فصل في الدلالة

31 paragraphs · vol. 1, p. 125

  1. ...

    vol. 1, p. 125
  2. "فَصْلٌ" " الدَّلالَةُ" بِفَتْحِ الدَّالِ - عَلَى الأَفْصَحِ- مَصْدَرُ دَلَّ يَدُلُّ دَلالَةً.

  3. "وَهِيَ" أَيْ الدَّلالَةُ الْمُرَادَةُ هُنَا "مَا" يَعْنِي الَّتِي "يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ" أَيِّ شَيْءٍ كَانَ "فَهْمُ" شَيْءٍ "آخَرَ" يَعْنِي كَوْنَ الشَّيْءِ يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِهِ فَهْمُ شَيْءٍ آخَرَ. فَالشَّيْءُ الأَوَّلُ: هُوَ الدَّالُّ، وَالشَّيْءُ الثَّانِي: هُوَ الْمَدْلُولُ١.

  4. "وَهِيَ" أَيْ الدَّلالَةُ الْمُطْلَقَةُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ٢:
  5. الأَوَّلُ: مَا دَلالَتُهُ "وَضْعِيَّةٌ" كَدَلالَةِ الأَقْدَارِ عَلَى مَقْدُورَاتِهَا، وَمِنْهُ: دَلالَةُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، كَالدُّلُوكِ٣ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ، وَكَدَلالَةِ الْمَشْرُوطِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، كَالصَّلاةِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِلاَّ لَمَا صَحَّتْ.

  6. "وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: مَا دَلالَتُهُ "عَقْلِيَّةٌ" كَدَلالَةِ الأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ، وَمِنْهُ: دَلالَةُ الْعَالَمِ عَلَى مُوجِدِهِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

  7. "وَ" النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا دَلالَتُهُ "لَفْظِيَّةٌ" أَيْ مُسْتَنِدَةٌ١ إلَى وُجُودِ اللَّفْظِ. "وَ" هَذِهِ "اللَّفْظِيَّةُ" ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ:

    - "طَبِيعِيَّةٌ" : كَدَلالَةِ: أَحْ أَحْ.. عَلَى وَجَعِ الصَّدْرِ.

    vol. 1, p. 126
  8. - "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي "عَقْلِيَّةٌ" : كَدَلالَةِ الصَّوْتِ عَلَى حَيَاةِ صَاحِبِهِ.

  9. - "وَ" الْقِسْمُ الثَّالِثُ "وَضْعِيَّةٌ، وَهَذِهِ" الدَّلالَةُ الْوَضْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَقْسَامِ اللَّفْظِيَّةِ "كَوْنُ اللَّفْظِ إذَا أُطْلِقَ فُهِمَ" مِنْ إطْلاقِهِ "مَا وُضِعَ لَهُ" ٢.

  10. "وَهِيَ" أَيْ وَدَلالَةُ اللَّفْظِ الْوَضْعِيَّةُ "عَلَى مُسَمَّاهُ" أَيْ مُسَمَّى ذَلِكَ اللَّفْظِ "مُطَابَقَةٌ" أَيْ: دَلالَةُ مُطَابَقَةٍ، كَدَلالَةِ الإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ.

  11. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مُطَابَقَةً. لأَنَّ اللَّفْظَ مُوَافِقٌ لِتَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: "طَابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ" إذَا تَوَافَقَتَا. فَاللَّفْظُ. مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى، لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِإِزَائِهِ.

  12. "وَجُزْئِهِ٣" أَيْ٤ وَدَلالَةُ اللَّفْظِ الْوَضْعِيَّةُ عَلَى جُزْءِ مُسَمَّاهُ "تَضَمُّنٌ" أَيْ دَلالَةُ تَضَمُّنٍ، كَدَلالَةِ الإِنْسَانِ٥ عَلَى حَيَوَانٍ فَقَطْ٦، أَوْ عَلَى نَاطِقٍ فَقَطْ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِ الْمُسَمَّى.

  13. "وَلازِمِهِ" أَيْ وَدَلالَةِ١ اللَّفْظِ عَلَى لازِمِ مُسَمَّاهُ "الْخَارِجِ" كَدَلالَةِ الإِنْسَانِ٢ عَلَى كَوْنِهِ ضَاحِكًا، أَوْ قَابِلاً صَنْعَةَ الْكِتَابَةِ "الْتِزَامٌ" أَيْ دَلالَةُ الْتِزَامٍ٣.

    vol. 1, p. 127
  14. "وَهِيَ عَلَيْهِ٤" أَيْ وَدَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لازِمِ مُسَمَّاهُ الْخَارِجِ عَنْهُ دَلالَةٌ "عَقْلِيَّةٌ" ٥.

  15. وَكَوْنُ دَلالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ لَفْظِيَّتَيْنِ، وَدَلالَةِ الالْتِزَامِ عَقْلِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي٦ قَدَّمَهُ فِي "التَّحْرِيرِ" ، وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ٧ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ٨.

  16. وَقِيلَ: الثَّلاثُ لَفْظِيَّةٌ١. وَحَكَاهُ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" عَنْ الأَكْثَرِ، وَقِيلَ: الْمُطَابَقَةُ لَفْظِيَّةٌ، وَالتَّضَمُّنُ وَالالْتِزَامُ: عَقْلِيَّتَانِ٢.

    vol. 1, p. 128
  17. "وَالْمُطَابَقَةُ" أَيْ وَدَلالَةُ الْمُطَابَقَةِ "أَعَمُّ" مِنْ دَلالَةِ التَّضَمُّنِ وَالالْتِزَامِ، لِجَوَازِ كَوْنِ الْمُطَابَقَةِ بَسِيطَةً، لا تَضَمُّنَ فِيهَا، وَلا لَهَا٣ لازِمٌ٤ خَارِجِيٌّ.

  18. "وَ" قَدْ "يُوجَدُ مَعَهَا تَضَمُّنٌ بِلا الْتِزَامٍ" بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى مُرَكَّبٍ، وَلا يَكُونُ لَهُ لازِمٌ خَارِجِيٌّ، فَيُوجَدُ "مَعَ الْمُطَابَقَةِ دَلالَةُ تَضَمُّنٍ بِدُونِ دَلالَةِ الْتِزَامِ٥ " وَعَكْسُهُ " بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا " لِمَعْنًى بَسِيطٍ "٦ وَلَهُ٧ لازِمٌ خَارِجِيٌّ فَيُوجَدُ" ٨ مَعَ الْمُطَابَقَةِ دَلالَةُ الْتِزَامٍ بِدُونِ دَلالَةِ التَّضَمُّنِ٩.

  19. "وَالتَّضَمُّنُ" أَيْ وَدَلالَةُ التَّضَمُّنِ "أَخَصُّ" مِنْ دَلالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَدَلالَةِ الالْتِزَامِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: دَلالَةُ الالْتِزَامِ مُسَاوِيَةٌ لِدَلالَةِ الْمُطَابَقَةِ، وَهُمَا أَعَمُّ

    vol. 1, p. 129مِنْ التَّضَمُّنِ، لِجَوَازِ كَوْنِ الْمَدْلُولِ١ وَاللاَّزِمِ بَسِيطًا لا جُزْءَ لَهُ٢، انْتَهَى.

  20. وَإِذْ قَدْ٣ فَرَغْنَا مِنْ الْكَلامِ عَلَى دَلالَةِ اللَّفْظِ، فَلْنَشْرَعْ الآنَ٤ عَلَى الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ.

  21. "وَالدَّلالَةُ بِاللَّفْظِ: اسْتِعْمَالُهُ" أَيْ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَوْضُوعِهِ الأَوَّلِ. وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "فِي الْحَقِيقَةِ" أَوْ٥ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ الأَوَّلِ لِعَلاقَةٍ بَيْنَ الْغَيْرِ وَبَيْنَ مَوْضُوعِهِ الأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَالْمَجَازُ" ٦.

  22. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ "بِاللَّفْظِ" لِلاسْتِعَانَةِ وَالسَّبَبِيَّةِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ يَدُلُّنَا عَلَى

    vol. 1, p. 130مَا فِي نَفْسِهِ بِإِطْلاقِ لَفْظِهِ، فَإِطْلاقُ اللَّفْظِ١ "آلَةٌ" لِلدَّلالَةِ، كَالْقَلَمِ لِلْكِتَابَةِ.

  23. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالْفَرْقُ بَيْنَ دَلالَةِ اللَّفْظِ وَالدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ مِنْ وُجُوهٍ٢:

    أَوَّلُهَا: مِنْ جِهَةِ الْمَحَلِّ: فَإِنَّ مَحَلَّ دَلالَةِ اللَّفْظِ الْقَلْبُ، وَمَحَلَّ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ اللِّسَانُ.

  24. الثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ: فَدَلالَةُ اللَّفْظِ٣، صِفَةٌ لِلسَّامِعِ، وَالدَّلالَةُ بِاللَّفْظِ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ.

  25. الثَّالِثُ: مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ: فَالدَّلالَةُ بِاللَّفْظِ سَبَبٌ، وَدَلالَةُ اللَّفْظِ مُسَبَّبٌ عَنْهَا.

  26. الرَّابِعُ: مِنْ جِهَةِ الْوُجُودِ: فَكُلَّمَا وُجِدَتْ دَلالَةُ اللَّفْظِ وُجِدَتْ الدَّلالَةُ بِاللَّفْظِ، بِخِلافِ الْعَكْسِ.

  27. الْخَامِسُ: مِنْ جِهَةِ الأَنْوَاعِ: فَدَلالَةُ اللَّفْظِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُطَابَقَةٌ، وَتَضَمُّنٌ، وَالْتِزَامٌ. وَالدَّلالَةُ بِاللَّفْظِ نَوْعَانِ: حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ

    "وَالْمُلازَمَةُ" الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَلازِمِهِ الْخَارِجِ أَنْوَاعٌ:

    - "عَقْلِيَّةٌ" : كَالزَّوْجِيَّةِ اللاَّزِمَةِ لِلاثْنَيْنِ.

  28. - "وَشَرْعِيَّةٌ" : كَالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ اللاَّزِمَيْنِ لِلْمُكَلَّفِ.

  29. - وَعَادِيَةٌ كَالارْتِفَاعِ اللاَّزِمِ لِلسَّرِيرِ.

  30. "وَ" قَدْ "تَكُونُ" الْمُلازَمَةُ "قَطْعِيَّةً" كَالْوُجُودِ اللاَّزِمِ لِلْمَوْجُودِ "وَ" قَدْ تَكُونُ الْمُلازَمَةُ "ضَعِيفَةً١ جِدًّا" كَالْعَادَةِ اللاَّزِمَةِ لِزَيْدٍ، مِنْ كَوْنِهِ إذَا أَتَى لِمَحَلِّ كَذَا يَحْجُبُهُ عَمْرٌو٢.

    vol. 1, p. 131
  31. "وَ" قَدْ تَكُونُ الْمُلازَمَةُ "كُلِّيَّةً" كَالزَّوْجِيَّةِ اللاَّزِمَةِ لِكُلِّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ صَحِيحٌ "وَ" قَدْ تَكُونُ الْمُلازَمَةُ "جُزْئِيَّةً" كَمُلازَمَةِ الْمُؤَثِّرِ لِلأَثَرِ حَالَ حُدُوثِهِ.