باب المبين

85 paragraphs · vol. 4, p. 437

Page 1 of 3

  1. مِنْ لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ "يُقَابِلُ الْمُجْمَلَ" فَمَا تَقَدَّمَ لِلْمُجْمَلِ مِنْ تَعْرِيفَاتٍ فَخُذْ ضِدَّهَا فِي الْمُبَيَّنِ.

    vol. 4, p. 437
  2. فَإِنْ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ, فَقُلْ١: الْمُبَيَّنُ مَا نَصَّ عَلَى مَعْنًى مُعَيَّنٍ٢ مِنْ غَيْرِ إبْهَامٍ.

  3. وإنْ٣ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ مَا لا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِطْلاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ, فَقُلْ: الْمُبَيَّنُ مَا فُهِمَ مِنْهُ عِنْدَ الإِطْلاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ، مِنْ نَصٍّ أَوْ ظُهُورٍ بِالْوَضْعِ، أَوْ بَعْدَ الْبَيَانِ.

  4. "وَيَكُونُ" الْمُبَيَّنُ "فِي مُفْرَدٍ وَمُرَكَّبٍ" مِنْ الأَلْفَاظِ "وَ" فِي "فِعْلٍ سَبَقَ إجْمَالُهُ٤ أَوْ لا" يَعْنِي أَوْ لَمْ يَسْبِقْ إجْمَالٌ٥, فَإِنَّ الْبَيَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَكُونُ تَارَةً ابْتِدَاء, وَيَكُونُ تَارَةً بَعْدَ الإِجْمَالِ, وَقَدْ وَقَعَ هَذَا وَهَذَا, وَهُوَ وَاضِحُ الْقَصْدِ.

  5. قَالَ الْعَضُدُ٦ وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا لا يَسْبِقُ فِيهِ٧ إجْمَالٌ، كَمَنْ يَقُولُ

    vol. 4, p. 438ابْتِدَاءً: اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ١.

  6. "وَالْبَيَانُ" ٢ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَصْدَرِ بَيَّنَ "يُطْلَقُ عَلَى التَّبْيِينِ" الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ بَيَّنَ "وَهُوَ فِعْلُ الْمُبَيِّنِ" .

  7. "وَ" يُطْلَقُ أَيْضًا "عَلَى مَا حَصَلَ بِهِ التَّبْيِينُ, وَهُوَ الدَّلِيلُ.

  8. "وَ " يُطْلَقُ أَيْضًا " عَلَى مُتَعَلَّقِهِ " أَيْ مُتَعَلَّقِ التَّبْيِينِ " وَهُوَ الْمَدْلُولُ " أَيْ الْمُبَيَّنِ -بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ- وَعَلَى مَحِلِّهِ أَيْضًا.

  9. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: "فَ " الْبَيَانُ " بِنَظَرٍ٣ إلَى " الإِطْلاقِ " الأَوَّلِ " الَّذِي هُوَ التَّبْيِينُ " إظْهَارُ الْمَعْنَى " أَيْ مَعْنَى الْمُبَيَّنِ " لِلْمُخَاطَبِ" وَإِيضَاحُهُ وَمَعْنَاهُ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَالْوَاضِحِ لابْنِ عَقِيلٍ.

  10. وَقِيلَ: إخْرَاجُ الْمَعْنَى٤ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي, وَهُوَ لَلصَّيْرَفِيِّ.

  11. وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ١، وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالآمِدِيُّ٢ وَابْنُ الْحَاجِبِ٣، إلاَّ أَنَّهُمْ زَادُوا "وَ٤الْوُضُوحِ" تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا.

    قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذَا الْحَدُّ "غَيْرُ" ٥ تَامٍّ, لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ إلاَّ مَا كَانَ مُشْكِلاً, ثُمَّ أَظْهَرُوا مَا تَبْيِينُهُ ابْتِدَاءً مِنْ الْقَوْلِ، كَقَوْله تَعَالَى: {هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} ٦ فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُشْكِلاً٧.

    قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: رُبَّمَا وَرَدَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَيَانٌ لِمَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ.

    vol. 4, p. 439
  12. وَأَيْضًا فَفِي التَّعْبِيرِ بِالْحَيِّزِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الأَجْسَامِ، تَجَوُّزٌ فِي إطْلاقِهِ

    vol. 4, p. 440فِي١ الْمَعَانِي، وَنَحْوُهُ التَّجَلِّي.

  13. "وَ" الْبَيَانُ بِنَظَرٍ٢ "إلَى" إطْلاقِهِ عَلَى ثَانٍ، وَهُوَ مَا حَصَلَ بِهِ التَّبْيِينُ "الدَّلِيلُ" .

  14. قَالَهُ التَّمِيمِيُّ وَأَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ٣، لِصِحَّةِ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ لُغَةً وَعُرْفًا، مَعَ عَدَمِ مَا سَبَقَ. وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ٤.

  15. "وَ" الْبَيَانُ بِنَظَرٍ٥ "إلَى" إطْلاقِهِ عَلَى "ثَالِثٍ" وَهُوَ مُتَعَلَّقُ٦ التَّبْيِينِ "الْعِلْمُ" الْحَاصِلُ "عَنْ دَلِيلٍ" قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ٧ وَغَيْرُهُ.

    وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: الْبَيَانُ إظْهَارُ الْمُرَادِ بِالْكَلامِ الَّذِي لا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ إلاَّ بِهِ.

  16. قَالَ٨ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ جَمِيعِ الْحُدُودِ.

    قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْعَجَبُ أَنَّهُ أُورِدَ عَلَى الصَّيْرَفِيِّ الْمُبَيَّنُ ابْتِدَاءً, وَلا شَكَّ فِي وُرُودِهِ هُنَا، بَلْ أَوْلَى. لأَنَّهُ صَرَّحَ بِتَقَدُّمِ٩ كَلامٍ لَمْ يُفْهَمْ الْمُرَادُ مِنْهُ.

  17. وَأَيْضًا الْبَيَانُ قَدْ يَرِدْ عَلَى فِعْلٍ، وَلا يُسَمَّى مِثْلُ ذَلِكَ كَلامًا.

  18. "وَيَجِبُ" الْبَيَانُ "لِمَا أُرِيدَ فَهْمُهُ" مِنْ دَلائِلِ الأَحْكَامِ. يَعْنِي إذَا١ أُرِيدَ بِالْخِطَابِ إفْهَامُ الْمُخَاطَبِ بِهِ لِيَعْمَلَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يُبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يُرَادُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ, لأَنَّ الْفَهْمَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ, فَأَمَّا مَنْ لا يُرَادُ إفْهَامُهُ ذَلِكَ فَلا يَجِبُ الْبَيَانُ لَهُ بِالاتِّفَاقِ٢.

    vol. 4, p. 441
  19. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لا يَجِبُ الْبَيَانُ فِي الْخِطَابِ إذَا كَانَ خَبَرًا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ, وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي التَّكَالِيفِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا.

  20. "وَيَحْصُلُ" الْبَيَانُ "بِقَوْلٍ" بِلا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ٣, وَالْقَوْلُ: إمَّا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  21. فَالأَوَّلُ: نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ٤ فَإِنَّهُ مُبَيِّنٌ لِقَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ٥ إذَا٦ قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِالْبَقَرَةِ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

  22. وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ١ وَغَيْرُهُ٢ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ، وَالْعُيُونُ ٣ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا٤ الْعُشْرُ, وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ " وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ٥, وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ٦.

    vol. 4, p. 442
  23. وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا الْمِثَالِ: أَنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُ مُجْمَلَ الْكِتَابِ, وَهُوَ كَثِيرٌ, كَمَا فِي الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْبَيْعِ وَالرِّبَا، وَغَالِبِ الأَحْكَامِ الَّتِي٧ جَاءَ تَفْصِيلُهَا فِي السُّنَّةِ.

  24. "وَفِعْلٍ" يَعْنِي: أَنَّ الْبَيَانَ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ٨, وَالْمُرَادُ: فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ.

  25. دَلِيلُ الْمُعْظَمِ -كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ١ وَغَيْرُهُ -: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ الصَّلاةَ وَالْحَجَّ بِالْفِعْلِ, وَقَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" .

    vol. 4, p. 443
  26. رَوَى الأَوَّلَ الْبُخَارِيُّ٢ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ٣. وَرَوَى الثَّانِيَ مُسْلِمٌ٤ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.

  27. لا يُقَالُ: إنَّ الَّذِي وَقَعَ بِهِ٥ الْبَيَانُ قَوْلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ " صَلُّوا " وَ " خُذُوا " لأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا دَلَّ الْقَوْلُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ، لا أَنَّ٦ نَفْسَ الْقَوْلِ وَقَعَ بَيَانًا.

  28. وَأَيْضًا فَالْفِعْلُ مُشَاهَدٌ. وَالْمُشَاهَدَةُ أَدَلُّ٧، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالْبَيَانِ.

  29. وَفِي الْحَدِيثِ٨ "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ٩ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَابْنُ حِبَّانَ١٠ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ فِيهِ: "فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ

    vol. 4, p. 444عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ, فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ, فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ أَلْقَى الأَلْوَاحَ ".

  30. فَيَحْصُلَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ "وَلَوْ " كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ١ كُلُّهُ " كِتَابَةً أَوْ إشَارَةً "٢.

    قَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لا أَعْلَمُ خِلافًا فِي أَنَّ الْبَيَانَ يَقَعُ بِالإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ. اهـ.

  31. مِثَالُ الْكِتَابَةِ: الْكُتُبُ الَّتِي كُتِبَتْ، وَبُيِّنَ فِيهَا الزَّكَوَاتُ٣ وَالدِّيَاتُ٤ وَأُرْسِلَتْ مَعَ عُمَّالِهِ.

  32. وَمِثَالُ الإِشَارَةِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا " -وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشَرَةِ, وَقَبَضَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ٥- يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ.

  33. "وَ " وَالْبَيَانُ " الْفِعْلِيُّ أَقْوَى" مِنْ الْبَيَانِ الْقَوْلِيِّ, لأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْقَوْلِ, وَأَسْرَعُ إلَى الْفَهْمِ، وَأَثْبَتُ فِي الذِّهْنِ، وَأَعْوَنُ٦ عَلَى

    vol. 4, p. 445التَّصَوُّرِ١ وَقَدْ عَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلَهُ وَأَمَلَهُ بِالْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ٢.

  34. "وَ" َحْصُلُ الْبَيَانُ أَيْضًا "بِإِقْرَارٍ عَلَى فِعْلٍ" أَيْ إقْرَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى٣ فِعْلِ بَعْضِ أُمَّتِهِ, لأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ٤ كَغَيْرِهِ مِنْ الأَدِلَّةِ٥.

  35. "وَكُلُّ مُقَيَّدٍ مِنْ" جِهَةِ "الشَّرْعِ بَيَانٌ" ٦ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ، تَتَنَاوَلُ مَا سَبَقَ وَمَا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى, ذَكَرَ ذَلِكَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٧.

  36. وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:

    مِنْهَا: التَّرْكُ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلاً٨ قَدْ أُمِرَ بِهِ، أَوْ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِعْلُهُ

    vol. 4, p. 446فَيَكُونَ تَرْكُهُ لَهُ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ١, وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قَيْلَ٢ لَهُ {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} ٣ ثُمَّ إنَّهُ كَانَ يُبَايِعُ وَلا يُشْهِدُ، بِدَلِيلِ الْفَرَسِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الأَعْرَابِيِّ ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَيْعَ, فَعُلِمَ أَنَّ الإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ وَاجِبٍ.

  37. وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ تَرَكَهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ٤, فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، إذْ يَمْتَنِعُ تَرْكُهُ٥ الْوَاجِبِ.

  38. وَمِنْهَا: السُّكُوتُ بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ. فَيُعْلَمَ أَنَّهُ لا حُكْمَ لِلشَّرْعِ فِيهَا٦، كَمَا رُوِيَ أَنَّ٧ زَوْجَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ٨ جَاءَتْ بِابْنَتَيْهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ, وَقَدْ أَخَذَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا، وَلا يُنْكَحَانِ إلاَّ بِمَالٍ, فَقَالَ: "اذْهَبِي حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيك" .

  39. فَذَهَبَتْ ثُمَّ نَزَلَتْ٩ آيَةُ الْمِيرَاثِ {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} ١٠ فَبَعَثَ خَلْفَ

    vol. 4, p. 447الْمَرْأَةِ وَابْنَتَيْهَا وَعَمِّهِمَا فَقَضَى فِيهِمْ بِحُكْمِ١ الآيَةِ٢.

  40. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ، وَإِلاَّ لَمَا جَازَ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي.