فصل من شروط العلة

150 paragraphs · vol. 5, p. 51

Page 3 of 4

  1. "وَ" يَجُوزُ تَعْلِيلُ "حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ" وَاحِدَةٍ، بِمَعْنَى الأَمَارَةِ اتِّفَاقًا٤؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ إنْ فُسِّرَتْ بِالْمُعَرَّفِ٥، فَجَوَازُهُ٦ ظَاهِرٌ٧؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ عَقْلاً وَلا شَرْعًا نَصْبُ أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

    vol. 5, p. 76
  2. بَلْ قَالَ الآمِدِيُّ٨: لا نَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلافًا، كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: جَعَلْت طُلُوعَ الْهِلالِ أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ، أَوْ طُلُوعَ فَجْرِ رَمَضَانَ أَمَارَةً لِوُجُوبِ الإِمْسَاكِ وَصَلاةِ

    vol. 5, p. 77الصُّبْحِ. وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ١ فِي الإِثْبَاتِ أَوْ فِي النَّفْيِ.

  3. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إثْبَانًا وَنَفْيًا" ٢

    فَمِنْ الإِثْبَاتِ: السَّرِقَةُ؛ فَإِنَّهَا عِلَّةٌ فِي الْقَطْعِ لِمُنَاسَبَةِ زَجْرِ السَّارِقِ، حَتَّى لا يَعُودَ، وَفِي٣ غَرَامَةِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ لِصَاحِبِهِ لِمُنَاسَبَتِهِ٤ لِجَبْرِهِ٥.

  4. وَمِنْ الْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ: الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِمَنْعِ الصَّلاةِ وَالطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْمَنْعِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ.

  5. وَلا يُعَدُّ فِي مُنَاسَبَةٍ٦ وَصْفٌ وَاحِدٌ لِعَدَدٍ مِنْ الأَحْكَامِ.

  6. وَذَهَبَ جَمْعٌ يَسِيرٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَصْفُ اسْتَوْفَاهُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ٧.

  7. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الْمَقْصُودُ عَلَيْهِمَا، فَلا يَحْصُلُ جَمِيعُهَا إلاَّ بِهِمَا١، أَوْ٢ يَحْصُلُ لِلْحُكْمِ٣ الثَّانِي حِكْمَةٌ أُخْرَى فَتَتَعَدَّدُ٤ الْحِكْمَةُ، وَالْوَصْفُ ضَابِطٌ لأَحَدِهِمَا٥.

    vol. 5, p. 78
  8. وَيَدْخُلُ فِي إطْلاقِهِمْ جَوَازُ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ تَضَادٌّ، وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَالْجِسْمِ يَكُونُ عِلَّةً لِلسُّكُونِ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ فِي الْحَيِّزِ، وَعِلَّةً لِلْحَرَكَةِ بِشَرْطِ الانْتِقَالِ عَنْهُ.

  9. وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ الشَّرْطَانِ؛ لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ اقْتِضَاءُ٦ الْعِلَّةِ لَهُمَا بِدُونِ٧ ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ مُحَالٌّ.

  10. وَإِنَّمَا شُرِطَ التَّضَادُّ فِي الشَّرْطَيْنِ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْبَقَاءِ فِي الْحَيِّزِ مَعَ الانْتِقَالِ مَثَلاً، فَعِنْدَ حُصُولِ ذَيْنِك الشَّرْطَيْنِ إنْ حَصَلَ الْحُكْمَانِ - أَعْنِي السُّكُونَ وَالْحَرَكَةَ - لَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَإِنْ حَصَلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَرِ: لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا

    vol. 5, p. 79مُرَجِّحٍ، وَإِنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَرَجَتْ الْعِلَّةُ عَنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً، فَتَعَيَّنَ التَّضَادُّ فِي الشَّرْطَيْنِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.

  11. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُفَصَّلٌ، وَهُوَ الْجَوَازُ إنْ لَمْ يَتَضَادَّا، كَالْحَيْضِ لِتَحْرِيمِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْمَنْعُ إنْ تَضَادَّا، كَأَنْ يَكُونَ مُبْطِلاً لِبَعْضِ الْعُقُودِ مُصَحِّحًا لِبَعْضِهَا، كَالتَّأْبِيدِ يُصَحِّحُ الْبَيْعَ وَيُبْطِلُ الإِجَارَةَ ١.

  12. "وَ" مِنْ شُرُوطِ٢ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تَتَأَخَّرَ عِلَّةُ الأَصْلِ عَنْ حُكْمِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ٣ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يَكُونَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ٤.

  13. كَمَا لَوْ قِيلَ فِيمَنْ أَصَابَهُ عَرَقُ الْكَلْبِ: أَصَابَهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ، فَكَانَ نَجِسًا كَلُعَابِهِ، فَيَمْنَعُ السَّائِلُ كَوْنَ عَرَقِ الْكَلْبِ نَجِسًا.

  14. فَيَقُولُ١ الْمُسْتَدِلُّ: لأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ شَرْعًا، أَيْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ. فَكَانَ نَجِسًا كَبَوْلِهِ.

    vol. 5, p. 80
  15. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ؛ فَتَكُونُ فَاسِدَةً؛ لأَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ - وَهُوَ نَجَاسَتُهُ - يَجِبُ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً عَلَى اسْتِقْذَارِهِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِقْذَارِهِ إنَّمَا هُوَ مُرَتَّبٌ٢ عَلَى ثُبُوتِ نَجَاسَتِهِ. وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فَاسِدَةً لِتَأَخُّرِهَا عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ فَمَا٣ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ ٤مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ، عَلَى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْبَاعِثِ. وَقَدْ فَرَضْنَا تَأَخُّرَهَا عَنْ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ الْفَرْضَ٥: أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عُرِفَ قَبْلَ ثُبُوتِ عِلَّتِهِ٦ لَكِنْ إنَّمَا يَتَأَتَّى هَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ مَعْنَى الْمُعَرِّفِ: الَّذِي يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِهِ٧. أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعْرِيفُ: فَلا لِذَلِكَ٨.

  16. "وَ" مِنْ شُرُوطِ٩ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تَرْجِعَ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ "بِإِبْطَالٍ" حَتَّى لَوْ اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ

    vol. 5, p. 81نَصٍّ، وَكَانَتْ تُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَذَلِكَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ مَنْشَؤُهَا١، فَإِبْطَالُهَا لَهُ إبْطَالٌ لَهَا؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ، وَالْفَرْعُ لا يُبْطِلُ أَصْلَهُ؛ إذْ لَوْ أَبْطَلَ٢ أَصْلَهُ لأَبْطَلَ نَفْسَهُ٣.

  17. كَتَعْلِيلِ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ: بِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ مُجَوِّزٌ لإِخْرَاجِ قِيمَةِ الشَّاةِ، فَيَتَخَيَّرُ٤ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا.

  18. وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ تَجْوِيزِكُمْ الاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، اسْتِنْبَاطًا مِنْ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي الاسْتِنْجَاءِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ٥؟ فَإِنَّكُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا التَّوْسِيعَ٦ بِغَيْرِ٧ الأَحْجَارِ الْمَأْمُورِ بِهَا!!

  19. لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا٨ فَهِمْنَا إبْطَالَ تَعْيِينِهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

    vol. 5, p. 82وَسَلَّمَ، بَعْدَ مَا أَمَرَهُ بِالاسْتِنْجَاءِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ "وَلا يَسْتَنْجِي١ بِرَجِيعٍ وَلا عَظْمٍ٢" فَدَلَّ عَلَى٣ أَنَّهُ أَرَادَ أَوَّلاً٤: الأَحْجَارَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ فَائِدَةٌ.

  20. "وَفِي قَوْلٍ: وَلا بِتَخْصِيصٍ" يَعْنِي أَنَّهُ هَلْ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ: أَنْ لا تَعُودَ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ بِتَخْصِيصٍ، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟

  21. لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ٥.

  22. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَدِيثُ ٦النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ٧ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ - وَهُوَ٨

    vol. 5, p. 83مَعْنَى الرِّبَا - تَقْتَضِي١ تَخْصِيصَهُ بِالْمَأْكُولِ٢؛ لأَنَّهُ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِأَصْلِهِ. فَمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ عَادَتْ الْعِلَّةُ عَلَى٣ أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ.

  23. فَلِذَلِكَ جَرَى لِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، مَأْخَذُهُمَا ذَلِكَ٤.

  24. وَلأَصْحَابِنَا أَيْضًا٥ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ٦، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُطْلَقًا٧. وَأَمَّا عَوْدُ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِالتَّعْمِيمِ: فَإِنَّهُ جَائِزٌ٨ بِغَيْرِ خِلافٍ، كَمَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" ٩ أَنَّ الْعِلَّةَ: تَشْوِيشُ الْفِكْرِ، فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ

    vol. 5, p. 84مُشَوِّشٍ مِنْ شِدَّةِ فَرَحٍ وَنَحْوِهِ.

  25. "وَ" مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا يَكُونَ لِلْمُسْتَنْبَطَةِ١ مُعَارِضٌ فِي الأَصْلِ" ٢.

  26. يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَنْ لا تَكُونَ مُعَارَضَةً بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ فِي الأَصْلِ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ، وَلَيْسَ٣ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ؛ لأَنَّهُ٤ مَتَى كَانَ فِي الأَصْلِ وَصْفَانِ مُتَنَافِيَانِ٥ يَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقِيضَ الآخَرِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا عِلَّةً٦ إلاَّ بِمُرَجِّحٍ٧.

  27. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ٨ فِي٩ صَوْمِ الْفَرْضِ " صَوْمُ مُعَيَّنٍ " فَيَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ.

  28. فَيُقَالُ لَهُ: صَوْمُ فَرْضٍ، فَيُحْتَاطُ فِيهِ وَلا يُبْنَى عَلَى السُّهُولَةِ.

    vol. 5, p. 85
  29. "وَ" مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تُخَالِفَ نَصًّا وَلا إجْمَاعًا" ؛ لأَنَّ النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ لا يُقَاوِمُهُمَا الْقِيَاسُ، بَلْ يَكُونُ إذَا خَالَفَهُمَا بَاطِلاً١.

  30. مِثَالُ مُخَالَفَةِ النَّصِّ: أَنْ يَقُولَ حَنَفِيٌّ: امْرَأَةٌ مَالِكَةٌ لِبُضْعِهَا، فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، كَبَيْعِهَا سِلْعَتَهَا.

  31. فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا٢ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" ٣.

  32. وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ: أَنْ يَقُولَ مُسَافِرٌ فَلا تَجِبُ٤ عَلَيْهِ الصَّلاةُ فِي السَّفَرِ، قِيَاسًا عَلَى صَوْمِهِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي السَّفَرِ، بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ.

  33. فَيُقَالُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ مُخَالِفَةٌ لِلإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَشَقَّةِ فِي الصَّلاةِ، وَوُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَى الْمُسَافِرِ مَعَ وُجُودِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ١.

    vol. 5, p. 86
  34. وَمِثَالٌ آخَرُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الْمِلْكَ لا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَةِ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ يَصُومُ، وَهُوَ يَصْلُحُ مِثَالاً لَهُمَا. قَالَهُ الْعَضُدُ٢.

  35. "وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ لا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ" أَيْ حُكْمًا فِي الأَصْلِ غَيْرَ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ٣؛ لأَنَّهَا٤ إنَّمَا تُعْلَمُ مِمَّا أُثْبِتَ فِيهِ.

  36. مِثَالُهُ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ٥ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" فَتُعَلَّلُ الْحُرْمَةُ٦ بِأَنَّهُ٧ رِبًا فِيمَا يُوزَنُ كَالنَّقْدَيْنِ، فَيَلْزَمُ التَّقَابُضُ، مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.

    وَقَالَ الآمِدِيُّ٨: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ

    vol. 5, p. 87مُنَافِيَةً لِلنَّصِّ؛ لأَنَّهَا إذَا لَمْ تُنَافِ١ لَمْ٢ يَضُرَّ وُجُودُهَا.

    قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ٣.

  37. ٤ "وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا ٥" وَذَلِكَ؛ لأَنَّ دَلِيلَهَا لَوْ كَانَ غَيْرَ شَرْعِيٍّ لَلَزِمَ أَنْ لا يَكُونَ الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا.

  38. "وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ" يَعْنِي أَنْ٦ لا يَكُونَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ٧ شَامِلاً لِحُكْمِ الْفَرْعِ "بِعُمُومِهِ" كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ، فَيُقَالُ: الْعِلَّةُ دَلِيلُهَا حَدِيثُ "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ٨ "أَوْ بِخُصُوصِهِ٩" كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ

    vol. 5, p. 88فَلْيَتَوَضَّأْ" ١ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا، لَكِنْ يُذْكَرُ لِلتَّمْثِيلِ.

  39. فَلَوْ قِيلَ فِي الْقَيْءِ: خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَيَنْقُضُ كَالْخَارِجِ مِنْهُمَا. ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا يُنْقَضُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَصِحَّ؛ لأَنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ، بَلْ فِي الثَّانِي - مَعَ كَوْنِهِ تَطْوِيلاً - رُجُوعٌ عَنْ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ٢ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لا بِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ.

    قَالَ الْعَضُدُ: لَنَا٣ أَنَّهُ يُمْكِنُ٤ إثْبَاتُ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ، كَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الأَصْلِ بِهِ. فَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى إثْبَاتِ الأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بَيَانِ وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا: تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ. وَأَيْضًا ٥فَإِنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الْقِيَاسِ إلَى

    vol. 5, p. 89النَّصِّ١.

  40. "وَأَنْ تَتَعَيَّنَ" يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً لا مُبْهَمَةً٢، بِمَعْنَى شَائِعَةٍ، خِلافًا لِمَنْ اكْتَفَى بِذَلِكَ، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " اعْرِفْ الأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَقِسْ الأُمُورَ٣ بِرَأْيِك " ٤ فَيَكْفِي عِنْدَهُمْ كَوْنُ الشَّيْءِ مُشْبَهًا لِلشَّيْءِ شَبَهًا مَا.

    قَالَ الْهِنْدِيُّ: لَكِنْ أَطْبَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ وَالْمُجْتَهِدَ سَوَاءٌ فِي إثْبَاتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْحَوَادِثِ، إذْ مَا مِنْ عَامِّيٍّ إلاَّ وَعِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَصْلٌ مِنْ الأُصُولِ عَامٌّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.