فصل في اللغة

94 paragraphs · vol. 1, p. 97

Page 1 of 3

  1. وَأَصْلُهَا: لِغْوَةٌ، عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٌ. مِنْ لَغَوْت: إذَا تَكَلَّمْت. وَهِيَ تَوْقِيفٌ وَوَحْيٌ، لا اصْطِلاحٌ وَتَوَاطُؤٌ عَلَى الأَشْهَرِ١. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى وَكِيعٌ٢ فِي "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ٣ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ٤. قَالَ "عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى عَلَّمَهُ الْقَصْعَةَ وَالْقُصَيْعَةَ، وَالْفَسْوَةَ وَالْفُسَيَّةَ" ٥ وَلِمَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ٦ فِي "تَفْسِيرِهِ" مِنْ

    vol. 1, p. 98طَرِيقِ الضَّحَّاكِ١ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} . قَالَ: "هِيَ هَذِهِ الأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ الآنَ نَحْوُ٢: إنْسَانٌ، دَابَّةٌ، أَرْضٌ، سَهْلٌ، بَحْرٌ، جَبَلٌ، حِمَارٌ. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الأَسْمَاءِ٣ وَغَيْرِهَا" ٤.

    vol. 1, p. 97
  2. ثُمَّ إنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَةِ٥ تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَارِدَةٍ، وَإِلَى مُتَرَادِفَةٍ.

  3. فَالْمُتَوَارِدَةُ: كَمَا تُسَمَّى الْخَمْرُ عُقَارًا. تُسَمَّى٦ صَهْبَاءَ وَقَهْوَةً، وَالسَّبُعَ: لَيْثًا، وَأَسَدًا وَضِرْغَامًا.

  4. وَالْمُتَرَادِفَةُ: هِيَ الَّتِي يُقَامُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظٍ، لَمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ، يَجْمَعُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَمَا يُقَالُ: أَصْلَحَ الْفَاسِدَ. وَلَمَّ الشَّعَثَ، وَرَتَقَ الْفَتْقَ، وَشَعَبَ الصَّدْعَ٧. وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَلِيغُ فِي بَلاغَتِهِ. فَبِحُسْنِ الأَلْفَاظِ وَاخْتِلافِهَا

    vol. 1, p. 99عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ تُرَصَّعُ الْمَعَانِي فِي الْقُلُوبِ، وَتَلْتَصِقُ بِالصُّدُورِ، وَتَزِيدُ حُسْنَهُ وَحَلاوَتَهُ بِضَرْبِ الأَمْثِلَةِ وَالتَّشْبِيهَاتِ الْمَجَازِيَّةِ١.

  5. ثُمَّ تَنْقَسِمُ الأَلْفَاظُ أَيْضًا إلَى مُشْتَرَكَةٍ، وَإِلَى عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ، - وَتُسَمَّى مُسْتَغْرِقَةً- وَإِلَى مَا هُوَ مُفْرَدٌ بِإِزَاءِ مُفْرَدٍ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ٢.

  6. وَالدَّاعِي إلَى ذِكْرِ اللُّغَةِ هَاهُنَا: لِكَوْنِهَا مِنْ الأُمُورِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْهَا هَذَا الْعِلْمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الاسْتِدْلال مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلُ الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، وَكَانَا أَفْصَحَ الْكَلامِ الْعَرَبِيِّ: اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ لُغَةِ الْعَرَبِ، لِتَوَقُّفِ الاسْتِدْلالِ مِنْهُمَا عَلَيْهَا.

  7. فَإِنْ قِيلَ: مَنْ سَبَقَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، إنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّةً فَهُوَ مَبْعُوثٌ بِلِسَانِهِمْ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ مَبْعُوثٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. فَلِمَ لَمْ يُبْعَثْ بِجَمِيعِ الأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إلاَّ بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ، وَهُمْ الْعَرَبُ؟

  8. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ بُعِثَ بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ، لَكَانَ كَلامُهُ خَارِجًا عَنْ الْمَعْهُودِ، وَيَبْعُدُ بَلْ يَسْتَحِيلُ - أَنْ تَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً بِكُلِّ الأَلْسِنَةِ. فَيَتَعَيَّنُ الْبَعْضُ. وَكَانَ لِسَانُ الْعَرَبِ أَحَقَّ، لأَنَّهُ أَوْسَعُ وَأَفْصَحُ، وَلأَنَّهُ لِسَانُ الْمُخَاطَبِينَ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.

  9. وَلَمَّا خَلْقَ اللَّهُ تَعَالَى النَّوْعَ الإِنْسَانِيَّ، وَجَعَلَهُ مُحْتَاجًا لأُمُورٍ لا يَسْتَقِلُّ بِهَا، بَلْ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْمُعَاوَنَةِ: كَانَ لا بُدَّ لِلْمُعَاوِنِ مِنْ الاطِّلاعِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْمُحْتَاجِ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: مِنْ لَفْظٍ، أَوْ إشَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مِثَالٍ أَوْ نَحْوِهِ١.

    vol. 1, p. 100
  10. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَ "اللُّغَةُ" فِي الدَّلالَةِ عَلَى ذَلِكَ "أَفْيَدُ" أَيْ أَكْثَرُ فَائِدَةً "مِنْ غَيْرِهَا" لأَنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ، وَالْحَاضِرِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ "وَأَيْسَرُ لِخِفَّتِهَا" لأَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ تَعْرِضُ لِلنَّفَسِ الضَّرُورِيِّ، فَلا يَتَكَلَّفُ لَهَا مَا يَتَكَلَّفُ لِغَيْرِهَا٢.

  11. "وَسَبَبُهَا" أَيْ سَبَبُ وَضْعِهَا "حَاجَةُ النَّاسِ" إلَيْهَا. قَالَ٣ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ٤: "إنَّ الإِنْسَانَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ فِي مُهِمَّاتِهِ وَمُقِيمَاتِ مَعَاشِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَسْتَرْفِدَ الْمُعَاوَنَةَ٥ مِنْ غَيْرِهِ * وَلِهَذَا الْمَعْنَى اتَّخَذَ النَّاسُ الْمُدُنَ لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَعَاوَنُوا" ٦. انْتَهَى.

    vol. 1, p. 101قَالَ: بَعْضُهُمْ ١: "وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَوَزَّعَتْ الصَّنَائِعُ وَانْقَسَمَتْ الْحِرَفُ عَلَى٢ الْخَلْقِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ قَصَرَ وَقْتَهُ عَلَى حِرْفَةٍ يَسْتَقِلُّ٣ بِهَا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ بِجُمْلَةِ مَقَاصِدِهِ. فَحِينَئِذٍ لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ حَاجَتِهِ حَاضِرَةً ٤ عِنْدَهُ أَوْ غَائِبَةً بَعِيدَةً عَنْهُ. فَإِنْ ٤ ٥ كَانَتْ حَاضِرَةً ٥ أَشَارَ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَدُلَّ بِشَيْءٍ٦ عَلَى مَحَلِّ حَاجَتِهِ. فَوَضَعُوا الْكَلامَ دَلالَةً، وَوَجَدُوا٧ اللِّسَانَ أَسْرَعَ الأَعْضَاءِ حَرَكَةً وَقَبُولاً لِلتَّرْدَادِ، وَكَانَ الْكَلامُ إنَّمَا يَدُلُّ بِالصَّوْتِ. وَكَانَ الصَّوْتُ إنْ تُرِكَ سُدًى، امْتَدَّ وَطَالَ، وَإِنْ قُطِعَ تَقَطَّعَ، قَطَّعُوهُ٨ وَجَزَّءُوهُ عَلَى حَرَكَاتِ أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الصَّوْتُ، - وَهِيَ مِنْ أَقْصَى الرِّئَةِ إلَى مُنْتَهَى الْفَمِ-. فَوَجَدُوهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا، قَسَّمُوهَا عَلَى الْحَلْقِ وَالصَّدْرِ، وَالشَّفَةِ وَاللِّثَةِ.

  12. ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا٩ أَنَّ الْكِفَايَةَ١٠ لا تَقَعُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ رَكَّبُوا مِنْهَا ثُنَائِيًّا وَثُلاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا وَخُمَاسِيًّا وَاسْتَثْقَلُوا١١ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ"١٢.

    vol. 1, p. 102وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: "وَإِنَّمَا كَانَ نَوْعُ الإِنْسَانِ أَكْثَرَ حَاجَةً مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، لأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عَنْ جِنْسِهِ. أَمَّا الإِنْسَانُ: فَمَطْبُوعٌ عَلَى الافْتِقَارِ إلَى جِنْسِهِ فِي الاسْتِعَانَةِ، فَهُوَ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِطَبْعِهِ وَخَلْقِهِ، قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِهِ" .

    وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: "سَبَبُ وُجُودِهَا. حَاجَةُ النَّاسِ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ مُرَادَ بَعْضٍ لِلتَّسَاعُدِ١ وَالتَّعَاضُدِ٢ بِمَا لا مُؤْنَةَ فِيهِ لِخِفَّتِهَا، وَكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا، وَلا مَحْذُورَ. وَهَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ. فَمِنْ تَمَامِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا: أَنْ جَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ دُونَ غَيْرِهِ" ٣.

  13. "وَهِيَ" أَيْ وَحَقِيقَةُ اللُّغَةِ "أَلْفَاظٌ وُضِعَتْ لِمَعَانٍ" يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ الْمُهْمَلُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى٤.

  14. "فَمَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ" أَيْ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إلَى الاطِّلاعِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ دَائِمًا، كَطَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ "وَالظَّاهِرُ: أَوْ كَثُرَتْ" حَاجَتُهُ إلَيْهِ. كَالْمُعَامَلاتِ "لَمْ تَخْلُ مِنْ" وَضْعِ "لَفْظٍ لَهُ" .

  15. "وَيَجُوزُ خُلُوُّهَا مِنْ لَفْظٍ لِعَكْسِهِمَا٥" وَهُمَا٦: مَا لا يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، أَوْ تَقِلُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.

    vol. 1, p. 103قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقَنَّعِهِ" : مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ لَمْ تَخْلُ اللُّغَةُ١ مِنْ لَفْظٍ يُفِيدُهُ، وَمَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ غَالِبًا. فَالظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا عَنْهُ٢، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ " انْتَهَى.

    قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ ": وَحَاصِلُهُ٣ أَنَّ مَعَنَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:

    أَحَدُهَا: مَا احْتَاجَهُ النَّاسُ وَاضْطُرُّوا إلَيْهِ. فَلا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَضْعِهِ.

  16. الثَّانِي: عَكْسُهُ؛ مَا لا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ، وَخُلُوُّهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَكْثَرَ.

  17. الثَّالِثُ: مَا كَثُرَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، الظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا، بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ.

  18. الرَّابِعُ: عَكْسُهُ؛ مَا قَلَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ٤، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ.

  19. "وَالصَّوْتُ " الْحَاصِلُ عِنْدَ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ " عَرَضٌ مَسْمُوعٌ" وَسَبَبُهُ انْضِغَاطُ الْهَوَاءِ بَيْنَ الْجِرْمَيْنِ، فَيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شَدِيدًا، فَيَخْرُجُ، فَيَقْرَعُ٥ صِمَاخَ الأُذُنِ، فَتُدْرِكُهُ قُوَّةُ السَّمْعِ.

  20. فَصَوْتُ الْمُتَكَلِّمِ: عَرَضٌ حَاصِلٌ عَنْد١ اصْطِكَاكِ٢ أَجْرَامِ الْفَمِ - وَهِيَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ- وَدَفْعُ٣ النَّفَسِ لِلْهَوَاءِ، مُتَكَيِّفًا٤ بِصُورَةِ كَلامِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى أُذُنِ السَّامِعِ.

    vol. 1, p. 104
  21. وَقَوْلُهُمْ "الصَّوْتُ عَرَضٌ" ، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَعْرَاضِ، وَقَوْلُهُمْ "مَسْمُوعٌ" أخَرَجَ٥ جَمِيعُهَا، إلاَّ مَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ.

  22. "قُلْت: بَلْ" الأَخْلَصُ فِي الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: الصَّوْتُ "صِفَةٌ مَسْمُوعَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" .

    قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَإِنَّمَا بَدَأْنَا٦ بِالصَّوْتِ؛ لأَنَّهُ الْجِنْسُ الأَعْلَى لِلْكَلامِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلامِ عَلَيْهِ.

  23. "وَاللَّفْظُ" فِي اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، وَفِي الاصْطِلاحِ "صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى بَعْضِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ" لأَنَّ الصَّوْتَ لِخُرُوجِهِ مِنْ الْفَمِ صَارَ كَالْجَوْهَرِ الْمَرْمِيِّ مِنْهُ. فَهُوَ مَلْفُوظٌ. فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ٧: نَسْجُ الْيَمِينِ: أَيْ مَنْسُوجُهُ.

  24. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاللَّفْظُ الاصْطِلاحِيُّ: نَوْعٌ لِلصَّوْتِ، لأَنَّهُ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ. وَلِهَذَا أُخِذَ الصَّوْتُ فِي حَدِّ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي حَدِّ الشَّيْءِ جِنْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.

    vol. 1, p. 105
  25. "وَالْقَوْلُ" فِي اللُّغَةِ: مُجَرَّدُ النُّطْقِ، وَفِي الاصْطِلاحِ: "لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى ذِهْنِيٍّ" . لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ أَعَمَّ مِنْ الْقَوْلِ لِشُمُولِهِ الْمُهْمَلَ، وَالْمُسْتَعْمَلَ أُخْرِجَ١ الْمُهْمَلُ بِقَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى" .

  26. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى" عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ٢.

  27. أَحَدُهَا: مَا فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الذِّهْنِيُّ؛ وَهُوَ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ، سَوَاءً طَابَقَ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ لا، لِدَوَرَانِ الأَلْفَاظِ مَعَ الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا٣.

  28. وَهَذَا٤ الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الرَّازِيّ٥ وَأَتْبَاعُهُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا.

  29. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى١ الْخَارِجِيِّ، أَيْ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ. وَبِهِ قَطَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ٢.

    vol. 1, p. 106
  30. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ غَيْرِ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ٣ فِي الذِّهْنِ، أَوْ فِي الْخَارِجِ. وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ٤.

  31. وَمَحَلُّ الْخِلافُ فِي الاسْمِ النَّكِرَةِ٥.

  32. "وَالْوَضْعُ" نَوْعَانِ١.

    vol. 1, p. 107
  33. وَضْعٌ "خَاصٌّ: وَهُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلاً عَلَى الْمَعْنَى" الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَيْ جَعْلُ اللَّفْظِ مُتَهَيِّئًا لأَنْ يُفِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

  34. وَقَوْلُنَا "وَلَوْ مَجَازًا" لِيَشْمَلَ٢ الْمَنْقُولَ مِنْ شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ٣. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.

  35. "وَ" نَوْعٌ "عَامٌّ، وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. كَالْمَقَادِيرِ" أَيْ كَجَعْلِ الْمَقَادِيرِ دَالَّةً عَلَى مُقَدَّرَاتِهَا مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ٤ وَغَيْرِهَا٥.

  36. وَفِي كِلا النَّوْعَيْنِ الْوَضْعُ: أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاضِعِ.

  37. "وَالاسْتِعْمَالُ إطْلاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى" أَيْ إرَادَةُ مُسَمَّى اللَّفْظِ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ، أَوْ غَيْرِ مُسَمَّاهُ لِعَلاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَجَازُ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ٦.

  38. "وَالْحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ" أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُرَادِهِ. فَالْمُرَادُ: كَاعْتِقَادِ الْحَنْبَلِيِّ وَالْحَنَفِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِلَفْظِ الْقُرْءِ: الْحَيْضَ، وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ: الطُّهْرَ١. وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ٢.

    vol. 1, p. 108
  39. فَالْوَضْعُ سَابِقٌ، وَالْحَمْلُ لاحِقٌ، وَالاسْتِعْمَالُ مُتَوَسِّطٌ.

  40. "وَهِيَ" أَيْ اللُّغَةُ نَوْعَانِ٣: