "٦٠٦هـ" والمسمى "نفائس الأصول" .
-
٢- كما نص الإمام بدر الدين الزركشي المتوفى سنة "٧٩٤هـ" في مقدمة كتابه "البحر المحيط" على أن كتاب "روضة الناظر" من المؤلفات التي اعتمد عليها في كتابه.
-
٣- كذلك الإمام: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المتوفى سنة "٩٧٢هـ" جعله واحدًا من أهم الكتب التي رجع إليها ونقل منها.
-
وغير هؤلاء كثير ممن يطول الكلام عنهم.
-
ب- كذلك من المزايا التي تميز بها الإمام ابن قدامة: أنه ليس مجرد ناقل، وإنما له فكره المستقل، ورأيه المستنير الذي لا يرى حجية المسألة تابعة لرأي شخص معين، مهما كانت منزلته، وإنما يعتمد في أقواله وترجيحاته على الدليل الذي لم يتطرق إليه أي احتمال.
- vol. 1, p. 39
ولذلك نراه يشتد في مناقشته للإمام الغزالي، ويصف رأيه بأنه خارج عن الإجماع، أو الكتاب في مسألة: إصابة كل مجتهد، أو أن المجتهد يخطئ ويصيب.
قال -رحمه الله تعالى-:
"وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي، وفرض الكلام في مسألتين:
أحدهما: مسألة فيها نص فينظر: فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره، وإن لم يكن مقدورًا عليه، لبعد المسافة، وتأخير المبالغة، فليس بحكم في حقه...." إلى أن قال: "وزعم أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف من كل منصف" ١.
-
ويقصد بذلك الإمام الغزالي.
-
والذي يدل على ذلك ما جاء في المستصفى: ".... والمختار عندنا وهو الذي نقطع به، ونخطّئ المخالف فيه: أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله -تعالى-" ٢ ثم فرض المسألة في طرفين، كما قال ابن قدامة.
-
وهذا يدل على أن للرجل رأيًا مستقلًّا، وليس مجرد ناقل.