مقدمة هداية الراغب
104 paragraphs · vol. 2, p. 4
Page 1 of 3
- vol. 2, p. 4
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين) … (١) في محله لإجابة إليه.
-
ومن ذلك تقديمها على الحمدلة؛ لأنَّ الأولى تدلُّ على الفعلِ، والثانيةَ تدلُّ على الوصفِ، وما دلَّ على فعلٍ مقدَّمٌ على ما دلَّ على الوصف.
وقال بعضُهم: قُدِّمت البسملةُ؛ لأنَّها جزءُ كلمةٍ لتعلُّقها بالمحذوفِ، والثانيةُ جملةٌ كاملة، والجزءُ مقدَّمٌ على الكلِّ، ولأنَّها موافقةٌ للكتابِ العزيزِ، وغير ذلك.
"بسم الله" محله نصب بـ … (١) إذًا يكون عامله هو مبتدأ، أو هو فعل.
- نظم .... (١) :
-
وإن يكن مع عامل هو الخبر … فالرفع في موضع هذين استقر
كأن يكن الجار والمجرور … واختار قوم نصبه لا غير
وإن يكن مخبر به جاز به … رفع ونصب يا به (٢)
وقال .... (١) بدل البيت الأخير:
والخلف في الرفع .... (١) أن … يخبر بعامل له أمر زكن
وهذا أحسنُ مما قبلَه؛ لاقتضاءِ ما قبله جوازَ الرفعِ والنصبِ، فهذا تصريحٌ بالخلافِ فيه. أما ...... (٣) مقام عامله ....... (٤) الكوفيين.
- vol. 2, p. 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الحمدُ للهِ الذي شرحَ صُدُورَنا للإسلامِ،
قولُه: (الحمدُ لله الذي … إلخ) "الذي" اسمٌ موصولٌ، صفةٌ "الله" ، أو بدلٌ منه، و (شَرَحَ) صلتُه، و (صدورَنا) مفعولُه، و (للإسلام) متعلقٌ بـ "شرحَ" ، وإنَّما جَعلَ اسمَ الموصول نعتًا؛ لأجلِ التوصُّلِ به إلى جَعل جملةِ الحمدلةِ وما عُطِف عليها نعتًا؛ إذْ بدونِه تكونُ الجملتانِ حالًا لا نعتًا؛ لأنَّ الجُمَلَ بعد المعارفِ المحضةِ أحوالٌ، و [لفظ] الجلالة أعرفُ المعارفِ.
-
فإنْ قلتَ: الحالُ وصفٌ في المعنى، فالتوصيفُ مُتأَتٍّ بدونِ الموصولِ أيضًا؟ فالجوابُ: أنَّ القصدَ التوصيفُ التصريحيُّ اللفظيُّ لا المعنويُّ، وفَرْقٌ بينهما.
-
فإنْ قلتَ: يَلْزمُ على جَعْلِ الموصولِ نعتًا محذورٌ، وهو أنَّ الموصولَ يؤوَّلُ مع صلتِه في قوَّة المشتقِّ، والتقديرُ: الحمدُ للهِ المتَّصفِ بكونِه شَرَحَ صدورَنا، والقاعدةُ الأصوليَّةُ أنَّ تعلُّقَ الحُكمِ على مشتقٍّ يُؤْذِنُ بعِليَّةِ مبدأ الاشتقاقِ (١) ، مثاله: أكْرِمْ زيدًا العالِمَ. فيه تعليقُ الحكمِ، وهو الإكرامُ المطلوبُ على العِلْم الذي هو مبدأ الاشتقاقِ، وما هنا من هذا القبيلِ، إذِ المعنى: الحمدُ ثابتٌ للهِ المتَّصفِ بشَرْحِ الصدورِ، أي: لأَجْلِ اتِّصافه بذلكَ، فيُشعر بأنَّ ثبوتَ الحمدِ لأَجْلِ هذا الوصفِ، مع أنه يستحقُّه لِذاتِه كما يستحقُّه لصفاتِه؟
قلتُ: قد أجاب ابنُ قاسمٍ (٢) في "الآياتِ البيِّناتِ" عن نظيرِ هذا الإشكالِ؛ بأنَّ الجملةَ إنشائيَّةٌ، والمعنى هنا: إثباتُ الحمدِ للهِ؛ لأَجْلِ كونِه متعلِّقًا بما ذُكر، فهو علَّةُ إنشاءِ المؤلَّفِ، وليست الجملةُ خبريةً لفظًا ومعنًى حتى يتأتَّى المحذورُ، كذا أفاد بعضُ مشايخنا.
-
والشرحُ هنا مجازٌ لغويٌّ علاقتُه المشابهةُ؛ لأنَّه مِن صفاتِ الأجسامِ بمعنى: فَتَحَ، فشبَّه (٣)
- vol. 2, p. 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الفتحَ بالشرحِ؛ بجامعِ مطلَق التوسيعِ، وطَوى ذِكْرَ المشبَّه، واستعارَ اسمَ المشبَّه به له على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّة، واشتقَّ من الشَّرْحِ: شَرَحَ بمعنى: فَتَح، فهي استعارةٌ تصريحيَّة تَبَعيَّةٌ، وأراد بالصدورِ القلوبَ؛ إذِ الصدورُ جَمْعُ صَدْرٍ، وهو ما حَوالي القلب، سُمِّيَ القلبُ هنا مجازًا، فإطلاقُ الصدور على القلوبِ مجازٌ مرسَلٌ؛ مِن تسميةِ الشيءِ باسمِ محلِّه أو مجاورِه، والمرادُ بالقلوبِ المعنى القائمُ لا المُضْغةُ، وقيل: هي حقيقة، كما جاءَ في الحديث: "أَلا وهيَ القلبُ" (١) . والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ قلوبَ المؤمنين بتسهيلِ الإيمانِ وتهييئها لهُ.
-
اعلم أنَّ القلبَ سرٌّ لطيفٌ أودَعه اللهُ تعالى للإنسانِ في صدرِه مِن الجانبِ الأيسرِ، والقطعةُ اللحمُ التي هناك بمثابةِ المَرْكَب له، وكلُّ أعضاءِ الجسدِ عَسْكرُه وهو المَلِكُ، وله وجهتانِ؛ وجهةٌ يَنظر بها إلى نفسِه وعساكرِه، ووجهةٌ يَنظر بها إلى ربِّه، فالأوَّلُ هو المنطبعُ في مرآتِها صورُ الأكوانِ، ومرآةُ القلبِ العقلُ، وما دامَ العقلُ يُجِنُّهُ غطاءُ الكونِ، فالقلبُ أسيرُه ومعتقلٌ به، حتى إذا أُزيل عنه الغطاءُ، زال العقلُ المقيَّدُ، وظهرت الآثارُ، وأشرقتِ الأنوارُ، فينظر بنورِه المودَع في سويدائِه، وهو البصيرةُ، وجاء الحقُّ وزَهَق الباطل، قاله بعضُ شرَّاحِ "الحِكَم" لابنِ عطاءِ اللهِ السَّكَنْدَريِّ (٢) . قالَ ﷺ لمَّا سُئل عن قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] : "إذا أنزل اللهُ النورَ في القلبِ فتَحه ووسَّعه، وعلامتُه العملُ لدارِ الخلودِ، والتجافي عن دارِ الغُرور، والاستعدادُ للموتِ قبل
vol. 2, p. 7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
نزولِه " (١) ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وهذه المشيئةُ الكونيَّةُ لا تتخلَّف أصلًا، وينبني عليها: مَنْ قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. أو قال سيِّدٌ لعبدِه: عبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ. وقعا، الطلاقُ والعِتقُ؛ إذ لو لم يَشأِ اللهُ ذلك، لَما أتَى بصيغتِهما، فإنَّه ما شاء الله كان، وما لم يَشأُ لم يكن، بخلاف المشيئةِ الدينيَّة التي بمعنى المحبةِ والرضى والأمْرِ، فإنَّها قد تتخلَّف، وهي المذكورةُ في نحوِ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
-
ثمَّ إنَّه آثَرَ الحمدَ المقيَّد على المطلَقِ؛ لأنَّ له مزيةً؛ لأنَّه إذا وقَع لا يقع إلا واجبًا، بخلاف المطلَقِ لا يَقع إلَّا مندوبًا، وجرى على خصوصِ التقييد؛ ليفيدَ براعةَ الاستهلالِ بالنسبة للشرحِ والفن، إذ قولُه: "شرح " يفيدُ الأوَّل، وقوله: " ومَنَّ علينا بمعرفة … إلخ " يفيدُ الثانيَ، وقوله: " شَرَحَ " هيَّأَ، وقوله: " صدورَنا" الضميرُ لمعشرِ العُلماءِ الراسخينَ، أي: قلوبَ العُلماء الثابتينَ، مِن: رَسَخَ في كَذَا، إذا ثبتَ فيه، ولا يَخفى ما فيهِ مِن المناسبةِ للمقام؛ وذلك أنَّ الإنسانَ على قسمين، عالمٍ وغيرِه، والأوَّلُ راسخٌ وغيرُه، والمناسبُ لهذا الشرحِ الراسخ هذا.
- vol. 2, p. 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
والإسلامُ معناهُ لغةً: الطاعةُ والانقيادُ.
-
وشرعًا: الانقيادُ لأَوامرِ اللهِ تعالى ونواهيهِ، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا بقَبولِ الأحكامِ والإذعانِ.
-
وأركانُه خمسةٌ بنصِّ الرسولِ عليه الصلاة والسلام ، فأوَّلها الشَّهادتانِ، وشرطُهما مع النُّطقِ بهما المحبةُ للهِ ولرسولِه عليه الصلاة والسلام ، فلو نطَق بهما ولا محبةَ، لم يُفِدْه النطقُ بهما شيئًا غيرَ عِصْمةِ الدمِ والمالِ؛ لظاهرِ الحديثِ المذكورِ في "الأربعين" (١) : "أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقولوا: أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ … " إلخ.
-
وأمَّا بقيَّةُ الأركانِ فهي كما في الحديث: "إقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصَومِ رمضانَ، وحَجِّ البيتِ على مَنِ استطاعَ إليه سبيلًا" (٢) .
-
وشروطه ستَّةٌ: العقلُ، والبلوغُ، ودعوةُ النبيِّ ﷺ (٣) .
-
الثالث: الإيمانُ باللهِ وَحْدَه وبملائكتِه وكتبِه ورسلِه.
-
الرابعُ: الإيمانُ بالقَدَر خيرِه وشرِّه، واليومِ الآخِر.
-
الخامس: سلامةُ كلِّ مسلم من يدِه ولسانِه في دمٍ أو عِرْضٍ أو مالٍ مع النصيحةِ له.
-
السادس: التصديقُ في القولِ والعملِ والاتِّباعُ والمحبةُ، فلو حصل منه شكٌّ في وجوبِ الإسلامِ، أو في شيءٍ من الأركانِ، أو حلَّل محرَّمًا، أو حرَّم حلالًا مجمَعًا عليه، عامدًا عالمًا، كفرَ.
- vol. 2, p. 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
والإيمانُ لغةً: مُطلَق التصديقِ.
-
وشرعًا: تصديقُ القلبِ (١) ، أي: إقبالُه وإذعانُه لِما عُلِم بالضرورةِ أنَّه من دينِ محمَّد ﷺ ، المعبِّر عنه بعضُهم بقولِه: عَقْدٌ بالجَنانِ، ونُطقٌ باللسانِ، وعملٌ بالأركانِ (٢) .
-
وأركانُه وشروطُه مبسوطةٌ في المطوَّلات، وعليه: لا فَرْقَ بينهما، وعليه دَرَجَ أصحابُ الإمامِ ابنِ حنبلٍ.
-
"تنبيه" : الفرقُ بينَ الإيمانِ والإسلامِ، وهل الإسلامُ وصفٌ لهذِه الأمَّة خاصةً، أَوْ لا؟ وهل الإيمانُ يَزيدُ وَينقصُ؟
-
حاصلُ ما في الفرق -كما يُؤخَذ مِن "شرحِ العقائدِ" (٣) وحواشيها- أنَّ الإيمانَ والإسلامَ متباينان لغةً، متلازما المفهومِ، متَّحدا الماصَدَق (٤) شرعًا، فإنَّه يَلزم مِن الانقيادِ الظاهريِّ شرعًا التصديقُ الباطنيُّ؛ لتوقُّف صحَّة الأعمالِ الشرعيَّة على التصديقِ؛ لأنَّه جَعل شرطًا لها النطقَ بالشهادتينِ مِنَ القادرِ المتمكِّن، فالإسلامُ موضوعٌ للانقيادِ الظاهريِّ، مشروطًا فيه القولُ عندَ الإمكانِ.
-
واختُلف هل الإسلامُ وصفٌ خاصٌّ بهذِه الأمَّة، أو وصفٌ مشتركٌ بين هذِه الأمَّة وغيرِها، مِن غيرِ فرقٍ بينَهما؟
- vol. 2, p. 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
رجَّح السيوطيُّ (١) ومَن تبعَه الأوَّلَ (٢) ، وأفتى الرمليُّ (٣) بالثاني، وهو المعتمدُ؛ لظاهر الآياتِ الدَّالَّة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم قومُ لوط ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] وغيرِها مِن الآياتِ.
-
وأما الإيمانُ هل هو مخلوقٌ (٤) ؟