فصل في صلاة الاستسقاء

26 paragraphs · vol. 3, p. 217

  1. وهو: الدعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ (٥) .

    vol. 3, p. 217
  2. (وإذا ضَرَّ) الناس (جدبُ أرضٍ) أي: مَحْلُها (و) ضرَّهم (قَحْطُ مطرٍ) أي: احتباسُه، أو غَوْرُ ماءِ عيونٍ أو أنهارِ (صلَّوا) جماعة وفرادى (صلاةَ الاستسقاءِ) وهي

    vol. 3, p. 218كعيدٍ فيما تقدَّم.

  3. وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها، وَعَدَ الناسَ يومًا يخرجون فيه،

    سُنَّة مؤكَّدةٌ؛ لقولِ عبد الله بن زيدٍ: "خرج النبي ﷺ يَسْتَسْقِي، فتوجَّه إلى القِبلة يدعو، وحوَّل رداءَه، ثُمَّ صلَّى ركعتَيْن، جَهَرَ فيهما بالقراءة" متَّفقٌ عليه (١) . والأفضلُ جماعةً حتى بسفرٍ ولو كان القَحْط في غيرِ (٢) أرضهم، ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غير مسكونةٍ، ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّرَر.

  4. وصفتُها: (كـ) صلاةِ (عيدٍ فيما تقدَّم) مِنْ موضِعِها وأحكامِها. قال ابنُ عباس: سُنَّةُ الاستسقاءِ سُنَّةُ العيدين (٣) . فتُسنُّ في الصَّحراءِ، ويصلّي ركعتَيْن، يكبِّر في الأُولى: ستًا زوائدَ، وفي الثانيةِ خمسًا، مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ. قال ابنُ عبَّاس: "صلَّى النبي ﷺ ركعتَيْن كما يصلِّي العيدَ" قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٤) .

  5. ويقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١] ، وفي الثانية: بـ "الغاشية" ، وتُفعل وقتَ صلاةِ العيدِ.

  6. (وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها، وعَدَ الناسَ) أي: بيَّن لهم (يومًا يَخرجون فيه)

  7. وأمرهم بالتوبةِ، وتركِ التَّشاحُن، والصِّيامِ، والصَّدقةِ.

    vol. 3, p. 219
  8. ويخرجُ متواضعًا متخشِّعًا، متذلِّلًا، ومعه أهلُ الدِّين، والصلاحِ، والشيوخُ، والمميِّزون، فيصلِّي بهم ركعتَيْن كالعيد، ثُمَّ يخطبُ واحدةً،

    ليتهيُّؤوا للخروج على الصِّفَةِ المسنونةِ.

  9. (وأَمرهم بالتَّوبةِ) من المعاصي، والخروجِ من المظالم (و) أمَرَهم بـ (تَرْكِ التَّشاحُنِ) من الشَّحناءِ، وهي: العداوة؛ لأنَّها تَحملُ على المعصبةِ والبُهتِ، وتمنعُ نزولَ الخيرِ؛ لقوله ﷺ : "خرجتُ أخبرُكم بليلةِ القَدْرِ، فتلاحَى فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعت" (١) .

  10. (و) أمرَهم بـ (الصِّيام) لأنَّه وسيلةٌ إلى نزولِ الغَيْثِ، ولحديثِ: "دعوةُ الصَّائم لا تُرَدُّ" (٢) . (و) أمرهم بـ (الصدَّقة) لأنَها متضمِّنةٌ للرَّحمة. ويتنظَّفُ لها، ولا يتطيَّب.

  11. (ويخرجُ) الإمامُ كغيرِه حالةَ كونِه (متواضعًا، متخشِّعًا) أي: خاضعًا (متذلِّلًا) من الذُّل، أي: الهوان. قال ابنُ نصرِ الله: "متواضعًا" ببدنِه، "متخشِّعًا" بقلبِه وعينهِ، "متذلِّلًا" في ثيابِه، ويكون أيضًا متضرِّعًا بلسانه.

  12. (ومعه) أي: الإمامِ (أهلُ الدِّين والصَّلاحِ، والشيوخُ) لسرعةِ إجابةِ دعوتِهم (و) الصِّبيانُ (المميِّزون) لأنَّه لا ذنوبَ لهم. وأُبيحَ خروجُ طِفْلِ وعَجُوزٍ وبهيمةٍ، والتَّوسُّلُ بالصَّالحين (٣) ، ولا تُمنَع أهلُ الذِّمة منفردين عنَّا، لا بيومٍ (٤) ، وكُرِهَ إخراجُنا لهم.

  13. (فيصلِّي بهم ركعتَيْن، كـ) صلاةِ (العيدِ) لما تقدَّم (ثمَّ يخطبُ) خطبةً (واحدةً) لأنَّه

    vol. 3, p. 220يفتتحُها بالتَّكبير كعيدٍ.

  14. ويكثِرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمر به، ويرفعُ يديه، ويدعو بدعاءِ النبيِّ ﷺ .

  15. لم يُنقلْ أن النبيَّ ﷺ خطب بأكثر منها. ويخطبُ على مِنْبرٍ، ويجلسُ للاستراحةِ -ذَكَرَه الأكثرُ، كالعيد في الأحكام- والناسُ جلوسٌ. قاله في "المبدع" (١) .

  16. (يفتتحُها بالتَّكبيرِ، كـ) خطبةِ (عيدٍ) لقول ابن عباس: "صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في الاستسقاءِ كما صنع في العيد" (٢) . (ويُكثِر فيها الاستغفارَ وقراءةَ آياتٍ فيها الأمر به) كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠] . ويُكثرُ فيها الدعاءَ، والصلاةَ على النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ذلك معونةٌ على الإجابة.

  17. (ويرفعُ يدَيْه) في الدعاء نَدْبًا؛ لقول أنسٍ: كان النبي لا يرفعُ يدَيه في شيءٍ من دعائهِ، إلَّا في الاستسقاء، وكان يرفعُ حتَّى يُرَى بياضُ إِبْطَيْه. متَّفق عليه (٣) . وظهورُهما نحوَ السماءِ؛ لحديثِ رواه مسلم (٤) .

  18. (ويدعو بدعاء النبيِّ ﷺ ) تأسيًا به، وهو: "اللَّهمَّ اِسْقِنَا غَيثًا، مُغيثًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا، غَدَقًا، مجلِّلًا، سحًا، عامًا، طبَقًا، دائمًا. اللَّهمَّ اسْقِنَا الغيثَ، ولا تجعلْنا من القانِطين. اللَّهمَّ سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَق. اللَّهمُّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ من الَّلأُواءِ والجَهدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلَّا إليك. اللَّهمَّ أنْبِتْ لنا الزَّرْعَ، وأدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بركاتِ السماء، وأنزلْ علينا من بركاتِك. اللَّهمَّ ارفعْ عنا الجوعَ والجَهْدَ والعُرْيَ، واكشِف عنَّا مِنْ البلاءِ ما لا يَكشفُه غيرُك. اللَّهمَّ إنَّا

    vol. 3, p. 221وينادَى له ككسوفٍ: الصَّلاةُ جامعةٌ.

  19. نستغفرُكَ، إنَّكَ كنْتَ غفارًا؛ فأرسلِ السماءَ علينا مِدْرَارًا" رواه ابنُ عمر (١) . ويستقبلُ القبلةَ في أثناءِ الخُطبةِ، ويحوِّلُ رداءَه، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ. ويفعلُ الناسُ كذلك، ويتركونه حتَّى ينزعوه مع ثيابِهم.

  20. ويدعو سرًا فيقول: اللَّهُمَّ إنَّك أمرتَنا بدعائكِ، ووعدْتَنا إجابتَك، وقدْ دعوناك كما أمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعَدْتَنا. فإن سُقوا، وإلَّا، عادوا (٢) ثانيًا وثالثًا.

  21. (وينادَى له) أي: للاستسقاء، أي: لصلاته (كـ) ـما ينادَى لـ (كسوفٍ) (٣) وعيدٍ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ، فيقولُ المقيم: (الصلاةُ جامعةٌ) برفعِهما على المبتدأ

    vol. 3, p. 222ويسنُّ (١) وقوفٌ في أولِ مطرٍ، وإخراجُ متاعه؛ ليُصيبَه، وقولُهُ: مُطرْنا بفضْلِ الله، ويحرمُ: بنوءِ كذا.

  22. والخبر، ونصبهِما؛ فالأوَّل على الإغراءِ، أي: الزموا الصَّلاةَ (٢) . والثاني: على الحال.

  23. (ويُسَنُّ وقوفٌ في أولِ مَطرٍ، وإخراجُ متاعِه) كثيابٍ، وما يستصحبُه من الأثاثِ (ليُصيبه) المطرُ؛ لقول أنسٍ: أصابَنَا ونحنُ مع رسولِ الله ﷺ مطرٌ، فحسَرَ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: [يا رسول الله] لِمَ صنعْتَ هذا؟ قال: "لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه" رواه مسلم (٣) .

  24. وذكر جماعةٌ: يتوضأ ويغتسل؛ لأنَّه روي أنَّه ﷺ كان يقولُ إذا سال الوادي: "اخرجوا بنا إلى الذي جعلَه اللهُ طَهورًا فنتطهَّر به" (٤) وفي معناه ابتداءُ زيادةِ النِّيلِ ونحوِه.

  25. (و) سُنَّ لمن مُطِر (قولُهُ: مُطرنا بفضلِ الله) ورحمِتِه؛ لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ الله تعالى. (ويحرُمُ) قولُه: مُطِرنا (بِنَوءِ) أي: كوكبِ (كذا) لأنَّه كفرٌ بنعمةِ (٥) الله عز وجل ، كما يدلُّ عليه خبرُ الصَّحيحين (٦) .

  26. ويُبَاحُ: مُطِرْنا في نَوْءِ كذا؛ لأنَّه لا يقتضي الإضافةَ إلى النَّوءِ.