مقدمة هداية الراغب
104 paragraphs · vol. 2, p. 4
Page 3 of 3
- vol. 2, p. 18
(والحبْرِ) بفتح الحاءِ وكسرِها: العالِم. وفي الأصلِ: واحدُ أحبارِ اليهودِ، والكسرُ أفصحُ، وكعبٌ الْحِبْر-بالكسر- منسوبٌ إلى الحِبر الذي يُكتَب به؛ لأنَّه كان صاحبَ كتب. محمد الخلوتي (٢) .
-
(شيخِ شيوخِنا) إضافةُ شيخٍ لشيوخِنا؛ إمَّا أن تكونَ على معنى اللامِ، أي: شيخ لشيوخِنا، أو على معنى "من" ، أي: شيخ مِن شيوخِنا، أو على معنى "في" ، أي: شيخ في شيوخِنا، والمرادُ الأوَّلُ كما قرَّره الوالدُ (٣) .
- vol. 2, p. 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الشيخِ منصورِ بنِ يونسَ البُهُوتي رحمه الله تعالى.
-
وسمَّيتُه: "هِدايةَ الرَّاغبِ لشرحِ عمدةِ الطالبِ" .
-
(الشيخ منصور) وهو في اللغةِ: مَن جاوزَ الأربعينَ. وفي الاصطلاح: مَن بلَغ رتبةَ أهلِ الفَضْل، ولو صبيًا.
(وسمَّيته: "هدايةَ الراغِب … إلخ" ) قال الدَّوَاني (١) : يعني سمَّيته بمجموعِ الموصوفِ والصفةِ وما أُضيف إليهما.
-
فإنْ قِيل: الهدايةُ هي: الدلالةُ الموصِلَةُ إلى المطلوبِ، حصل الوصولُ أَوْلا، عند معاشرِ أهلِ السنةِ، فَلِمَ سمَّى كتابَه بـ "هداية" مع أنَّ الهدايةَ مِن أوصافِ العَقَلةِ، ولا كذلك الكتابُ؟
-
يُجاب: بأنَّ تسميتَه بهذا مجازٌ عقليٌّ مِن إسنادِ الفعلِ إلى غيرِ مَن هو له، وهو الموقن، أو مجازٌ لغويٌّ، علاقتُه المشابهةُ على طريقِ الاستعارةِ بالكناية، بأَنْ شبَّه الكتابَ بشخصٍ ذي (٢) هدايةٍ؛ تشبيهًا مضمرًا في النَّفْسِ، وإثباتُ الهدايةِ تخييلٌ.
-
وقيل: إنَّ الهدايةَ الإرشادُ والبيانُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . أي: بيَّنَّا له طريقَي الخيرِ والشَّرِّ، فتسميةُ الشَّرِّ بذلك مِن تسميةِ المسبَّب بسببِه؛ لأنَّ الراغبَ يتبيَّن له بسببِه الأحكامُ الشرعيَّة مِن حلالٍ وحرامٍ، هذا كلُّه بحَسب الأصلِ، وأما الآن جُعل عَلَمًا، فلا يُنظر لذلك.
- vol. 2, p. 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
واللهَ أسألُ أنْ يَنْفعَ بهِ النَّفْعَ العميمَ،
(واللهَ أسألُ أن ينفعَ به) قدَّم اسمَ البارِي ﷻ ؛ للقَصْر والاهتمامِ باسمِ الذاتِ، أي: قصَر سؤالَه وطلبَه على اللهِ لا يتجاوزُه إلى غيرِه، أو مبتدأٌ و "أسأل" خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: واللهُ أسأَله، والجملةُ على الأوَّل فعليَّة تفيدُ التجدُّدَ والحدوثَ، وعلى الثاني اسميَّة تفيدُ ما ذُكرَ؛ لأنَّ الخبرَ فيها جملة فعليَّة، فإذن الأفضلُ الوجهُ الأوَّل؛ لدلالتِه على الحَصْر، مع إفادةِ التجدُّد والحدوثِ المتحقِّق في الأمرين، وخلوِّ الثاني منه، فقولهم: الاسميَّةُ تدلُّ على الدوامِ والثباتِ، ما لم يكنِ الخبرُ فيها جملة فعليَّة.
-
والسؤالُ في اللغةِ: الطَّلبُ. واصطلاحًا: طَلَبُ الأَدنى من الأعلى.
-
وقوله: "أن ينفع" مؤول بالنَّفْع، وحقيقتُه كما قال الراغبُ (١) في "مفرداته" : ما يُستعان به في الوصولِ إلى الخيرِ، وكلُّ ما يتوصَّل به إلى الخيرِ فهو خيرٌ، فالنفعُ خيرٌ. وهو مفعولٌ ثانٍ لـ "أسأل" ، والتقدير: أسألُ اللهَ النفعَ به، أي: يُوصل للناسِ خيرًا بسببِه، أو أنَّ الباء للتعديةِ بجَعْل الشرحِ آلةً للنفعِ.
-
فإنْ قيل: هلَّا عبَّر بتلكَ العبارةِ؛ لأنَّها أَخْصرُ؟
-
أُجيب: بأنَّه عَدَل عنها الى ما قالَه لأمْرين: الأوَّل: أنَّ هذا مقامُ دعاءٍ فينبغي فيه الإطنابُ. الثاني: تحصيلُ البركةِ بوجودِ الضميرِ الراجعِ إلى اسمِ اللهِ المتقرِّر في الفعلِ دونَ المصدرِ، والشارحُ حذَف مفعولَ "ينفع" إيذانًا بالعمومِ، أي: كلَّ أحدٍ، لكنَّ ذلك العامَّ لم يَبْقَ على عمومِه، بل هو مخصوصٌ، أو أُريد به الخصوصُ، أي: كلَّ مَن قرأه وحصَّله، لا كلَّ أحدٍ ممَّن ليس كذلك، وانظر الفَرْق بين العامِّ المخصوصِ والعامِّ الذي أُريد به الخصوصُ فيما كتبناهُ على "شرح المنتهى" .
- vol. 2, p. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وأنْ يجعَلَه خالِصًا لوجهِهِ الكريمِ؛ إنَّه وليُّ ذلك وهو حسْبي ونعمَ الوكيلُ.
-
(وأن يجمله) عطفٌ على قوله: "أن ينفع" ، والضميرُ راجعٌ للشرحِ.
-
(خالصًا لوجهه) أي: لا يَشُوبُه رياءٌ ونحوُه مما يُحبِط الثوابَ، والوجهُ: الذاتُ (١) ، مِن إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكُلِّ مجازًا، بقرينةِ وَصْفه بالكريمِ، وهو مِن المتشابِه الذي اختَلف فيه السلفُ والخَلَفُ، كما قال البرهان اللقاني (٢) :
وكلَّ نصٍّ أوْهَم التَّشْبِيهَا … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيْها
(الكريمُ) مأخوذٌ مِن الكَرَم، وهو إعطاءُ مَا ينبغي، لمن ينبغي، على وجهٍ ينبغي، لا لغرضٍ ولا لعلَّة. قوله: "لا لغرض ولا لعلَّة" هكذا اشتهر زيادةُ ذلك، وهو مستغنًى عنه بقوله: "على وجهٍ ينبغي" ، ويُمكن أن يُقال: هو بيانٌ للوجه.
-
(وهو حسبي ونِعْمُ الوكيل) معنى حسبي، أي: كافيَّ عن أنْ أطلُب العرنَ والتوفيقَ مِن غيرِه، و "الوكيلُ" فعيلٌ بمعنى فاعل، معناه: الحافظُ، ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: الحافظُ، وهذه الجملةُ- أعني قولَه: "ونِعْمَ الوكيل" - جملةٌ قُصِدَ بها المدحُ للهِ تعالى، وهي معطوفةٌ إمَّا على "حسبي" فلا يَلزم عطفُ الإنشاءِ على الخبرِ، أي: الجملةِ الخبريَّة؛ لأنَّ "حسبي" مُفرَدٌ ولا يُوصَف بشيءٍ مِن ذلك، وإمَّا على الجملةِ "وهو حسبي" ، وحينئذٍ يُقدَّر القولُ أي: وقول: فنِعْمَ الوكيل، معمولٌ لقولٍ محذوفٍ معطوفٍ على "حسبي" ، أي: ومقولٌ فيه: نِعْمَ الوكيل، فالعطفُ في الحقيقةِ يكون مِن عَطْفِ جملةِ اسميَّة على اسميَّة، والإنشاءُ إنَّما هو في متعلَّق خبرِ الجملةِ، وهو لا يضرُّ في صحَّةِ العطفِ، أو أنَّ الواوَ اعتراضيَّةٌ؛ بناءً على جوازِ الاعتراضِ مِن الأواخرِ، أو أنَّ الواوَ استئنافيَّةٌ.
- vol. 2, p. 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(قال المصنِّف رحمه الله تعالى) : يعني: أنَّ مجموعَ البسملةِ وما بعدَها مقولٌ لهما، فالبسملةُ للمصنِّف مثلًا خاصَّة، كبقيةِ ألفاظِ المتنِ، والذي للشارح هو ما شَرَح به المتنَ، مما هو مميَّز عنه، وعليه فَلِمَ يَبدأُ الشارحُ بالبسملة؟ وأُجيب: بجَعْل البسملةِ مقولةً لهما معًا، فللمُصنِّف من حيثُ الابتداءُ بها لفظًا، وكتابةً تحقيقًا، وللشارحِ من حيثُ نَقْلُ ما كتبَه المصنِّف تبرُّكًا به.
-
إِنْ قيل: الواقعُ مِن المصنِّف إنَّما هو مجرَّدُ الكتابةِ؟
-
أُجيب: بأنَّه بلغَه أنَّه تلفَّظ حقيقةً بأَنْ أمْلاهُ، أوْ مع الكتابةِ إن لم يُمْلِها، أو بناهُ على الغالِبِ مِن أنَّ مَن كتبَ شيئًا تلفَّظ به، أو لأنَّها في قوَّة اللفظِ، فهو من قَبيلِ: القَلَمُ أحَدُ اللسانَيْن (١) . أو باعتبارِ أنَّ اللفظَ مدلولُها؛ لِما تقرَّر أنَّ الكتابةَ تدلُّ على العبارةِ، والعبارةَ على ما في الذهنِ، وما في الذهنِ على ما في الخارج، وقد عَلمتَ مما ذُكر أنَّ القولَ يُطلَق على اللفظ وعلى الكتابةِ، فيقالُ: قال المصنِّف، أي: تلفَّظ أو كتبَ، ويُطلَق على معانٍ أُخَرَ أيضًا، يُقال: قال به، أي: حكَم به، وقال عنه، أي: رَوى عنه، وقال له، أي: خاطَبَه، وقال عليه: أي: افْتَأتَ عليه، وقال فيه، أي: اجتهدَ فيه.
-
وقوله: "المصنِّف" مِن التصنيفِ وهو: جَعْل كلِّ صِنْف على حِدَتِه. فهو أخصُّ من التأليفِ الذي هو مُطلَق الضمِّ، كذا لشيخِ الإسلامِ زكريّا (٢) في بعضِ كتبِه، وذكر الناصهري (٣) أنَّ التصنيفَ والتأليفَ مترادفان، وهو المتعارف.