كتاب الجنائز
27 paragraphs · vol. 3, p. 223
- vol. 3, p. 223
يُسنُّ الاستعدادُ للموت، وعيادةُ مريضٍ،
[كتاب الجنائز]
-
بفَتْحِ الجيم: جمعُ جِنازة بالكسر، والفتحُ لغةٌ: اسمٌ للميت، أو: للنَّعشِ عليه ميِّت. فإنْ لم يكنْ عليه ميِّتٌ، فلا يقالُ: نعشٌ ولا جنازةٌ، بل سريرٌ. قاله الجوهريُّ (١) . واشتقاقهُ: من جَنَز -كضرب-: إذا ستر (٢) . وذكروا الجنائزَ هنا؛ لأنَّ أهمَّ ما يُفعل بالميِّت الصَّلاةُ.
-
(يُسَنُّ الاستعدادُ) أي: التأهُّبُ (للموت) بالتَّوبة من المعاصي، والخروجِ من المظالم. ويسَنُّ الإكثارُ من ذِكْرِه؛ لقوله ﷺ : "أكثروا مِنْ ذِكْرِ هاذِمِ اللَّذاتِ" (٣) أي: الموت، بالذَّال المعجمة.
-
(و) تُسَنُّ (عيادةُ مريضٍ) مسلمٍ، والسؤالُ عن حالِه؛ للأخبار (٤) ويغُبُّ (٥) بها،
vol. 3, p. 224وتذكيُره التوبةَ والوصيَّةَ.
-
وتكونُ بكرة وعَشيًّا. ويأخذُ بيدِه ويقول: لا بأسَ طَهور إنْ شاءَ الله تعالى. لفعلِه ﷺ (١) .
-
وينفِّسُ له في أجله؛ لخبرٍ رواهُ ابنُ ماجه: "فإنَّ ذلك لا يردُّ شيئًا" (٢) . ويدعو له بما ورد.
-
(و) يُسنُّ لعائدٍ (تذكيرهُ) أي: المريضِ -مَخُوفًا كان مرضُه أوْ لا- (التوبة) لأنَّه أحوجُ إليها مِنْ غيره. وهي واجبةٌ على كلّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ، مِنْ كلِّ ذَنْبٍ حتَّى من تأخيرها.
-
(و) تذكيرهُ (الوصيَّةَ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "ما حق امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي به يبيتُ ليلتين، إلَّا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عنده" متَّفقٌ عليه (٣) . أي: ما الحزمُ والمعروفُ شرعًا، إلا ذلك.
-
و "ما" نافيةٌ، وجملة: "له شيء" صفةُ: "امرئ" ، وجملةُ: "يوصي به" صفةٌ لـ "شيء" ، وجملةُ: "يبيتُ ليلتين" خبرٌ، وجملةُ: "ووصيَّته مكتوبةٌ عنده" حال.
قال الطِّيبي (٤) : في تخصيصِ اللَّيلَتَين تسامحٌ في إرادةِ المبالغة، أي: لا ينبغي له
vol. 3, p. 225وإذا نُزِلَ به، تعاهدَ بلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شرابٍ، وندَّى شفتَيْه، ولقَّنه: لا إله إلَّا الله. مرَّة، ولا يُزادُ (١) على ثلاثٍ إنْ لم يَتكلَّم،
أنْ يَبيت ليلةً، وقدْ سامحناه في هذا المقدارِ؛ فلا ينبغي أنْ يتجاوزَه. وفيه حثٌّ على الوصيَّة.
-
ويُكرَهُ لمريضٍ الأنينُ وتمنِّي الموتِ. ويباحُ تداوٍ بمباحٍ، وتركُه أفضل، ويَحْرُمُ بمحرَّم مأكولٍ أو غيرِه، كصوتِ مَلْهاة (٢) . ويجوزُ ببولِ إبلٍ فقط. قاله في "المبدع" (٣) .
-
وكُرِهَ أنْ يستطِبَّ مسلمٌ ذميًا لغيرِ ضرورةٍ، وأنْ يأخذَ منه دواءً لم يبيِّن مفرداته المباحَة.
-
(وإذا نُزِلَ) بالبناء للمفعول (به) أي: المريض، أي: نزل به الملَك لقبضِ روحِه (تَعاهَدَ) -فِعلٌ ماضٍ، جوابُ "إذا" من تعاهدتُ الشيءَ: راعيتَ حالَه- أرفقُ (٤) أهلِ المريضِ وأتقاهُم لله تعالى (بَلَّ حَلْقِه) أي: المريض (بماءٍ أو شرابٍ، وَندَّى (٥) شفتَيْه) بقطنةٍ؛ لأن ذلك يطفئُ ما نَزَلَ به مِن الشِّدَّةِ، ويسهِّل عليه النُّطْقَ بالشهادة (ولقَّنه: لا إله إلا الله) لقولِه ﷺ : "لَقنُوا موتاكُمْ: لا إله إلَّا الله" رواهُ مسلمٌ عن أبي سعيدٍ (٦) .
-
ويُكتفَى في التَّلقينِ بـ (مرَّة) إن أجابَ ولم يتكلمْ بعدُ، وإلَّا، أعاد، فإنْ لقَّنه: لا إله إلا الله. ولم يُجِبْ، لقَّنه ثانيًا وثالثًا (ولا يُزادُ على ثلاثٍ) لئلَّا يُضْجِرَه (إنْ لم يتكلَّم) بعد الثلاث، فإن تكلَّم بعدها، أعاده؛ ليكونَ آخر كلامِه: لا إله إلا الله. ويكونُ برفقٍ، أي: بلطفٍ ومداراةٍ؛ لأنّه مطلوبٌ في كلِّ موضعٍ، فهنا أَولى.
- vol. 3, p. 226
ويقرأُ عندَه ﴿يسَ﴾، ويوجَّه للقِبلة.
-
وإذا مات، سُنَّ تغميضُه، وشدُّ لَحْيَيْه،
(ويقرأُ عنده) سورةَ (﴿يسَ﴾ لقولِه ﷺ : "اقرؤوا على موتاكُمْ سورةَ يس" رواه أبو داود (١) ولأنَّه يسهِّلُ خروجَ الرُّوح. ويقرأ أيضًا عندَه الفاتحَة.
-
(ويوجَّه) الميتُ -بالبناء للمفعول- (للقبلةِ) لقوله ﷺ عن (٢) البيتِ الحرامِ: "قِبْلتُكُمْ أحياءً وأمواتًا" رواه أبو داود (٣) . وعلى جنبِه الأيمنِ أفضلُ، إنْ كان المكانُ واسعًا، وإلَّا، فعلى ظهرِه مستلقيًا، ورجلاهُ إلى القِبْلة. ويرفَع رأسُه قليلًا؛ ليصيرَ وجهُهُ إلى القبلة.
-
(وإذا ماتَ، سُنَّ تغميضُه) لأنّه ﷺ أغمضَ أبا سلمةَ، وقال: "إنَّ الملائكةَ يؤمِّنون على ما تقولون" رواه مسلم (٤) . ويقول: باسم الله وعلى وفاةِ رسولِ الله. ويُغمِّضُ ذاتَ مَحْرَم وتغمِّضُه. وكُرِهَ مِنْ حائضٍ وجنبٍ، وأنْ يقرباه. ويغمِّضُ الأنثى مثلُها أو صبيٌّ.
-
(و) سُنَّ (شَدُّ لَحْيَيْه) (٥) بعِصابةٍ أو نحوِها تجمع لحيَيْه، ويربطُها فوقَ رأسه؛ لئلَّا يبقى فمُه مفتوحًا فتدخلَه الهوامُّ، ويتشوَّهَ خلْقُه.
- vol. 3, p. 227
وتَلْيينُ مفاصلِه، وخلعُ ثيابِه، ووضعُه على سريرِ غَسْلهِ موجَّهًا مستورًا بثوبٍ، ووَضْعُ حديدةٍ على بطنِه، وإسراعُ تجهيزِه،
(و) سُنَّ (تليينُ مفاصلِه) ليسهُلَ تغسيلُه، فَيردُّ ذراعَيْه إلى عضدَيْه، ثمَّ يردُّهما إلى جنبَيْه (١) ، ثُمَّ يرُّهما، ويردُّ ساقيه إلى فخذَيْه، وهما إلى بطنِه، ثمَّ يردُّهما، ويكونُ ذلك عَقِبَ موتِه قبل قسْوتها، فإنْ شقَّ ذلك، تركَه.
-
(و) سُنَّ (خلعُ ثيابِه) لئلَّا يحمى جسدُه، فيسرعَ إليه الفساد.
-
(و) سُنَّ (وضعُه) أي: الميِّتِ (على سريرِ غَسْلِه) ليبعدَ عن الهوامِّ، ونداوةِ الأرض، حالةَ كونه (موجَّهًا) للقِبلة (مستورًا بثوبٍ) وينبغي جعلُ أحدِ طرفَيْه تحتَ رأسِه، والآخرِ تحت رجلَيْه؛ لئلَّا ينكشفَ.
-
(و) سُنَّ (٢) (وَضعُ حديدةٍ) ونحوِها كمرآةٍ، وسيفٍ، وسكِّينٍ (على بطنه) لما روى البيهقيُّ (٣) : أنَّه مات مولى لأنسٍ عند مغيبِ الشَّمس، فقال أنسٌ: ضعُوا على بطنِه حديدًا. ولئلَّا ينتفخَ بطنُه، وقدَّر بعضُهم وَزْنَه بنحو عشرينَ درهمًا.
-
ويصانُ عنه مصحفٌ، وكتبُ فقهٍ، وحديثٍ، وعلمٍ نافع.
-
(و) سُنَّ (٢) (إسراعُ تجهيزِه) لحديثِ: "لا ينبغي لجِيفةِ مسلمٍ أن تحبسَ بين ظَهْرانَيْ أهله" رواه أبو داود (٤) . وصونًا له عن التغيُّر إنْ ماتَ غيرَ فجأةٍ.
- vol. 3, p. 228
وإنفاذُ وصيَّتِه، ويجبُ في قضاءِ دينه.
-
فصل
وغَسْلُ الميتِ، وتكفينُه، والصَّلاةُ عليه،
(و) سُنَّ إسراعٌ بـ (نفاذِ وصيَّتِه) لما فيه مِنْ تعجيلِ أجْرهِ.
-
(ويجبُ) الإسراعُ (في قضاءِ دينِه) أي: الميِّتِ ولو لله تعالى؛ لأنَّ تأخيرَه مع القُدْرة ظلمٌ لربِّه (١) ، فيقدَّم حتى على الوصيَّة؛ لحديثِ عليٍّ: "قضى رسولُ الله ﷺ بالدَّين قَبْلَ الوصيَّة" (٢) .