باب الظاهر
46 paragraphs · vol. 4, p. 459
Page 1 of 2
- vol. 4, p. 459
"الظَّاهِرِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ خِلافُ الْبَاطِنِ١, وَهُوَ "الْوَاضِحُ" الْمُنْكَشِفُ.
-
وَمِنْهُ ظَهَرَ٢ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ٣, وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ الْمُرْتَفِعِ٤، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي.
-
"وَ" الظَّاهِرُ "اصْطِلاحًا" ٥ أَيْ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ٦ "مَا" أَيْ لَفْظٌ "دَلَّ دَلالَةً ظَنِّيَّةً وَضْعًا٧" كَأَسَدٍ "أَوْ عُرْفًا" كَغَائِطٍ٨.
- vol. 4, p. 460
فَالظَّاهِرُ الَّذِي يُفِيدُ مَعْنًى مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، فَبِسَبَبِ ضَعْفِهِ خَفِيَ, فَلِذَلِكَ سُمِّيَ اللَّفْظُ لِدَلالَتِهِ١ عَلَى مُقَابِلِهِ -وَهُوَ الْقَوِيُّ- ظَاهِرًا.
-
كَالأَسَدِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ مَجَازًا, لَكِنَّهُ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ٢.
-
وَالْكَلامُ فِي دَلالَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لِيَخْرُجَ الْمُجْمَلُ مَعَ الْمُبَيَّنِ؛ لأَنَّهُ -وَإِنْ أَفَادَ مَعْنًى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ- فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى مِثْلُهُ نَصًّا.
-
"وَالتَّأْوِيلُ لُغَةً: الرُّجُوعُ" وَهُوَ مِنْ آلَ يَئُولُ: إذَا رَجَعَ٣. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ٤ أَيْ طَلَبَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَوَّلْت الشَّيْءَ، أَيْ٥ فَسَّرْته، مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ٦؛ لأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى ذَلِكَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ فِي دَلالَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ} ٧ أَيْ مَا يَئُول إلَيْهِ بَعْثُهُمْ٨ وَنُشُورُهُمْ٩.
-
وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ "التَّأْوِيلُ" فِي الْمَعَانِي وَأَكْثَرُهُ فِي الْجُمَلِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ "التَّفْسِيرُ" فِي الأَلْفَاظِ، وَأَكْثَرُهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
-
"وَ" التَّأْوِيلُ "اصْطِلاحًا: حَمْلُ" مَعْنًى "ظَاهِرِ" اللَّفْظِ١٠ "عَلَى" مَعْنًى
vol. 4, p. 461"مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ" ١.
-
وَهَذَا يَشْمَلُ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ.
-
"وَزِدْ٢" فِي الْحَدِّ "لِصَحِيحِهِ٣" أَيْ إنْ أَرَدْت أَنْ تَحِدَّ٤ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ -قَوْلَك "بِدَلِيلٍ" أَيْ حَمْلَهُ بِدَلِيلٍ "يُصَيِّرُهُ" أَيْ يُصَيِّرُ الْحَمْلَ "رَاجِحًا" عَلَى مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ، فَيَصِيرُ٥ حَدُّ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ: حَمْلَ ظَاهِرٍ عَلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَصِيرُ رَاجِحًا.
-
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ بِلا دَلِيلٍ مُحَقَّقٍ، لِشَبَهٍ٦ يُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ أَنَّهَا دَلِيلٌ وَ٧عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَضْمَحِلُّ, يُسَمَّى٨ تَأْوِيلاً فَاسِدًا, وَأَنَّ حَمْلَ مَعْنَى اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ لا يُسَمَّى تَأْوِيلاً، وَكَذَا حَمْلُ "الْمُشْتَرَكِ" وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُتَسَاوِي٩ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ أَوْ مَحَامِلِهِ لِدَلِيلٍ.
- إذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
-
"فَإِنْ قَرُبَ" التَّأْوِيلُ "كَفَى١٠ أَدْنَى مُرَجِّحٍ" نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
vol. 4, p. 462{إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ} ١ أَيْ إذَا عَزَمْتُمْ عَلَى الْقِيَامِ.
-
"وَإِنْ بَعُدَ" التَّأْوِيلُ مِنْ الإِرَادَةِ؛ لِعَدَمِ قَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ حَالِيَّةٍ، أَوْ مَقَالِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ "افْتَقَرَ" فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَصَرْفِهِ عَنْ الظَّاهِرِ "إلَى أَقْوَى" مُرَجِّحٍ.
-
"وَإِنْ تَعَذَّرَ" الْحَمْلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ "رُدَّ" التَّأْوِيلُ وُجُوبًا.
-
"فَمِنْ" التَّأْوِيلِ "الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ " اخْتَرْ " وَفِي لَفْظٍ: " أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ " ٢ عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، أَوْ إمْسَاكِ الأَوَائِلِ" أَيْ ابْتِدَاءِ نِكَاحِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ مَعًا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ عَلَى إمْسَاكِ الأَرْبَعِ الأَوَائِلِ٣.
-
وَوَجْهُ٤ بُعْدِهِ أَنَّ٥ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِالإِسْلامِ لَمْ يُخَيِّرْهُ، وَقَدْ خَيَّرَهُ وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدَ السَّمَاعِ مِنْ الإِمْسَاكِ: الاسْتِدَامَةُ٦، وَالسُّؤَالُ وَقَعَ عَنْهُ وَخَصَّ التَّزْوِيجَ فِيهِنَّ, وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ شُرُوطَ النِّكَاحِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لِقُرْبِ إسْلامِهِ.
-
وَأَيْضًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَلا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ: أَنَّهُ جَدَّدَ النِّكَاحَ
vol. 4, p. 463وَأَيْضًا فَالابْتِدَاءُ مُحْتَاجٌ١ إلَى رِضَى مَنْ يَبْتَدِيهَا وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَارِقْ الْكُلَّ وَابْتُدِئَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شِئْت, فَيُضَيِّعُ قَوْلَهُ "اخْتَرْ أَرْبَعًا" ؛ لأَنَّهُ قَدْ لا يَرْضَيْنَ٢ أَوْ بَعْضُهُنَّ.
-
وَأَيْضًا الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ, وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الأَصْلِ.
-
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَوْ صَحَّ عِنْدِي لَقُلْت بِهِ.
-
"وَأَبْعَدُ مِنْهُ" أَيْ مِنْ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ تَأْوِيلُهُمْ "قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَنْ٣ أُخْتَيْنِ " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا ٤ شِئْت " عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ" ٥ يَعْنِي عَلَى ابْتِدَاءِ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ إمْسَاكِ الأُولَى مِنْهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ٦.
-
وَإِنَّمَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لأَنَّ النَّافِيَ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الأَوَّلِ: هُوَ الأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ اللَّفْظِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْحَالِ، وَهُنَا انْضَمَّ إلَى شَهَادَةِ الْحَالِ مَانِعٌ
vol. 4, p. 464لَفْظًا١وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ٢ نِكَاحِهِمَا عَلَى التَّرْتِيبِ تَعْيِينَ الأُولَى لِلاخْتِيَارِ وَ٣لَفْظُ "أَيَّتَهُمَا شِئْت" يَأْبَاهُ.
-
وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ لَعَلَّهُ٤ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَانَ٥ قَبْلَ حَصْرِ النِّسَاءِ فِي أَرْبَعٍ، وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا٦ سَبَقَ.
-
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا " إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" ٧ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ٨ "عَلَى إطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ" .
-
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: لَوْ رَدَّدَهَا الْمُخْرِجُ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَتْهُ.
قَالُوا: لأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَدَفْعُ حَاجَةِ سِتِّينَ كَحَاجَةِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا, فَجَعَلُوا الْمَعْدُومَ - وَهُوَ: طَعَامٌ "٩- مَذْكُورًا مَفْعُولاً بِهِ, وَالْمَذْكُورُ -وَهُوَ قَوْلُهُ " سِتِّينَ"- مَعْدُومًا لَمْ يَجْعَلُوهُ مَفْعُولاً بِهِ، مَعَ ظُهُورِ قَصْدِ الْعَدَدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وَتَضَافُرِهِمْ١٠ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ, وَهَذَا لا يُوجَدُ فِي الْوَاحِدِ.
- vol. 4, p. 465
وَأَيْضًا حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ، وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ شُرِعَتْ الْجَمَاعَةُ فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا.
-
وَأَيْضًا فَلا يَجُوزُ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يَعُودُ عَلَيْهِ١ بِالإِبْطَالِ.
-
"وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِنْ التَّأْوِيلِ "تَأْوِيلُهُمْ" مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد٢ وَالتِّرْمِذِيِّ٣ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي الْغَنَمِ: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ عَلَى قِيمَتِهَا" ٤ أَيْ قِيمَةِ شَاةٍ٥.
قَالُوا: لأَنَّ انْدِفَاعَ الْحَاجَةِ كَمَا يَكُونُ بِالشَّاةِ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ.
-
وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلانِ الأَصْلِ؛ لأَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَمْ تَجِبْ الشَّاةُ فَعَادَ هَذَا الاسْتِنْبَاطُ عَلَى النَّصِّ بِالإِبْطَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
-
وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْطِلُوا إخْرَاجَ الشَّاةِ بَلْ قَالُوا بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّاةِ وَقِيمَةِ الشَّاةِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ يَعُودُ بِالتَّعْمِيمِ، كَمَا فِي "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" ٦ يَعُمُّ٧ فِي الْخِرَقِ٨ وَنَحْوِهَا، وَفِي "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ
vol. 4, p. 466غَضْبَانُ " ١ يَعُمُّ٢ فِي كُلِّ مَا يُشَوِّشُ الْفِكْرَ وَلا يَعُودُ بِالإِبْطَالِ.
-
وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الشَّارِعَ لَعَلَّهُ رَاعَى أَنْ يَأْخُذَ الْفَقِيرُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ فَيَتَشَارَكَانِ٣ فِي الْجِنْسِ فَتَبْطُلُ الْقِيمَةُ فَعَادَ بِالْبُطْلانِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبَابُ الزَّكَاةِ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ التَّعَبُّدِ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ٤: وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ "قِيمَةَ٥ شَاةٍ " يَكُونُ قَوْلُهُمْ بِإِجْزَاءِ الشَّاةِ لَيْسَ بِالنَّصِّ: بَلْ بِالْقِيَاسِ فَيَتْرُكُ الْمَنْصُوصَ ظَاهِرًا وَيَخْرُجُ، ثُمَّ يَدْخُلُ بِالْقِيَاسِ، فَهَذَا٦ عَائِدٌ بِإِبْطَالِ النَّصِّ لا مَحَالَةَ. اهـ.
-
وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَبْعَدَ مِمَّا قَبْلَهُ: لأَنَّهُ٧ يَلْزَمُ أَنْ لا تَجِبُ الشَّاةُ٨ كَمَا تَقَدَّمَ, وَكُلُّ فَرْعٍ اُسْتُنْبِطَ مِنْ أَصْلٍ يَبْطُلُ بِبُطْلانِهِ.
-
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد٩ وَالتِّرْمِذِيُّ١٠ وَابْنُ مَاجَهْ١١
vol. 4, p. 467وَالدَّارَقُطْنِيّ١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ٢ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" وَفِي رِوَايَةٍ "بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ" . "عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ" ٣.
-
وَوَجْهُ بُعْدِ هَذَا التَّأْوِيلِ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَيْسَتْ بِامْرَأَةٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَقَدْ أُلْزِمُوا بِسُقُوطِ هَذَا التَّأْوِيلِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا كَانَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا لا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
-
فَلَمَّا أُلْزِمُوا بِذَلِكَ فَرُّوا إلَى حَمْلِهِ عَلَى الأَمَةِ فَأُلْزِمُوا بِبُطْلانِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤: "فَلَهَا الْمَهْرُ" وَمَهْرُ الأَمَةِ إنَّمَا هُوَ٥ لِسَيِّدِهَا٦.
-
فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَقِيلَ لَهُمْ: هُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ حَمْلَ صِيغَةِ الْعُمُومِ الصَّرِيحَةِ وَهِيَ "أَيْ" ٧ الْمُؤَكَّدَةُ بِمَا مَعَهَا فِي قَوْلِهِ "أَيُّمَا" عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ لا تَخْطُرُ بِبَالِ الْمُخَاطَبِينَ غَالِبًا فِي غَايَةِ الْبُعْدُ.
-
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ" رَوَاهُ أَبُو
vol. 4, p. 468دَاوُد١ وَالتِّرْمِذِيُّ٢، وَالنَّسَائِيُّ٣ وَابْنُ مَاجَهْ٤ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى خِلافٍ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ "عَلَى" صَوْمِ "الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ" ٥ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي صِحَّةِ الْفَرْضِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ٦.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَجَعَلُوهُ كَاللُّغْزِ فِي حَمْلِهِمْ الْعَامَّ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ فَإِنْ ثَبَتَ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْحُكْمِ٧ بِدَلِيلٍ -كَمَا قَالُوا - فَلْيُطْلَبْ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ عَنْ٨ هَذَا التَّأْوِيلِ٩ مِثْلُ نَفْيِ الْكَمَالِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ١٠
vol. 4, p. 469"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ١ وَابْنُ حِبَّانَ٢ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" عَلَى التَّشْبِيهِ٣ وَنَصَبُ٤ "ذَكَاةَ أُمِّهِ" عَلَى تَقْدِيرِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، فَنُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَهُوَ كَافُ التَّشْبِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَمْرُون٥: تَقْدِيرُهُمْ حَذْفُ الْكَافِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِك: زَيْدٌ٦ عَمْرًا، أَيْ كَعَمْرٍو وَأَيْضًا فَحَذْفُ حَرْفِ الْخَفْضِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّوَسُّعِ فِيهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ وَقْتَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَهَذَا دَلِيلُ الْجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَكُونُ وَقْتًا لِلأَوَّلِ إذَا أَغْنَى الْفِعْلُ الثَّانِي عَنْ الأَوَّلِ.
- vol. 4, p. 470
وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّقْدِيرَ مُوَافَقَتُهُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ, لَكِنَّ الْجُمْهُورَ وَهِمُوا رِوَايَةَ النَّصْبِ وَقَالُوا: الْمَحْفُوظُ الرَّفْعُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ١ وَغَيْرُهُ، إمَّا لأَنَّ "ذَكَاةَ" الأَوَّلَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ, وَ "ذَكَاةَ" الثَّانِيَ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، أَيْ ذَكَاةُ أُمِّ الْجَنِينِ ذَكَاةٌ لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلْجَنِينِ مَزِيَّةٌ, وَحَقِيقَةُ الْجَنِينِ مَا كَانَ فِي الْبَطْنِ.
-
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُذَكَّى كَذَكَاةِ أُمِّهِ، بَلْ إنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ كَافِيَةٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ٢ "ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ" .