فصل: قوادح العلة

496 paragraphs · vol. 5, p. 229

Page 2 of 13

  1. وَهُوَ "كَوْنُ الْجَامِعِ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ "ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ.

    vol. 5, p. 242
  2. فَيُعْتَرَضُ" عَلَى الشَّافِعِيِّ "بِكَرَاهَةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الْخُفِّ" .

    قَالَ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ جَعْلُهُ فِي مَحَلِّهِ عَلَى هَيْئَةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ أَوْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ لا تُنَاسِبُهُ كَانَ وَضْعُهُ عَلَى خِلافِ الْحِكْمَةِ فَاسِدًا.

  3. فَإِذَا اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى أَوْ خِلافَهُ: كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ، إذْ مِنْ شَأْنِ الْعِلَّةِ أَنْ تُنَاسِبَ مَعْلُولَهَا لا أَنَّهَا تُخَالِفُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدَ الْوَضْعِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ.

  4. وَمِنْ أَمْثِلَةِ١ ذِي النَّصِّ: قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ: الْهِرَّةُ سَبُعٌ ذُو نَابٍ، فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا كَالْكَلْبِ. فَيُقَالُ: السَّبُعِيَّةُ٢ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ عِلَّةً لِلطَّهَارَةِ، حَيْثُ دُعِيَ إلَى دَارٍ فِيهَا كَلْبٌ فَامْتَنَعَ. وَدُعِيَ إلَى أُخْرَى٣ فِيهَا سِنَّوْرٌ، فَأَجَابَ. فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "السِّنَّوْرُ سَبُعٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ٤.

    vol. 5, p. 243
  5. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذِي الإِجْمَاعِ: قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ: مَا فِي الْمَتْنِ ...

  6. ٥وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْهُ بِبَيَانِ٦ الْمَانِعِ لِتَعَرُّضِ٧ الْمَسْحِ لِتَلَفِ٨ الْخُفِّ.

  7. وَسُؤَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ نَقْضٌ خَاصٌّ لإِثْبَاتِهِ نَقِيضَ الْحُكْمِ فَإِنْ٩ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ نَقِيضَ الْحُكْمِ مَعَ أَصْلِهِ، فَقَالَ: لا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ كَالْخُفِّ فَهُوَ الْقَلْبُ. لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْلُهُمَا.

  8. "وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ "كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لاعْتِبَارِهِ" أَيْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا الدَّلِيلُ "فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ" .

    vol. 5, p. 244
  9. وَهُوَ نَوْعَانِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ.

  10. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِنَقِيضِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.

  11. فَالأَوَّلُ "كَتَلَقِّي تَخْفِيفٍ مِنْ تَغْلِيظٍ كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: الْقَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، فَجِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ١ "تُنَاسِبُ التَّغْلِيظَ" .

  12. "أَوْ٢" كَتَلَقِّي "تَوْسِيعٍ مِنْ تَضْيِيقٍ٣، كَ" قَوْلِ٤ الْمُسْتَدِلِّ "الزَّكَاةُ مَالٌ وَاجِبٌ إرْفَاقًا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَدَفْعُ الْحَاجَةِ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يَقْتَضِي الْفَوْرَ" .

  13. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ إثْبَاتٍ" أَيْ أَنْ يُتَلَقَّى إثْبَاتٌ "مِنْ نَفْيٍ، كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْمُعَاطَاةُ فِي الْيَسِيرِ بَيْعٌ٥ لَمْ

    vol. 5, p. 245يُوجَدْ فِيهِ سِوَى الرِّضَا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ كَغَيْرِهِ.

  14. "فَالرِّضَا" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يُنَاسِبُ الانْعِقَادَ" .

  15. وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ إثْبَاتُهُ. فَمَتَى خَلا عَنْ١ ذَلِكَ فَسَدَ وَضْعُهُ.

  16. "وَجَوَابُهُمَا" أَيْ جَوَابُ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ "بِتَقْرِيرِ٢ كَوْنِهِمَا كَذَلِكَ" أَيْ بِتَقْرِيرِ٣ كَوْنِ الدَّلِيلِ صَالِحًا لاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَكُونَ لِلدَّلِيلِ٤ جِهَتَانِ، يَنْظُرُ الْمُسْتَدِلُّ فِيهِ مِنْ إحْدَاهُمَا٥، وَالْمُعْتَرِضُ مِنْ الأُخْرَى، كَالارْتِفَاقِ وَدَفْعِ الْحَاجَةِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ.

  17. وَيُجَابُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ: بِأَنْ غُلِّظَ فِيهِ بِالْقِصَاصِ٦ فَلا يُغَلَّظُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ.

  18. وَيُجَابُ عَنْ الْمُعَاطَاةِ بِأَنَّ عَدَمَ الانْعِقَادِ بِهَا مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ الصِّيغَةِ، لا عَلَى الرِّضَى.

  19. الرَّابِعُ: مِنْ الْقَوَادِحِ: "مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ" ١.

    vol. 5, p. 246
  20. أَيْ مَنْعُ الْمُعْتَرِضِ حُكْمَ أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ. كَأَنْ يَقُولَ حَنْبَلِيٌّ: الْخَلُّ مَائِعٌ لا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ. فَيَقُولَ حَنَفِيٌّ: لا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الأَصْلِ، فَإِنَّ الدُّهْنَ عِنْدِي يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَهَلْ يُسْمَعُ مِنْهُ مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ أَمْ لا؟

  21. فَالْجُمْهُورُ قَالُوا "يُسْمَعُ" .

    وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: لا يُسْمَعُ أَصْلاً٢.

  22. "وَ٣" عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ "لا ي٤َنْقَطِعُ" الْمُسْتَدِلُّ "بِمُجَرَّدِهِ"

  23. أَيْ بِمُجَرَّدِ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ؛ لأَنَّهُ مَنْعُ١ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ. "فَيَدُلُّ عَلَيْهِ" يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلٍ يَقِيسُ٢ عَلَيْهِ "كَمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا" يَعْنِي كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ٣ لا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ.

    vol. 5, p. 247
  24. وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ.

  25. وَقِيلَ: لا يَنْقَطِعُ، إلاَّ إذَا كَانَ الْمَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.

  26. "فَـ" عَلَى الأَوَّلِ "إنْ دَلَّ" الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ "لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ" عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ "فَلَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ "الاعْتِرَاضُ" عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ بِطَرِيقِهِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ٤ صِحَّتُهُ.

  27. "وَلَيْسَ" اعْتِرَاضُهُ٥ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "بِخَارِجٍ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَيَتَوَجَّهُ لَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ٦ "سَبْعُ مَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ٧"

  28. ثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ، وَثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ، وَوَاحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ.

    vol. 5, p. 248
  29. فَيُقَالُ فِي الإِثْبَاتِ بِمَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ: لا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأَصْلِ.

  30. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِمَّا يُقَاسُ فِيهِ. لِمَ لا يَكُونُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهِ؟

  31. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ؟.

  32. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّتُهُ١؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُهُ؟

  33. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الأَصْلِ.

  34. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ٢ هَذَا الْوَصْفَ مُتَعَدٍّ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ قَاصِرٌ؟.

  35. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي٣ الْفَرْعِ.

  36. وَظَاهِرُ إيرَادِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وُجُوبُهُ، لِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ٤ الطَّبِيعِيِّ. فَيُقَدَّمُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ مِنْ مَنْعِ حُكْمِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مِمَّا لا يُقَاسُ عَلَيْهِ، أَوْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، ثُمَّ مَا

    vol. 5, p. 249يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ، لاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً، أَوْ مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الأَصْلِ، أَوْ مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ لابْتِنَائِهِ عَلَيْهِمَا١. كَمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ٢ فِي الْفَرْعِ.

  37. وَجَوَابُ هَذِهِ الاعْتِرَاضَاتِ بِدَفْعِ مَا يُرَادُ دَفْعُهُ مِنْهَا بِطَرِيقِهِ الْمَفْهُومَةِ٣.

  38. "وَإِنْ اعْتَرَضَ" الْمُعْتَرِضُ "عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِ" قَوْلِهِ "إنِّي لا أَعْرِفُ مَذْهَبِي فِيهِ" أَيْ فِي الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ" بَيَّنَهُ "وَإِلاَّ ٤" أَيْ٥ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَيَانُهُ "دَلَّ" أَيْ أَقَامَ الدَّلِيلَ "عَلَى إثْبَاتِهِ" قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ.

  39. "وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ" أَيْ دُونَ الْمُعْتَرِضِ "كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ فَإِنْ اعْتَرَضَ" بِأَنْ٧ مَنَعَهُ خَصْمُهُ "دَلَّ عَلَيْهِ" الْمُسْتَدِلُّ "وَلَمْ يَنْقَطِعْ" بِذَلِكَ.

  40. "وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ" أَيْ يُلْزِمَ الْمُسْتَدِلَّ "مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ" أَيْ الْمُعْتَرِضُ "وَلا أَنْ يَقُولَ" الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ "إنْ سَلَّمْت" مَا أَعْتَقِدُهُ "وَإِلاَّ دَلَّلْت عَلَيْهِ" .

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ، كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ. فَإِنْ مَنَعَهُ خَصْمُهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ١ خِلافًا لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، إنْ كَانَ الأَصْلُ خَفِيًّا٢.

    vol. 5, p. 250