فصل في اللغة
94 paragraphs · vol. 1, p. 97
Page 3 of 3
- vol. 1, p. 118
وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلامَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ إسْنَادٍ، وَهُوَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ وَاحِدٍ. فَإِنْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْنَادٌ بِالإِرَادَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ مُرَكَّبٍ، وَلَكِنْ حُذِفَ بَعْضُهُ لِدَلالَةِ الآخَرِ عَلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ كَلامٌ مِنْ مُتَكَلِّمَيْنِ، بَلْ كَلامَانِ مِنْ اثْنَيْنِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَهُوَ التَّحْقِيقُ١، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فَرْعًا مُتَرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: امْرَأَةُ فُلانٍ طَالِقٌ. فَقَالَ الزَّوْجُ: ثَلاثًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ تُشْبِهُ مَا لَوْ قَالَ: لِي٢ عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: صِحَاحٌ. وَفِيهَا وَجْهَانِ. قَالَ: وَهَذَا٣ أَصْلٌ فِي الْكَلامِ مِنْ اثْنَيْنِ، إنْ أَتَى الثَّانِي بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا: هَلْ يَكُونُ مُتَمِّمًا لِلأَوَّلِ، أَمْ لا؟ انْتَهَى.
-
"وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَكَاتِبٌ، فِي " زَيْدٌ كَاتِبٌ "، لَمْ يُفِدْ نِسْبَةً" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِلْجُمْلَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ضَرُورَةَ صِدْقِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ، وَعَلَى نَحْوِ "كَاتِبٌ" فِي قَوْلِه٤: "زَيْدٌ كَاتِبٌ" .
-
وَالْمُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ: الْمُرَكَّبُ مِنْ اسْمَيْنِ، أَوْ مِنْ اسْمٍ وَفِعْلٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ الثَّانِي قَيْدًا فِي الأَوَّلِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا لَفْظٌ مُفْرَدٌ، مِثْلُ "حَيَوَانٌ
vol. 1, p. 119نَاطِقٌ "، وَ " اَلَّذِي يَكْتُبُ ". فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الأَوَّلِ: " الإِنْسَانُ "، وَمَقَامَ الثَّانِي: " الْكَاتِبُ".
-
وَإِنَّمَا قُلْنَا١: الْحَدُّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الأَوَّلَ لَفْظٌ وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ٢، وَالثَّانِي: وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ أَنْ يُقَالَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِإِفَادَةِ النِّسْبَةِ: إفَادَةُ نِسْبَةٍ٣ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَهُمَا لَمْ يُوضَعَا لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ كَذَلِكَ٤. انْتَهَى.
-
وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٥، وَإِلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٦، وَانْتَهَى٧ الْكَلامُ عَلَى الأَوَّلِ. شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الثَّانِي، * فَقَالَ:
vol. 1, p. 121وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ١: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ٢" فَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ كَلِمَةً.
-
وَهُوَ مَجَازٌ، مُهْمَلٌ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ، فَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا ارْتَبَطَتْ أَجْزَاءُ الْكَلامِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، حَصَلَ لَهُ٣ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، فَشَابَهَ بِهِ٤ الْكَلِمَةَ٥. فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ كَلِمَةً.
-
"وَ" يُرَادُ بِهِ، أَيْ بِالْكَلامِ "الْكَلِمَةُ" عَكْسُ مَا قَبْلَهُ، فَيُقَالُ: تَكَلَّمَ بِكَلامٍ، وَمُرَادُهُمْ "بِكَلِمَةٍ" ٦ قَالَ سِيبَوَيْهِ٧ فِي قَوْلِهِمْ: "مَنْ أَنْتَ زَيْدٌ" ، مَعْنَاهُ: مَنْ أَنْتَ، كَلامُك زَيْدٌ.
- vol. 1, p. 122
"وَ" يُرَادُ بِالْكَلامِ أَيْضًا "الْكَلِمُ الَّذِي لَمْ يُفِدْ" ١، وَمِنْهُ حَدِيثُ "الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ" ٢: "أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ٣" .فَيَشْمَلُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ، وَالْكَلِمَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ.
-
وَالْحَالِفُ أَنْ لا يَتَكَلَّمَ، يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ.
-
"وَتَنَاوُلُ الْكَلامِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ الإِطْلاقِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، كَالإِنْسَانِ" أَيْ كَتَنَاوُلِ لَفْظِ الإِنْسَانِ "لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ" . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، وَالأَكْثَرِ٤.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ: مُسَمَّى الْكَلامِ هُوَ اللَّفْظُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَلَيْسَ جُزْأَهُ، بَلْ مَدْلُولَهُ، وَقَالَهُ النُّحَاةُ: لِتَعَلُّقِ صِنَاعَتِهِمْ بِاللَّفْظِ فَقَطْ٥.
- vol. 1, p. 123
وَعَكَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِلابٍ١ وَأَتْبَاعُهُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مُسَمَّى الْكَلامِ الْمَعْنَى فَقَطْ٢.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ كِلابٍ: الْكَلامُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَيُسَمَّى اللَّفْظُ كَلامًا٣ حَقِيقَةً، وَيُسَمَّى الْمَعْنَى كَلامًا حَقِيقَةً٤.
-
وَرُوِيَ عَنْ الأَشْعَرِيِّ٥ وَبَعْضِ الْكِلابِيَّةِ: أَنَّ الْكَلامَ حَقِيقَةٌ فِي لَفْظِ الآدَمِيِّينَ، لأَنَّ حُرُوفَ الآدَمِيِّينَ تَقُومُ بِهِمْ، مَجَازٌ٦ فِي كَلامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لأَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ عِنْدَهُمْ لا يَقُومُ بِهِ تَعَالَى٧.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، ٨ فَإِنْ كَانَ ٨ كَلامُهُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ. وَالنَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَدُلُّ
vol. 1, p. 124عَلَى الْمَعْنَى لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ مَخْلُوقًا، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ، فَيَكُونُ كَلامًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ، لأَنَّ الْكَلامَ إذَا خُلِقَ فِي مَحَلٍّ كَانَ كَلامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَيَكُونُ الْكَلامُ الْعَرَبِيُّ لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ كَلامُ غَيْرِهِ.
-
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ: أَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، لا كَلامُ غَيْرِهِ١. انْتَهَى.