تمهيد
190 paragraphs · vol. 1, p. 23
Page 4 of 5
- vol. 1, p. 39
جـ- ومما يدل على أهمية الكتاب العلمية: اهتمام العلماء بشرحه والتعليق عليه، أو اختصاره، فضلا عن كونه الكتاب الأساس في أغلب المؤسسات التعليمية.
- ويدل على ذلك ما يلي:
-
١- الإمام نجم الدين: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي المتوفى سنة "٧١٦هـ" اختصر كتاب "روضة الناظر" في كتاب سماه "البلبل في أصول الفقه" طبع بمطبعة النور بالرياض عام ١٣٨٣هـ.
-
ثم قام بشرح هذا المختصر شرحًا وافيًا، أضاف إليه أمورًا كثيرة من اجتهاداته، ومن أقول العلماء الآخرين، مما جعل لهذا الشرح أهمية بالغة.
-
وقد حقق هذا الشرح معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي -يحفظه الله- ونشر بمكتبة مؤسسة الرسالة.
-
٢- قام بشرح الكتاب والتعليق عليه الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران الدمشقي المتوفى سنة "١٣٤٦هـ-١٩٢٠م" وسماه "نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر" .
-
وهو ليس شرحًا بالمعنى المعروف، لكنها تعليقات على بعض المسائل التي يصعب فهمها على المبتدئ في علم الأصول، وأغلبها منقول حرفيًّا من شرح الطوفي آنف الذكر.
-
وقد نبه -رحمه الله تعالى- على ذلك في أول الكتاب فقال: ".... وأخذت بكتابة تعليقات عليه، تقرب ما نأى من المطالب، وتفتح باب تلك الروضة لكل طالب، وتُهديه من ثمراتها، بلا ثمن، وتحرير مسائله تحرير ممارس مؤتمن، مع ترك الواضح منه، وصرف الهمة إلى ما أشكل" ١.
-
٣- وقد سلك مسلك "ابن بدران" في التعليق على ما أشكل من
vol. 1, p. 41الكتاب الشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي المتوفى سنة "١٣٩٣هـ" .
-
والظاهر أنه -رحمه الله تعالى- كان يتولى تدريس مادة "أصول الفقه" لطلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إبّان افتتاحها عام ١٣٨٠هـ وكان الكتاب المقرر هو "روضة الناظر" وأن الطلاب وجدوا صعوبة في فهمه، فوضع هذه التعليقات، وطبعت مستقلة بعنوان "مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر للعلامة ابن قدامة رحمه الله" .
-
٤- قدم فيه الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد -يحفظه الله- دراسة علمية نال بها درجة "الدكتوراه" من كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بعنوان "ابن قدامة وآثاره الأصولية" في قسمين:
القسم الأول: خصصه للحديث عن حياة ابن قدامة ونشأته ومراحل تعلّمه، ونسبه الذي أوصله إلى الخليفة العادل "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- ثم تحدث باستفاضة عن آثار هذا الرجل في المذهب الحنبلي بعامة، وفي أصول الفقه ومنهجه فيه بخاصة.
-
أما القسم الثاني: فقد خصصه لتحقيق كتاب "روضة الناظر" والتعليق عليه.
-
وهو عمل جليل أظهر مكانة هذا العالم وأهمية كتاب الروضة، الأمر الذي جعل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تقوم بطبع الكتاب وتوزيعه على طلبة العلم، فجزى الله القائمين عليها خيرًا، وجعل ذلك في صفحات أعمالهم الصالحة.
-
٥- كما حقق الكتاب وقدم له بدراسة وافية فضيلة الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن
vol. 1, p. 42سعود الإسلامية بالرياض -يحفظه الله- ونشرته مكتبة الرشد بالرياض.
-
والمطالع في هذه الطبعة يلمس الجهد المشكور الذي بذله المحقق في تصحيح النص ومقابلته على النسخ المخطوطة والمطبوعة للكتاب، مع تخريج شواهد الكتاب على أحدث طرق التحقيق، فجزاه الله عن هذا العمل خير الجزاء، ونفع بعلمه وعمله بقدر إخلاصه لله تعالى.
-
فهذه الأعمال المختلفة، وتلكم الجهود المتكررة حول كتاب "الروضة" خير شاهد على دعوانا: من أن لهذا الكتاب أهمية خاصة، ومكانة مرموقة بين أهل العلم، عبر العصور المختلفة.
-
وفي تصوري أن هذه العناية بهذا الكتاب بصفة خاصة، دون غيره من الكتب ترجع إلى إخلاص هذا الرجل في عمله، وأنه ما أراد به إلا وجه الله -تعالى- ورضاه.
-
ولذلك هيأ الله -تعالى- من يقوم بخدمة الكتاب ونشره بين أبناء العلم.
-
ما يؤخذ على الكتاب:
العمل البشري -دائمًا- يعتريه القصور، ويرد عليه الخطأ والنسيان وما من عمل يعمله الإنسان، ثم ينظر فيه -بعد ذلك- إلا ويجد نفسه قد قصّر في بعض الأمور، كما قال العماد الأصفهاني:
"إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" .
-
وكتاب "الروضة" وإن كان يعتبر موسوعة علمية في أصول الفقه،
vol. 1, p. 43خاصة في ذكر آراء علماء المذاهب المختلفة، والمقارنة بينها، والاستدلال لكل مذهب، وبيان الراجح منها بالدليل، وإبراز مذهب الحنابلة على وجه الخصوص، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:
١- أحيانًا يعنون للشئ ولا يذكره، مثل ما جاء في الحكم وأقسامه.
عنون له بقوله: "حقيقة الحكم وأقسامه..... ثم قال: أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور ... " .
-
فلم يذكر شيئًا عن تعريف الحكم لغة واصطلاحًا، ولا عن تقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي إلى آخر ما هو معروف في هذا المجال.
-
كما أنه عبر بقوله "واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور" وهو خلاف ما عليه المحققون من العلماء، من أن خطاب التكليف هو: الإيجاب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة.
-
أما الواجب والمندوب، إلى آخره، فهو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة.
-
والوجوب: هو أثر الخطاب الشرعي، وهو الصفة التي تثبت للفعل.
-
فهناك فرق بين التعبيرات الثلاثة: الإيجاب، والواجب، والوجوب١.
-
كما أنه أهمل بعض تقسيمات الواجب، فلم يذكر شيئًا عن الواجب العيني والواجب الكفائي، وما يتعلق بهما من أحكام.
- vol. 1, p. 44
٢- أحيانًا لا يصرح بالمذهب ولا بالقائلين به، وإنما كان يكتفي بعبارة:
"فإن قيل" فيستفاد منها المذهب والقائلون به.
-
وكثيرًا ما يورد هذه العبارة عند ذكر أدلة المخالفين، الأمر الذي يجعل طالب العلم، أو الباحث يرجع إلى أصل الكتاب، وهو "المستصفى" لمعرفة المقصود بهذه العبارة، أو إلى بعض المراجع الأخرى.
-
والأمثلة على ذلك لا تخفى على من طالع الكتاب.
-
٣- غالبًا ما تكون عبارة الكتاب غامضة تحتاج إلى شرح وتوضيح.
-
ومن أسباب هذا الغموض: أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كثيرًا ما يختصر عبارة "المستصفى" فيحذف عبارة يتوقف عليها فهم المعنى، فيحصل الغموض.
-
ومن أمثلة ذلك:
أ- ما جاء في المرتبة الخامسة من مراتب رواية الحديث بالنسبة للصحابة -رضي الله عنهم- وهي: "أن يقول: " كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا.... ثم قال: مثل قول ابن عمر -رضي الله عنه- كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره ".
وأصل الرواية -كما في المستصفى-: "كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: خير الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر وعمر وعثمان ... إلى آخره ".
وقال في مثال آخر -في نفس المسألة-: "وقال: - أي: عبد الله بن عمر- كنا نخابر أربعين سنة" وهي في الأصل: كنا نخابر على عهد
vol. 1, p. 45رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعده أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج.... الحديث ".
-
ب- في مسألة: إفادة الخبر المتواتر العلم وإن لم يدل عليه دليل آخر، كما هو رأي جمهور العلماء.... حكى رأي "السمنية " في أنهم خالفوا في ذلك وحصروا العلم في الحواس الخمس ... ثم رد عليهم بقوله: " ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد، وبلدة تسمى مكة ".
-
والأصل في المستصفى "ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها ".
-
ومحل الشاهد هنا في عبارة "وإن لم يدخلها " ومعناه: أن العلم بوجود هذه البلدة لم يتوقف على الحواس عن المشاهدة مثلًا، وإلا لكان موافقا للسمنية في حصر العلم على الحواس، فابن قدامة حذف عبارة " وإن لم يدخلها " ووضع مكانها " وبلدة تسمى مكة " فكرر المثال، وحذف محل الشاهد، ومثل ذلك كثير.
-
٤- أحيانًا يتساهل في نسبة الآراء إلى المذاهب المختلفة، فيقول: يرى الحنفية كذا، بينما هو رأي البعض منهم، أو لا يمثل المذهب.
-
ومن أمثلة ذلك: ما نقله عن الحنفية في مسألة: تكليف الكفار بفروع الإسلام فقال: "واختلفت الرواية: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟
-
فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها، مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وهذا قول أكثر أصحاب الرأي".
-
وهذا القول مخالف لما في كتب الحنفية أنفسهم، حيث حكموا
vol. 1, p. 46على هذا الرأي بالشذوذ، وأن الصحيح عندهم أنهم غير مكلفين مطلقا١.
-
وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى حيث قال: "مسألة: ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلًا حالة الأمر.