مقدمة عمدة الطالب

360 paragraphs · vol. 2, p. 23

Page 1 of 9

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    " رحمه الله " جملةٌ معترضةٌ بين القولِ والمقولِ، لا محلَّ لها مِن الإعراب، قصدَ بها الدعاءَ للمصنِّف؛ لما يستحقُّه عليه مِن أَجْلِ أنَّه وضَّح السبيلَ بالدواوين التي دوَّنها مِن العلومِ، وهي خبريَّة لفظًا، إنشائية معنًى، إلا أنَّ المعنى واضحٌ على أنَّ الرحمةَ صفةُ فِعْل بمعنى الإنعام، وإمَّا على أنَّها صفةُ ذاتٍ بمعنى إرادةِ الإنعام، فالدعاءُ باعتبار تعلُّقها التَّنْجيزيِّ الحادِث؛ لأنَّ لها تعلقاتٍ ثلاثةً: تنجيزيَّان قديمٌ وحادِثٌ، وصَلوحيٌّ قديمٌ، على ما هو مقرَّرٌ مشهورٌ، ثم ما ذكرَ مِن أنَّها بمعنى الإنعام أو إرادتِه، ليس على طريقِ الحقيقةِ، بل مجازٌ مرسَلٌ مِن استعمالِ اسمِ الملزومِ في اللازمِ، وذلك لأنَّ معناها الحقيقيَّ رِقَّةٌ في القلبِ وانعطافٌ، وهي مستحيلةٌ على اللهِ تعالى (١) ، كما يأتي التنبيهُ عليه، فيُراد منها لازمُها القريبُ، وهو إرادتُه، تأمَّل.

    vol. 2, p. 23
  2. (بسم الله .. إلخ) فإنْ قيل: جَزْمُه بالبسملةِ مِن أينَ له؟ يَحتملُ أنَّ المصنِّفَ لم يَقُل ذلكَ، وأنَّه مِن زيادة الكَتَبة؟

  3. أُجيب: بأنه إنَّما جزَم بذلك؛ إمَّا أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، أو بَلَغه بالتواترِ، أو أنَّه راعى الأكْملَ فجزَم بذلك، والصحيحُ الأوَّلُ أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، وهي عندي الآن، ثم إنَّ صنيعَه هنا مِن عدمِ الفَصْل بين أجزاء البسملةِ أَولى مِن صنيعِ غيرِه؛ لأنَّ "الرحمن الرحيم" صفتانِ للفظِ اسمِ اللهِ، والموصوفُ مع صفتِه كالشيءِ الواحدِ، وهو لا يَحسُن الفصلُ بين أجزائِه.

  4. وحاصل ما ذكَره الشارحُ مِن الكلامِ على البسملةِ أوجهٌ:

  5. الأوَّل: في الباء، وفيه بحثان:
  6. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 24
  7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. الأوَّل: في متعلَّقها. الواجبِ لها؛ لأنَّ كلَّ جارٍّ ومجرورٍ ليس زائدًا ولا شبيهًا بالزَّائد لا بُدَّ له مِن متعلَّقٍ يتعلَّق به، وهذا العامل المتعلَّق تارةً يكون اسمًا أو فعلًا، وكلٌّ منهما يكون مقدَّمًا أو مؤخَّرًا، خاصًّا أو عامًّا، فالأقسامُ ثمانيةٌ، مِن ضَرْبِ اثنين في أربعةٍ، وبيَّن الشارحُ ما هو الجائزُ والأَولى مِن ذلك.

  9. الثاني: في معناها هَل هِيَ للمصاحبَة، وهي في اللغةِ: التصاقُ جسمٍ لجسمٍ على وجهِ التَّضَامِّ، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، فكيف قال الشارحُ: "الباءُ للمصاحبَة" ؟ أجاب الشارحُ بأنَّ المرادَ على وجهِ التبرُّك.

  10. وحاصلُه أنَّ المرادَ بها التبرُّكُ لا بالذات حقيقتِها؛ لأنَّ مصاحبَةَ الذاتِ مستحيلٌ، والمعنى: أؤلِّف مصاحَبًا باسم اللهِ، متبرِّكًا بمدلولِه، أو المرادُ المصاحبةُ في النفوسِ؛ لأنَّ لفظَ الجلالةِ ينضمُّ ويلتصقُ بأوَّل الفعلِ، أو للاستعانة، واستظهر ابنُ عبدِ الحقِّ (١) الأوَّلَ؛ لسلامتِه مِن الإخلالِ بالأدب المُشعِر به، مِن جَعْلِ اسمِ اللهِ آلةً لغيرهِ لا لذاتِه.

  11. الوجه الثاني: اشتقاق الاسم.

  12. الوجه الثالث: في لفظ الجلالة، وفيه أربعةُ مباحث: الأوَّل في عَلَميَّتِه. الثاني: هل هو عربيٌّ أو مُعَرَّب، واقتصر الشارحُ على الأوَّل؛ لأنَّه الأصلُ، ولذهابِ أكثرِ العلماءِ إليهِ، قال البُلْقيني: والقولُ بأنَّه أعجميٌّ لا يُلتَفت إليه، ولا دليلَ عليه؛ إذ لا يُصار إلى إثباتِ العجميَّة بلا دليلٍ.

  13. الثالث: في اشتقاقِه.

  14. الرابع: في أنَّه هل هو الاسمُ الأعظمُ أو غيرُه، ولم يصرِّح الشارحُ بذلك الخلافِ؛

  15. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 25
  16. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  17. لاختيارِه الأوَّلَ، إذ هو اختيارُ أكثرِ العلماءِ، قال الفَخْرُ الرازيُّ (١) : وهو الأقربُ عندي؛ لأعظميَّة (٢) مدلولِه الذي هو الذاتُ الأَقْدس.

  18. الوجه الرابع: في الرَّحمن الرحيم، وفيه بحثان: الأوَّل: نوعًا واشتقاقًا. الثاني: في حِكمة تقديمِ الرَّحمنِ على الرحيمِ، ثم إنَّ الشارحَ قد تكفَّل بشرح ذلك.

  19. "تنبيه" : إنْ قلتَ: لِمَ قدَّم البسملةَ على الحمدلةِ؟ ولمَ قال: بسمِ اللهِ، ولم يَقُل: باللهِ؟ ولمَ قدَّم لفظَ اللهِ على الرحمنِ؟ ولمَ قدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؟ ولمَ حذَف الألِفَ مِن الرحمنِ؟ ولم يحذف الياءَ مِن الرحيمِ؟

  20. الجواب عن ذلك: قُدِّمت البسملةُ على الحمدلةِ؛ اقتداءً بالكتاب العزيزِ والأحاديثِ المشهورَةِ (٣) . وقال: بسم الله، ولم يقل: بالله، تجوُّزًا مِن إيهامِ القسمِ.

  21. وقدَّم اللهَ على الرحمنِ؛ لأنَّه اسمُ ذاتٍ؛ والرحمنُ اسمُ صفةٍ، واسمُ الذاتِ مقدَّمٌ على اسمِ الصفاتِ.

  22. وقدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؛ لأنَّ الرحمنَ خاصٌّ، والرحيمَ عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ.

  23. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 26
  24. أي: أبْتَدئُ تأليفي، أو أُؤلِّف

    وحُذفت الألِفُ مِن الرحمنِ، ولم تُحذف الياءُ من الرحيمِ؛ لئلَّا يَشتبِه الرحيمُ بالرَّحِمِ، أي: رَحِمِ المرأةِ، أو القرابةِ.

  25. (أي: ابتدئ) أشارَ به إلى أنَّ استعمالَ المتعلق عامًّا جائزٌ، وإنْ كان الأَولى كونه خاصًّا، كما ذكَره الشارحُ، وألَّا يُفهم من عدمِ التصريحِ به عدمُ جوازِه، وأنَّهم أطبقوا على ذلك.

  26. (أو أُؤلِّف) هذا هو الأَولى لتقديرِه فعلًا خاصًّا مقدَّمًا؛ لأنَّ بعضَهم اقتصَر على مادةِ التأليفِ دون الابتداءِ؛ لأنَّه نصٌّ بالمرادِ، وهو حاصلُ ما قاله المحقِّقون باختصارٍ، ومِن عباراتِهم: تقريرُ خصوصياتِ الأفعال أيسرُ بالمقامِ وأوْفى بتأديةِ المَرام، فإنَّك إذا قدَّرت: أولِّف، مثلًا، دلَّ ذلك على تلبُّس التأليف كلِّه بالتسميةِ على وجهِ الملابسة التبركيَّة أو الاستعانة، كما أَشار إلى ذلك الشارحُ، وإذا قدَّرتَ: أَبتدئُ، مثلًا، أفادَ تلبُّسَ ابتداءِ التأليفِ بها خاصَّةً، ومن قدَّم مادةَ الابتداءِ الشارحِ، نظَر الى أرجحيَّته، وعليها طائفةٌ كشيخِ الإسلامِ (١) ، واحتجُّوا بأنَّ الابتداءَ أعمُّ مِن خصوصياتِ تلك الأفعالِ، فكان الفعلُ منه أحقَّ بالتقديرِ والتقديمِ، كما في تقديرِ النُّحاة متعلَّق الظروف المستقرّة عامًّا كالمحصولِ والكونِ، وبموافقةِ الحديثِ في المادة، أَي: قوله فيه: "لا يُبدأ فيه ببِسْمِ الله" (٢) ، وبغيرِ

    vol. 2, p. 27. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  27. متلبِّسًا ومصاحبًا، أو مستعينًا ومتبرِّكًا باسمِ اللهِ، فالباءُ للمصاحبةِ، أو الاستعانة متعلِّقة بمحذوفٍ، وتقديره فعلًا خاصًّا

    ذلك مما هو مبسوطٌ في محلِّه، هذا والأوجَهُ والأرجح ما تقدَّم من تقديرِ الخاصِّ؛ لأنَّه أكثرُ فائدةً، وهذا هو مرادُ الشارحِ بذكْرهما؛ بدليلِ ما يأتي.

  28. (متلبِّسًا) إشارة إلى أنَّ الباءَ للمُلابَسة على وجهِ التَبرُّك، وإلى أنَّ التسميةَ قَيْدٌ للتأليفِ، حالٌ مِن فاعِله، وكذا "الحمد لله" فكأنَّه قال: أُؤلِّف حالَ كوني متلبِّسًا ومتبرِّكًا ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، قائلًا: الحمدُ للهِ.

  29. ثم إنَّ التبرُّكَ مِن عَرضيات الملابَسة، كالضاحكِ للإنسان، وأخصُّ منها؛ لأنَّها تكون على جهةِ التبرُّك وعلى غيرِها، وليس من جزئياتِها، كما تُوهِم، والملابَسة هي ما يعنيه النُّحاةُ بالمصاحبَة، وبقولِهم: الباء تكون بمعنى "مع" ومِن ثمَّ لَمْ يَقُل: فالباءُ للملابَسة، فعَطْفُ "أو" مصاحبًا على "متلبِّسًا" تفسيريٌّ، والأوَّل أَولى؛ لإساءة الأدبِ في جَعْل اسمِه آلةً.

    (فالباءُ … إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "متلبِّسًا … إلخ" .

    (وتقديره فعلًا خاصًا … إلخ) أمَّا أَولويَّة كونه فِعْلًا؛ فلأنَّ الجارَّ والمجرورَ معمولٌ، والأصلُ في العاملِ أن يكون فِعلًا.

  30. وكونه خاصًا؛ لأنَّه أيسرُ بالمقامِ وأوْفَى لتأديةِ المرَام، ولأنَّه يدلُّ على التبرك في جميعِ ذلك الشيءِ ولأنَّ كلَّ شارعٍ في فنٍّ يُضمِر ما كانت التسميةُ مبدأً له، بخلاف العامِّ فإنَّه لا يَدلُّ على ذلك إلَّا في ابتدائِه.

  31. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 28
  32. مؤخَّرًا أوْلى (١) .

  33. و "الاسمُ" مشتقٌّ من السموِّ

    وكونه (مؤخَّرًا) ليفيدَ التعظيمَ والاختصاصَ والاهتمامَ، وإنَّ إفادةَ التأخيرِ الاختصاص بالفحوى وحكم الذوقِ، ومعنى الاختصاصِ جَعْلُ الفعلِ المبدوءِ بالبسملةِ كالتأليفِ مقصورًا على التبُّرك باسمِه تعالى لا يتجاوزُه الى غيره مِن الأسماءِ، وهو قَصْرُ إفرادٍ (٢) ، فإنَّ المشركين كانوا يبتدؤون في أفعالِهم بأسماءِ آلهتِهم، فيقولون: باسم اللَّاتِ، باسمِ العُزَّى، فوجَب على الموحِّد أن يقصِدَ بعبادتِه قَطْعَ شِرْكةِ الأصنامِ؛ كَيْلا يُتوهَّم تجويزُ الابتداءِ بأسمائِها، فيكون قصرَ إفرادٍ، كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] .

  34. (والاسم مشتقٌّ مِن السُّمُوِّ) بدليل سَمَوتُ كعَلَوْت وزنًا ومعنًى، وبشهادةِ تصريفِه، وهو مِن العلوِّ، فأصله سَمَوَ، حُذفت لامُه تخفيفًا، وهو الواو، وعُوِّض عنها همزةُ الوصلِ. أو من السِّمَةِ، وهي العَلامةُ، وأصله وَسْمٌ، قُلبت الواوُ همزة، كإرث ثم وُصلت؛ لكثرةِ الاستعمالِ، فهو مِن الأسماء المحذوفةِ الأَعجاز - أي: الأَواخر- اعتباطًا، أي: لغيرِ علَّة تصريفيَّة، كيدٍ ودمٍ؛ لكثرةِ الاستعمالِ بُنيَت أوائلُها على السكون، وأُدخل عليها همزةُ الوصلِ؛ لتعذُّر الابتداءِ بالساكنِ ثَمَّ.

  35. ثُمَّ إنَّ قول الشارحِ: "مشتقٌّ" هذا الاشتقاقُ الصغيرُ: وهو ردُّ لفظٍ إلى آخرَ ولو مجازًا؛ لمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروفِ الأَصليَّة، بأَنْ تكون فيهما على ترتيبٍ واحدٍ، وهو

    vol. 2, p. 29. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  36. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  37. المرادُ عند الإطلاقِ، كما في الناطقِ مِن النُّطْق بمعنى التكَلُّم حقيقةً، وبمعنى الدلالة مجازًا، كما في قولك: الحالُ ناطقةٌ بكذا.

  38. أمَّا الكبيرُ فليس فيه ترتيبٌ، كما في الـ: جبذ وجَذَب.

  39. والأكبرُ ليس فيه جميعُ الأصولِ، كما في الـ: ثلم وثَلَب، "محلي على جمع الجوامع" (١) . قال الشبيخُ خالد (٢) في "شرحه" : فخرج بقوله: "لمناسبةٍ بينهما في المعنى" نحوُ الحلم والملح واللحم، فإنها متناسبةٌ في الحروفِ الأصليَّة لا في المعنى، فليس بعضُها مشتقًّا من بعضٍ. وخرج بقوله: "في الحروف" الألفاظُ المترادفةُ كبَشَر وإنسان، فإنَّ أحدَ اللفظين وإنْ وافقَ الآخرَ في المعنى، لم يوافِقْه في الحروفِ. وخرج بالأصليَّة، الحروفُ الزائدةُ فلا يحتاج للمناسبةِ فيها؛ لعدم الاعتدادِ بها في الاشتقاقِ. وهذا الاشتقاقُ عند البصريينَ، والثاني عند الكوفيينَ، واقتصر الشارحُ على الأوَّل دون الثاني؛ لأنَّه مبنيٌّ على قول المعتزِلة مِن أنَّ المولى جلَّ وعلا كان في الأزَل بلا أسماءٍ ولا صفاتٍ، فلما خَلَق الخَلْقَ وضَعوا له الأسماءَ، كما نقله القرطبيُّ (٣) . قال العلَّامة السَّمِينُ (٤) : وهذا القول أشدُّ

    vol. 2, p. 30. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  40. وهو العلوُّ.