خطبة الكتاب
248 paragraphs · vol. 1, p. 21
Page 1 of 7
- vol. 1, p. 21
...
-
بسم الله الرحمن الرحيم وَبِهِ نَسْتَعِينُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَعْطَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَطَاءً جَمًّا، الْقَدِيمِ الْحَكِيمِ، الَّذِي شَرَعَ الأَحْكَامَ، وَجَعَلَ لَهَا قَوَاعِدَ، وَهَدَى مَنْ شَاءَ لِحِفْظِهَا، وَفَتَحَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ مَا أَغْلَقَ مِنْ الأَدِلَّةِ، وَوَفَّقَهُ لِفَهْمِهَا. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْمُبَيِّنِ لأُمَّتِهِ طُرُقَ الاسْتِدْلالِ، الْمُقْتَدَى بِهِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ وَفِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نَقَلَةِ الشَّرْعِ، وَتَفْصِيلِ أَحْكَامِهِ مِنْ حَرَامٍ وَحَلالٍ.
-
أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ تَعْلِيقَةٌ عَلَى مَا اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ "التَّحْرِيرِ" فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ، وَالصِّدِّيقِ الثَّانِي: أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ١ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، تَصْنِيفِ الإِمَامِ الْعَلاَّمَةِ عَلاءِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِرْدَاوِيِّ الْحَنْبَلِيِّ٢، عَفَا اللَّهُ تَعَالَى
vol. 1, p. 22عَنِّي وَعَنْهُ آمِينَ. أَرْجُو أَنْ يَكُونَ حَجْمُهَا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَأَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَى إتْمَامِهَا. وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [وَسَمَّيْتهَا "بِالْمُخْتَبَرِ١ الْمُبْتَكَرِ، شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ" وَعَلَى اللَّهِ أَعْتَمِدُ، وَمِنْهُ الْمَعُونَةَ أَسْتَمِدُّ "٢.
-
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ابْتَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ كُتُبَهُمْ بِالْبَسْمَلَةِ تَبَرُّكًا بِهَا، وَتَأَسِّيًا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ ابْتَدَأَ بِهَا فِي كُتُبِهِ إلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَمَلاً بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَهُوَ أَبْتَرُ " ٣.
-
"الْحَمْدُ " الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمَحَامِدِ مُسْتَحَقٌّ " لِلَّهِ " جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَثَنَّوْا بِالْحَمْدِ: لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ٤ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، فَهُوَ
vol. 1, p. 23أَقْطَعُ " ١، وَمَعْنَى " أَقْطَعُ " نَاقِصُ الْبَرَكَةِ، أَوْ قَلِيلُهَا.
-
وَفِي ذِكْرِ الْحَمْدِ عَقِبَ الْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا.
- وَلَهُمْ فِي حَدِّ الْحَمْدِ لُغَةً عِبَارَتَانِ:
-
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ، عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ. وَالأُخْرَى: أَنَّهُ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ الاخْتِيَارِيِّ٢، عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ٣. سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ٤ أَوْ بِالْفَوَاضِلِ٥.
-
وَ"الشُّكْرُ" لُغَةً: فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ٦، يَعْنِي٧ بِسَبَبِ إنْعَامِهِ. وَيَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ.
- vol. 1, p. 24
فَالْقَلْبُ لِلْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَاللِّسَانُ لِلثَّنَاءِ؛ لأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَالْجَوَارِحُ لاسْتِعْمَالِهَا فِي طَاعَةِ الْمَشْكُورِ، وَكَفِّهَا عَنْ مَعَاصِيهِ١.
-
وَقِيلَ: إنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ٢.
-
ثُمَّ إنَّ مَعْنَى الْحَمْدِ فِي الاصْطِلاحِ هُوَ مَعْنَى الشُّكْرِ فِي اللُّغَةِ٣.
-
وَمَعْنَى الشُّكْرِ فِي الاصْطِلاحِ: هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ إلَى مَا خُلِقَ لأَجْلِهِ، مِنْ جَمِيعِ الْحَوَاسِّ وَالآلاتِ وَالْقُوَى٤.
-
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ٥، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقِ؛ "لأَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ" ٦، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةٍ الْمَوْرِد، الَّذِي هُوَ اللِّسَانُ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرِدِ، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقِ، وَهُوَ النِّعْمَةُ عَلَى الشَّاكِرِ٧.
-
َفِي قَرْنِ الْحَمْدِ بِالْجَلالَةِ الْكَرِيمَةِ - دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى- فَائِدَتَانِ:
vol. 1, p. 25الأُولَى: أَنَّ اسْمَ "اللَّهِ" عَلَمٌ١ لِلذَّاتِ٢، وَمُخْتَصٌّ بِهِ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
-
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ "مُتَّصِفٌ بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ" ٣
"كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ" تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ.
-
وَلَمَّا كَانَتْ صِحَّةُ الْوَصْفِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى إحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالْمَوْصُوفِ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ٤ صَحَّ قَوْلُنَا "فَالْعَبْدُ لا يُحْصِي ثَنَاءً عَلَى رَبِّهِ" لأَنَّ وَصْفَ الْوَاصِفِ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ إدْرَاكُهُ مِنْ الْمَوْصُوفِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تُدْرَكَ حَقَائِقُ صِفَاتِهِ كَمَا هِيَ، جَلَّ رَبُّنَا وَعَزَّ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ٥.
-
وَ "الصَّلاةُ" الَّتِي هِيَ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ، وَالثَّنَاءُ عَلَى نَبِيِّهِ عِنْدَ الْمَلائِكَةِ وَمِنْ الْمَلائِكَةِ الاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ، وَمِنْ الآدَمِيِّ وَالْجِنِّيِّ التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ،
"وَالسَّلامُ" الَّذِي هُوَ تَسْلِيمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، "وَأَمَرَنَا بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ٦
vol. 1, p. 26{صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ١ "عَلَى أَفْضَلِ خَلْقِهِ" بِلا تَرَدُّدٍ؛ لأَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ.
-
"فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ " ٢ وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَفِي الدُّنْيَا: كَوْنُهُ بُعِثَ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنْ الأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فُضِّلْت عَلَى مَنْ قَبْلِي بِسِتٍّ وَلا فَخْرَ " ٣ وَفِي الآخِرَةِ: اخْتِصَاصُهُ بِالشَّفَاعَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ تَحْتَ لِوَائِهِ، سَيِّدُنَا وَمَوْلانَا" ٤ وَخَاتَمُ رُسُلِهِ "مُحَمَّدٌ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
-
أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ أَنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ، لَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ، وَهُوَ عَلَمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمْدُ٥، مَنْقُولٌ مِنْ التَّحْمِيدِ، الَّذِي هُوَ فَوْقَ الْحَمْدِ.
- vol. 1, p. 27
"وَ" عَلَى "آلِهِ" وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ عَلَى دَيْنِهِ١، وَأَنَّهُ تَجُوزُ إضَافَتُهُ لِلضَّمِيرِ. وَالآلُ: اسْمُ٢ جَمْعٍ، لا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
-
"وَ" عَلَى "صَحْبِهِ" وَهُمْ الَّذِينَ لَقَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنِينَ، وَمَاتُوا مُؤْمِنِينَ٣.
-
وَعَطْفُ الصَّحْبِ عَلَى الآلِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الآلِ وَالصَّحْبِ مُخَالَفَةٌ لِلْمُبْتَدِعَةِ، لأَنَّهُمْ يُوَالُونَ الآلُ دُونَ الصَّحْبِ.
-
"أَمَّا" أَيْ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ "بَعْدُ" هُوَ مِنْ الظُّرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْ الإِضَافَةِ. أَيْ: بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلاةِ وَالسَّلامِ٤. وَالْعَامِلُ فِي "بَعْدُ"
- vol. 1, p. 28
"أَمَّا" لِنِيَابَتِهَا عَنْ الْفِعْلِ. وَالْمَشْهُورُ ضَمُّ دَالِ بَعْدُ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ١ نَصْبَهَا وَرَفْعَهَا بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا.
-
وَحِينَ تَضَمَّنَتْ "أَمَّا" مَعْنَى الابْتِدَاءِ٢ "لَزِمَهَا لُصُوقُ الاسْمِ وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى" ٣ الشَّرْطِ، لَزِمَتْهَا الْفَاءُ، فَلأَجْلِ٤ ذَلِكَ قُلْت:
"فَهَذَا" الْمَشْرُوحُ "مُخْتَصَرٌ" أَيْ كِتَابٌ مُخْتَصَرُ اللَّفْظِ، تَامُّ الْمَعْنَى "مُحْتَوٍ" أَيْ مُشْتَمِلٌ وَمُحِيطٌ "عَلَى مَسَائِلِ" الْكِتَابِ الْمُسَمَّى "تَحْرِيرَ الْمَنْقُولِ، وَتَهْذِيبَ عِلْمِ الأُصُولِ٥ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. جَمْعُ الشَّيْخِ الْعَلاَّمَةِ عَلاءِ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيِّ٦ الْحَنْبَلِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ" مُنْتَقَى "مِمَّا قَدَّمَهُ" مِنْ الأَقْوَالِ الَّتِي فِي الْمَسْأَلَةِ "أَوْ كَانَ" الْقَوْلُ "عَلَيْهِ الأَكْثَرُ مِنْ
vol. 1, p. 29أَصْحَابِنَا، دُونَ " ذِكْرِ بَقِيَّةِ " الأَقْوَالِ، خَالٍ " هَذَا الْمُخْتَصَرُ " مِنْ قَوْلٍ ثَانٍ " أَذْكُرُهُ فِيهِ " إلاَّ " مِنْ قَوْلٍ أَذْكُرُهُ١ " لِفَائِدَةٍ تَزِيدُ " أَيْ زَائِدَةٍ " عَلَى مَعْرِفَةِ الْخِلافِ " لا لِيُعْلَمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلافًا فَقَطْ.
-
"وَ " خَالٍ هَذَا الْمُخْتَصَرُ أَيْضًا " مِنْ عَزْوِ مَقَالٍ " أَيْ قَوْلٍ مَنْسُوبٍ " إلَى مَنْ " أَيْ شَخْصٍ " إيَّاهُ " أَيْ إيَّا الْمَقَالِ " قَالَ " أَيْ قَالَهُ.
-
"وَمَتَى قُلْت " فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ بَعْدَ ذِكْرِ٢ حُكْمِ مَسْأَلَةٍ أَوْ قَبْلَهُ هُوَ كَذَا٣ " فِي وَجْهٍ، فَالْمُقَدَّمُ " أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ " غَيْرُهُ " أَيْ غَيْرُ مَا قُلْت إنَّهُ كَذَا فِي وَجْهٍ " وَ " مَتَى قُلْت: هُوَ كَذَا، أوَلَيْسَ بِكَذَا " فِي "٤ قَوْلٍ " أَوْ عَلَى قَوْلٍ، فَإِذَا قَوِيَ الْخِلافُ " فِي الْمَسْأَلَةِ " أَوْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ، أَوْ " يَكُونُ ذَلِكَ " مَعَ٥ إطْلاقِ الْقَوْلَيْنِ، أَوْ الأَقْوَالِ، إذْ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى مُصَرِّحٍ بِالتَّصْحِيحِ" لأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَوْ الأَقْوَالِ.
-
وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِيَارِي عَلَى اخْتِصَارِ هَذَا الْكِتَابِ، دُونَ بَقِيَّةِ كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ، لأَنَّهُ جَامِعٌ لأَكْثَرِ أَحْكَامِهِ، حَاوٍ لِقَوَاعِدِهِ وَضَوَابِطِهِ وَأَقْسَامِهِ، قَدْ اجْتَهَدَ مُؤَلِّفُهُ فِي تَحْرِيرِ نُقُولِهِ، وَتَهْذِيبِ أُصُولِهِ.
- vol. 1, p. 30
ثُمَّ الْقَوَاعِدُ: جَمْعُ قَاعِدَةٍ، وَهِيَ "أَمْرٌ كُلِّيٌّ يَنْطَبِقُ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ تُفْهَمُ أَحْكَامُهَا مِنْهَا" . فَمِنْهَا: مَا لا يَخْتَصُّ بِبَابٍ. كَقَوْلِنَا "الْيَقِينُ لا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ" ١، وَمِنْهَا: مَا يَخْتَصُّ، كَقَوْلِنَا "كُلُّ كَفَّارَةٍ سَبَبُهَا مَعْصِيَةٌ، فَهِيَ عَلَى الْفَوْرِ" .
-
وَالْغَالِبُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِبَابٍ، وَقُصِدَ بِهِ نَظْمُ صُوَرٍ مُتَشَابِهَةٍ يُسَمَّى "ضَابِطًا" ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: مَا عَمَّ صُوَرًا. فَإِنْ كَانَ٢ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي بِهِ اشْتَرَكَتْ الصُّوَرُ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ "الْمُدْرَكُ" ، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ ضَبْطَ تِلْكَ الصُّوَرِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّبْطِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مَأْخَذِهَا، فَهُوَ "الضَّابِطُ" ، وَإِلاَّ فَهُوَ "الْقَاعِدَةُ" ٣.
-
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ قَوْلُهُمْ "الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ" . وَ "دَلِيلُ الْخِطَابِ حُجَّةٌ" ، "وَقِيَاسُ الشَّبَهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ" . "وَالْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ يُحْتَجُّ بِهِ" وَنَحْوُ ذَلِكَ
"وَ" أَنَا "أَرْجُو" مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "أَنْ يَكُونَ" هَذَا الْمُخْتَصَرُ "مُغْنِيًا لِحُفَّاظِهِ" عَنْ غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ هَذَا٤ الْفَنِّ "عَلَى" مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ "وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ" أَيْ تَقْلِيلِهَا.
- vol. 1, p. 31
وَإِيجَازُ اللَّفْظِ: اخْتِصَارُهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْنَى. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلامُ١ اخْتِصَارًا" ٢.
-
وَإِنَّمَا اخْتَصَرْته٣ لِمَعَانٍ. مِنْهَا: أَنْ لا يَحْصُلَ الْمَلَلُ بِإِطَالَتِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَسْهُلَ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُهُ مِنْ قِلَّةِ حَجْمِهِ.
-
"وَأَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنِي" وَيَعْصِمَ "مَنْ قَرَأَهُ مِنْ الزَّلَلِ" أَيْ مِنْ السَّقْطَةِ٤ فِي الْمَنْطِقِ وَالْخَطِيئَةِ٥ "وَأَنْ يُوَفِّقَنَا" أَيْ يُوَفِّقَنِي وَمَنْ قَرَأَهُ "وَالْمُسْلِمِينَ لِمَا يُرْضِيهِ" أَيْ يُرْضِي اللَّهَ عَنَّا٦ "مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ" إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
-
وَرَتَّبْته - كَأَصْلِهِ- عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَابًا، لا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ عَدَدِ الْفُصُولِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَالتَّنَابِيهِ وَالتَّذَانِيبِ.
- vol. 1, p. 32
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ، فَتَشْتَمِلُ عَلَى تَعْرِيفِ هَذَا الْعِلْمِ وَفَائِدَتِهِ، وَاسْتِمْدَادِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ وَلَوَاحِقَ، كَالدَّلِيلِ، وَالنَّظَرِ، وَالإِدْرَاكِ. وَالْعِلْمِ، وَالْعَقْلِ، وَالْحَدِّ، وَاللُّغَةِ وَمَسَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَأَحْكَامِ خِطَابِ الشَّرْعِ، وَخِطَابِ الْوَضْعِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
-
فَأَقُولُ وَمِنْ اللَّهِ أَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ:
"مُقَدِّمَةٌ"
-
الْمُقَدِّمَةُ فِي الأَصْلِ صِفَةٌ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهَا اسْمًا لِكُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّقْدِيمُ، كَمُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ وَالْكِتَابِ، وَمُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ وَالْقِيَاسِ؛ وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الَّتِي١ تُنْتِجُ ذَلِكَ مَعَ قَضِيَّةٍ أُخْرَى، نَحْوُ "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" ، وَ "كُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَ "الْعَالِمُ مُؤَلِّفٌ" وَ "كُلُّ مُؤَلِّفٍ مُحَدِّثٌ" ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
-
ثُمَّ إنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ هِيَ٢ اسْمٌ٣ لِمَا٤ تَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَلِمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَسَائِلُهُ كَمَعْرِفَةِ حُدُودِهِ وَغَايَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ. وَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ لِطَائِفَةٍ مِنْ كَلامِهِ تُقَدَّمُ أَمَامَ الْمَقْصُودِ، لارْتِبَاطٍ لَهُ بِهَا، وَانْتِفَاعٍ بِهَا فِيهِ. سَوَاءٌ تَوَقَّفَ عَلَيْهَا الْعِلْمُ أَوْ لا٥.