كتاب الوقف

48 paragraphs · vol. 4, p. 99

Page 1 of 2

  1. يصحُّ بفعلٍ دالٍّ عليه عرفًا، كجَعْل أرضِه مسجدًا ويَأذَن للناس [في الصّلاة] (١) فيه، ومقبرةً ويأذن في الدَّفْنِ فيها،

    كتابُ الوَقف

    مصدر: وقَفَ الشيءَ؛ بمعنى حَبَسَه، وأحْبَسه، وحبَّسه (٢) ، وسبَّله. وأوقَفَه لغةٌ شاذَّة.

    vol. 4, p. 99
  2. وهو مما اختصَّ به المسلمون (٣) ، ومِنَ القُرَب المندوبِ إليها.

  3. وهو شرعًا: تحبيسُ مالكٍ مطلقِ التصرُّف مالَه المنتفَع به مع بقاءِ عَينِه بقَطعِ تصرُّفِه وغيرِه في رقبته (٤) ، يُصرفُ ريعُه إلى جهةٍ بِرٍّ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى.

  4. (يصحُّ) الوقفُ (بفعلٍ دالٍّ عليه عُرْفًا، كجعل أرضِه مسجدًا) بأن يبني بُنيانًا على هيئة المسجدِ (ويَأذَنَ للناس في الصَّلاة فيه) إذنًا عامًا (٥) ، ولو بفتحِ الأبوابِ، أو (٦) التَأذينِ، أو كتابتِه لَوْحًا بالإذِنِ أو الوَقْف.

    قال الحارثي: وكذا لو أدخلَ بيتَه في المسجدِ وأذِنَ فيه، ولو نوَى خلافَه. نقله أبو طالب. أي: لا أثَرَ لنيّتهِ، خلافُ ما دلَّ عليه الفعل.

  5. (أو) جعلَ أرضَه (مقبرةً ويأذنَ) للناس في (الدّفْنِ فيها) إذنًا عامًّا، بخلافِ الخاصٍّ، فقدْ يقعُ على غيرِ الموقوف؛ فلا يفيدُ دلالةَ الوقف. قاله الحارثيّ.

  6. وقولٍ، وصريحُه: وقفتُ، وحبستُ، وسبَّلْتُ. وكنايتُه: تصدَّقْتُ، وحرَّمْتُ، وأبَّدْتُ، ينعقدُ بها مع نيَّة، أو قَرنها بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ، أو حكمِ الوَقْفِ.

    vol. 4, p. 100
  7. وتُشترط مصادفته (١) عَيْنًا ينتفعُ بها مع بقائِها، كعقارٍ، وحيوانٍ، وكتبٍ، ونحوها.

  8. (و) يصحُّ بـ (قولٍ) وإشارةٍ مفهمةٍ من أخرسَ. (وصريحُه) أي: القولِ: (وقفْتُ، وحَبسْتُ، وسبَّلْتُ) فمتى أتَى بصيغةٍ منها، صارَ وَقفًا من غيرِ انضمامٍ أمرٍ زائدٍ. (وكِنايته: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدت) لأنَّه لم يثبت لها فيه عُرفٌ لغويٌّ ولا شرعيٌّ، ولا (ينعقدُ) الوَقفُ (بها) إلا (٢) (مع نيَّة) الوَقْف، فمَن أتى بكناية، واعترفَ أنه نوى بها الوَقفَ، لَزِمَه حُكمًا، وإن قال: ما أردتُ الوقْفَ. قُبِلَ قولُه (أو قَرنها) أي: الكناية في اللّفظِ (بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ) وهي الصّرائِحُ الثلاثُ والكنايتان (٣) : كتصدّقت بكذا صدقةً موقوفةً، أو محبَّسةً، أو مسبَّلةً، أو محرَّمةً، أو مؤبدَةً؛ لأنَّ اللفظَ يترجَّحُ بذلكَ لإرادةِ الوَقفِ (أو) قَرن الكناية بـ (حُكْمِ الوَقْف) كتصدَّقتُ به صدقةً لا تباعُ، أو: لا تُوهَبُ، أو: لا تُورَثُ، أو: على قبيلةِ أو طائفةِ كذا؛ لأن ذلك لا يُستعملُ في غيرِ الوَقفِ. وكذا تصدّقتُ بداري على زيدٍ، والنَّظَرُ لي أيامَ حياتي، أو ثم مِن بعدِ زيدٍ على عمروٍ، أو على ولدِه ونحوِه.

  9. (وتُشترطُ) أربعةُ شروطِ في الوَقفِ:
  10. الأولُ: (مصادفتُه عَينًا) يصحُّ بيعُها و (يُنتفَعُ بها مع بقائها) أي: العينِ عُرفًا، كإجارةٍ أو مُشاعًا منها (كعَقارِ، وحيوانٍ، وكتبٍ، ونحوها) كسلاحٍ وأثاثٍ.

  11. وأنْ يكونَ على بِرٍّ، كمساجدَ، وقناطرَ، وفقراءَ، ونحوِهم، لا كنيسةٍ ونَسخِ توراةٍ ونحوها.

    vol. 4, p. 101
  12. ويصحُّ على ذِمِّيٍّ معيَّن، وكذا الوصيةُ، لا على مَلَكٍ، أو بهيمةٍ، أو حَمْل، ويدخلُ تبعًا.

  13. (و) الشرطُ الثاني: (أن يكونَ على بِرٍّ) إذا كان على جهةٍ عامّةٍ (كمساجدَ، وقناطرَ، وفقراء ونحوِهم) كسِقاية، وكتبِ علمٍ.

  14. و (لا) يصحّ على (كنيسةٍ) وبيتِ نارٍ (ونَسْخِ توراةٍ ونحوِها) كإنجيلٍ ولو من ذِمّيّ، بل على المارِّ بها من مسلمٍ وذِمِّيٍّ.

  15. (ويصحُّ) الوقفُ ولو من مسلم (على ذمِّيٍّ معيَّنٍ) لما رُوِيَ أنَّ صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجةَ النبي ﷺ وقفتْ على أخٍ لها يهوديّ (١) . ولأنَّه تجوزُ الصَّدقةُ عليه ولو أجنبيًا. ويستمر له إذا أسلم، ويلغُو شرطُه ما دام كذلك.

  16. (وكذا) تصح (الوصيةُ) لذّمّي معيّن ولو من مسلم.

  17. الشرطُ الثالث: كوْنُه على معيَّن من جهةٍ، أو شخصٍ يملكُ مِلكًا ثابتًا، فلا يصحُّ على مجهولٍ أو مُبهم، و (لا على) من لا يملكُ كـ (مَلَك) بفتح اللام أحدِ الملائكة (أو بهيمةٍ أو حَملٍ) أصالةً، كوقفِ دارِه على ما في بَطنِ هذه المرأةِ، أو على مَنْ سيولد لي أو لفلانٍ، بل تبعًا، كعلى أولادي، أو أولادِ فلانٍ، وفيهم حمل، فيصحُّ.

  18. (ويدخلُ) الحَمل فيهم، كمن لم يُخلَق من الأولاد (تبعًا) .

  19. ولا يشترط قبولُه ولا إخراجُه عن يدِه. والوقفُ على نفسه، يُصرفُ في الحال لمن بعْدَه.

    vol. 4, p. 102
  20. فصل

    يُرْجعُ لشرطِ واقفٍ في قَسْمِه (١) ، وتقديم،

    الشرطُ الرابعُ: أن يقفَ ناجزًا، فلا يصحُّ مؤقتًا ولا معلَّقًا إلا بموتٍ.

  21. وشَرطُ بيعِه أو هبتِه متى شاء، أو خيارٍ فيه، أو تغييرِ شَرْطٍ، أو توقيتِه، مبطلٌ للوقف.

  22. (ولا يُشترطُ) للزومِ الوقف (قبولُه) ولو على معيَّن (ولا إخراجُه عن يدِه) لأنَّه إزالةُ مِلْكِ يمنعُ البيعَ؛ فلم يُعتَبر فيه ذلك، كالعِتْقِ.

  23. (و) لا يصحُّ (الوقفُ) عندَ الأكثرين (على نفسِه) لأنَّ الوقفَ تمليك إمّا للرقبةِ أو للمنفعةِ، ولا يجوزُ له أن يملكَ نفسَه، و (يُصرف) الوقفُ على النفس (في الحالِ لمن بعدَه) فمن وقَف على نفسه، ثم أولادهِ أو الفقراء صُرِفَ في الحال إلى أولادِه أو الفقراء؛ لأنَّ وجودَ مَن لا يصحُّ الوقفُ عليه كعدمِه، فكأنَّه وقَفَه ابتداءً على مَن بعدَه، فإن لم يذكر غيرَ نفسِه، فملكُه بحالِه ويورَثُ عنه.

  24. فصلٌ

    (يُرْجعُ) بالبناء للمفعول، وجوبًا (لشرطِ واقفٍ) لأنَّ عمرَ رضي الله عنه شَرَطَ في وقْفِه شروطًا (٢) . فلو لم يجبْ اتباعُها، لم يكن في اشتراطِها فائدةٌ (في قَسْمِه) أي: الوقف، كجَعلِه لواحدٍ النصفَ، ولآخَرَ الثُّلثَ، ولآخَرَ السدسَ.

  25. (و) في (تقديم) بعضِ أهله، كوقَفْتُ على زيدٍ وعمرٍو وبَكرٍ، ويبدأ بالدَّفع إلى

    vol. 4, p. 103ونظرٍ، ومدَّةِ إجارة (١) وغيرِها، فإن أطلق، سوِّي بين الموقوف عليهم.

  26. والنظرُ لموقوفٍ عليه كلٌّ على حصَّتِه.

  27. زيدٍ، والمرادُ إذا كان للمقدَّم شيءٌ مقدَّر، فحينئذٍ إنْ كانتِ الغَلَّةُ وافرةً، حصلَ بعدَه فَضل، وإلا، فلا. قاله في "الإقناع" (٢) .

  28. (و) في (نَظرٍ) بأن يقول: الناظرُ على وقفي فلانٌ؛ لأنَّ عمرَ رضي الله عنه جعلَ وقْفَه إلى بنتِه حفصةَ تَلِيه ما عاشت، ثم يليه ذو الرَّأي من أهلِها (٣) .

  29. (و) في (مدَّةِ إجارة) الوَقف، فلو شَرط أن لا يؤجرَ أبدًا، أو إلا مدَّةَ كذا، عُمل به إلا عندَ الضرورة، فيُزَادُ بحَسبَها (٤) .

  30. (و) يُرجعُ إلى شرطِ واقفٍ في (غيرِها) أي: غيرِ المذكورات، كشرطِه أنْ لا ينزلَ فيه فاسقٌ أو شرير أو متَجوِّه (٥) ونحوه.

  31. (فإنْ (٦) أطلقَ) في الموقوفِ عليه ولم يشترط وَصفًا (سُوّي (٧) بين الموقوفِ عليهم) الغني والفقيرِ، والذكَرِ والأنثى (والنظرُ) فيما إذا لم يشترطِ الواقفُ ناظرًا، أو شُرِطَ (٨) لإنسانٍ ومات (لموقوفٍ (٩) عليه) معين؛ لأنَّه ملكه، وغَلَّتُه له. فإن كان واحدًا، استقل به مطلقًا (١٠) ، وإن كانوا جماعةً، فهو بينَهم، ينظرُ (كلٌّ) منهم (على) قَدر (حصَّتِه) ومَنْ كان منهم صغيرًا أو نحوَه، قام وليُّه مقامَه، وإنْ كان الوقفُ على

    vol. 4, p. 104ومَنْ وقفَ على ولدِه ثَّم المساكين، شملَ أولادَه الذُكورَ والإناثَ بالسَّوية، ثم أولادَ بَنيه وإنْ نزلوا طبقةً بعد طبقةٍ، دونَ أولادِ بناته، وكذا لو وقفَ على ذرّيَّتِه، أو نَسْلِه، وعَقِبه، فلا يدخلُ ولدُ بناتٍ إلَّا بنصٍّ أو قرينةٍ. وعلى بَنِيه أو بني فلان، فلذكورِهم.

  32. مسجدٍ (١) ، أو مَنْ لا يُمكنُ حَصْرُهم كالمساكين، فللحاكم.

  33. (ومَن وَقَفَ على ولدِه) أو أولادِه، أو ولدِ ولدهِ (ثم المساكين، شَمِل أولادَه) الموجودين حين الوَقْفِ، وكذا يدخلُ ولدٌ حَدَث، بأن حمَلتْ به أمه بعدَ الوَقفِ، كما اختارَه في "الإقناع" (٢) خلافا "للمنتهى" (٣) (الذكورَ، والإناثَ) والخَناثى؛ لأنَّ اللفظَ يشملُهم (بالسَّويَّة) لأنَّه شَرك بينهم، وإطلاقُها يقتضي التَّسويةَ كما لو أقر لهم بشيءٍ، ولا يدخلُ فيهم الولدُ المنفي بلعانٍ (ثمَّ) بعدَ أولادِه يشمَلُ (أولادَ بَنِيه وإن نزلوا) لأنَّهم أولادُه، ويستحقُونه مرتَّبًا (طبقةً بعد طبقة) فيَحْجُبُ أعلاهم أسفلَهم (دونَ أولادِ بناته) فلا يشملهُم الوقفُ؛ لعدمِ دخولِهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] .

  34. (وكذا لو وقفَ على ذُريتِه، أو نسْله وعَقِبه، فلا يدخلُ) فيهم (ولدُ بناتٍ إلا بنَصٍّ) كقولِه: على أولادي، ثم أولادِهم الذكورِ والإناثِ (أو قرينةٍ) كقولهِ: وقفتُ على أولادي فلانٍ وفلانٍ وفلانة ثم أولادِهم، أو مَنْ مات منهم، فنصيبُه لولَدِه. والعطفُ بـ "ثُمَّ" للترتيب؛ فلا يستحق البَطْنُ الثاني شيئًا حتَى ينقرِضَ الأولُ. إلا أنْ يقولَ: مَنْ مات عن ولدٍ، فنصيبُه لولده. والعطف بـ "الواو" للتشريك.

  35. (و) لو قال: (على بَنِيه، أو بني فلان، فـ) الوقفُ (لذكورِهم) خاصَّةً؛ لأنَّ لفظَ البنين وضِعَ لذلك حقيقةً.

  36. إلا أنْ يكونوا قبيلةً. وعلى قرابتِه أو أهلِ بيته أو قومِه، فلذكرٍ وأنثى من أولادِه وأولادِ أبيه وجَده وجَد أبيه.

    vol. 4, p. 105
  37. وإنْ وقف على مَنْ يمكنُ حَصْرُهم، وجب تعميمُهم والتَّسْويةُ بينهم،

    (إلا أنْ يكونوا قبيلةً) كبني هاشم وتميم، فيدخلُ فيه النساءُ؛ لأنَّ اسمَ القبيلةِ يشملُ ذَكَرَها وأنثاها، ولا تشملُ القبيلةُ أولادَ النساءِ مِنْ غيرهِم.

  38. (و) لو قال: (على قرابتِه) أو قرابةِ زيدٍ (أو أهلِ بيتِه، أو قومهِ، فـ) الوقفُ (لذَكَرٍ وأنثى مِن أولادِه وأولادِ أبيه) وهم إخوتُه وأخواتُه (و) أولادِ (جَده) وهم أبوه وأعمامُه وعماتُه (و) أولادِ (جد أبيه) وهم جده وأعمامُ وعمَّاتُ أبيه فقط؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يجاوزْ بني هاشمٍ بسهمِ ذوي القُربى (١) . فلم يُعْطِ مَنْ هو أبعدُ، كبني عبد شمسٍ، وبني نَوفل شيئًا، وإنَّما أعطى بني المطلب؛ لأنَّهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام (٢) .

  39. ولم يُعْطِ قرابتَه من جهةِ أمه وهم بنو زهرةَ شيئًا.

  40. ويستوي فيه الذَّكَرُ والأنثى، والكبيرُ والصغيرُ، والقَرِيبُ والبَعِيدُ، والغني والفقيرُ؛ لشمولِ اللفْظِ لهم، ولا يدخلُ فيهم مَنْ يخالفُ دينَه.