باب الهبة
24 paragraphs · vol. 4, p. 109
- vol. 4, p. 109
لا تصح في مجهولٍ غيرِ ما تعذَّر عِلْمُه. وتنعقدُ بإيجابٍ وقَبولٍ وبمعاطاةٍ، وتلزمُ بقَبْض بإذْنِ واهبٍ، ويقومُ وارثُ واهبٍ مَقامه.
-
وتصح البراءةُ من الدَّين بكلّ لفظٍ دلَّ عليها
[باب الهبة]
-
أصلُها من هبوبِ الريحِ، أي: مرورِه، يقال: وهبتُ له وَهْبًا -بإسكان الهاء وفتحِها- وهِبَةً، والاتهابُ: قبولُ الهبةِ. والاستيهابُ: سؤالُ الهِبَةِ (١) .
-
وهي شرعًا: تمليكُ جائزِ التَّصرفِ مالًا معلومًا، أو مجهولًا تعذَّر عِلْمُه، موجودًا مقدورًا على تَسْليمِه، غيرَ واجبٍ في الحياةِ بلا عِوَضٍ، بما يُعَدُّ هبةً عُرْفًا.
-
فـ (لا تصحُّ في مجهولٍ) كحَمْلٍ في بطنٍ، ولَبَنٍ في ضَرعٍ (غيرِ ما تعذَّر عِلْمُه) كما لو اختلط مالُ اثنين على وجهٍ لا يتميّز، فوهبَ أحدُهما لرفيقهِ نصيبَه منه (٢) ، فيصحُّ للحاجةِ، كالصُّلْح.
-
(وتنعقدُ) هِبةٌ (بإبجابٍ وقَبولٍ) بأن يقولَ: وهبتُكَ، أو: أهديتُكَ، أو: أعطيتُكَ. مثلًا، فيقولُ: قَبِلتُ، أو: رضيتُ، ونحوه.
-
(و) تنقعدُ (بمعاطاةٍ) دالةٍ عليها؛ لأنَّه رضي الله عنه كان يُهدِي ويُهدَى إليه، ويفرق الصدقات، ويأمرُ سُعاته بأخذِها وتفريقِها، وكان أصحابُه يفعلون ذلك، ولم يُنقل عنهم إيجاب ولا قبولٌ، فتجهيزُ نحوِ بنتِه بجَهازٍ إلى بيتِ زوجٍ، تمليكٌ.
-
(وتلزمُ) هبةٌ (بقبضِ) متَّهبٍ أو وكيلِه (بإذن واهبٍ) فلا تصح بدونه. ولواهبٍ رجوع في هبةٍ وإذنٍ قبلَ قبضٍ (ويقومُ وارثُ واهبٍ) ماتَ قبلَ قبضٍ، أذِن فيه أولا (مَقامَه) في إذنٍ ورجوع.
-
(وتصح البراءةُ من الدين بكل لفظٍ دلَّ عليها) أي: على البراءةِ، كلفظِ إحلالٍ،
vol. 4, p. 110ولو مجهولًا، أو لم يَقْبل مدينٌ، وما صح بيعُه، صحَّتْ هبتُه.
-
ويجبُ التعديلُ في عطية بين وراثِه بقدرِ إِرْثهم، فإنْ فضل، سوى برجوعٍ أو زيادة،
أو صدقةٍ، أو إسقاطٍ، أو تَركٍ، أو عفوٍ ونحوه (ولو) قبلَ حلولِ الدين، أو كان (مجهولًا) بأنْ جَهِل رب الدينِ قَدْرَه وصفتَه، إلا إن عَلِمه مدين فقط وكتمه؛ خوفا من أنَّه إنْ أعلَمَه (١) ، لم يُبرِئه (أو) أي: وتصح (٢) البراءةُ من الدين ولو (لم يَقْبل) البراءةَ (مدينٌ) لأنَّها لا تفتقرُ إلى قبولٍ، كعِتقٍ وطلاقٍ، وكذا لو رد مدين، بخلاف هبةِ العَينِ؛ لأنَّه تمليكٌ.
-
(وما صح بيعُه) من الأعيان (صحت هبتُه) لأنها تمليك في الحياة، فتصح فيما يصح فيه البيعُ. وما لا يصح بيعُه، لا تصح هبتُه، كأم الولد. ويجوز نقلُ اليدِ في كلبٍ ونحوه مما يُباحُ الانتفاعُ به، وليس هبةً حقيقةً.
-
ولا تصح معلقةً ولا مؤقتةً إلا نحو: جعلتُها لكَ عُمرَكَ، أو: حياتَكَ، أو: عُمري، أو: ما بقيت. فتصح، وتكونُ لموهوبٍ له ولورثتِه بعدَه.
-
(ويجبُ التعديلُ في عطية) شيءٍ غيرِ تافهٍ (بين وُرَّاثِه) بقرابةٍ، من ولدٍ وغيرِه (بقدرِ إِرْثهم) اقتداءً بقسمةِ الله تعالى، أو قياسًا لحالِ الحياة على حالِ الموت (فإنْ فضَّل) بعضَهم، بأنْ أعطاه فوقَ إرثه أو خصَّه (سوَّى) وجوبًا (برجوعٍ) حيثُ أمكنَ (أو زيادةِ) مفضولٍ؛ ليُساوِي الفاضلَ، أو إعطاءِ محرومٍ؛ ليساوي من خُصِّصَ؛ لقوله ﷺ : "اتقوا الله واعدِلُوا بين أولادِكم" متَّفَقٌ عليه (٣) .
-
وتحرُم شهادةٌ على تخصيصٍ أو تفضيلٍ، تحمُّلًا وأداءً إنْ عَلِمَ، وكذا كلُّ عقدٍ
vol. 4, p. 111فإنْ مات قبلَه، ثبتتْ لآخِذٍ، ولا رجوع لواهبٍ في هبةٍ لازمةٍ غيرِ أبٍ وزوجةٍ وَهَبَتْه بسؤالِه، ثم ضرَّها بطلاقٍ ونحوِه.
-
ولأبٍ تملُّك مِنْ مالِ ولدِه ما لا يحتاجُه.
-
فاسدٍ عندَه مختلَف فيه.
-
(فإن مات) واهبٌ (قبلَه) أي: قبلَ رجوع أو زيادةٍ (ثبتت) عطية (لآخِدٍ) فليسَ لبقيةِ ورثةٍ (١) رجوع، إلا أنْ تكونَ بمرضِ موت مَخُوفٍ، فتقفُ على إجازةِ البقية.
-
(و) يحرُمُ و (لا) يصح (رجوعٌ لواهبٍ في هبةٍ لازمةٍ) بقبض ولو نُقوطًا أو حُمُولةً في نحو عُرسٍ كما في "الإقناع" (٢) ؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائدُ في هبتِه كالكلبِ يقيء، ثم يعودُ في (٣) قَيْئِه" متَّفقٌ عليه (٤) (غير أبٍ) فلهُ الرجوعُ، قَصَدَ التَّسوية أوْلا، مسلمًا أو كافرًا؛ لقولِه ﷺ : "لا يَحِل للرجل أنْ يعطي العطية فيرجعَ، إلا الوالدَ فيما يعطي ولدَه" رواه الخمسةُ، وصحَّحه الترمذي مِنْ حديثِ عمرَ وابنِ عباس (٥) . ولا يمنعُ الرجوعَ نقصُ العين، أو تلفُ بعضِها، أو زيادة منفصلةٌ. ويمنعُه زيادةٌ متصلةٌ، وبيعُه، وهبتُه، ورهنُه، ما لم ينفك (و) غيرُ (زوجةٍ وَهَبَتْه) أي: زوجَها (بسؤالِه) إيَّاها شيئًا (ثمَّ ضَرَّها بطلاقٍ ونحوِه) كتزوجٍ عليها، فلها الرجوعُ فيما وهبته من صَدَاقٍ أو غيرِه، فإنْ لم يكن سألها، فلا رجوعَ (ولأبٍ) حر (تملُّك) أي: له أن يأخذَ ويتملَّكَ (مِنْ مالِ ولده) أي: الموافقِ له في الدين، كما نُقِل معنى ذلك -في "الإقناع" (٦) - عن الشيخ تقي الدين (ما لا يحتاجُه) الولدُ؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعا:
vol. 4, p. 112ولا يصح تصرفُه في مالِه ببيعٍ، أو عتقٍ، أو إبراءِ غريمٍ، ونحوهِ، ويملكُه بقبضِه مع قولٍ أو نيَّة، وليسَ لولدٍ مطالبةُ أبيه بدَين ونحوِه، بل بعين مالِه أو نفقةٍ واجبةٍ.
-
"إن أطيبَ ما أكلتم مِن كَسبِكم، وإنَّ أولادَكم مِن كسْبِكم" رواه سعيدٌ والترمذيُّ وحسَّنه (١) .
-
وسواءٌ كان الأب محتاجًا أو لا، وسواءٌ كان الولدُ صغيرًا أو كبيرًا، ذَكرًا أو أنثى، وليس له أنْ يتملَّكَ ما تعلّقتْ به حاجةُ الولد، ولا ما يعطيه لولدٍ آخَرَ، ولا في مرضِ موتِ أحدِهما المخُوف.
-
(ولا يصح تصرُّفه) أي: الأبِ (في مالهِ) أي: مالِ الولدِ قبلَ تملكِه (ببيع، أو عتقٍ، أو إبراء غريمِ) ولدهِ مِنْ دَينه (ونحوِه) كهبةِ مالِ ولدِه؛ لأنَّ مِلْكَ الولدِ على مالِ نفسِه تامٌّ (ويملكُه) أي: يملك الأبُ مالَ ولدِه (بقبضِه مع قولٍ) كتملَّكْتُه (أو) بقبضِه مع (نيةِ) تملَّكٍ، فلا ينفذُ تصرُّفُه فيه قبلَ ذلك (وليس لولدٍ مطالبةُ أبيه بدَين ونحوِه) كقيمةِ مُتلَف، وأرشِ جناية؛ لما روى الخَلَّالُ (٢) : أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دَينًا عليه، فقال [رسول الله ﷺ ] (٣) : "أنتَ ومالكَ لأبيكَ" (بل) لولدٍ مطالبةُ أبيه (بعين مالهِ) الباقيةِ بيدِ أبيه (٤) (أو نفقة واجبة) فله مطالبةُ أبيه بها، وحبسُه عليها لضرورة حِفظِ النَّفس.
-
وإنْ مات الولد، فليس لورثتِه مطالبةُ الأب بدَين ونحوِه لمورِّثهم. وإنْ مات الأبُ، رجعَ الولدُ بدَيْنه في (٥) تركته.
- vol. 4, p. 113
فصل
يلزم تصرُّفُ مريضٍ غيرِ مَرَضِ موتٍ مَخُوفٍ، كصحيحٍ ولو مات منه. وإنْ كان مخوفًا، كبِرْسامٍ، وذاتِ جَنْب، ودوامِ قيامٍ، أو رعافٍ، وأوّلِ فالجٍ، وآخرِ سِلٍّ، وحُمَّى مُطبِقةٍ.
-
وما قال عدلان مِنْ أهلِ الطِّبِّ: إنَّه مَخُوفٌ. ومَنْ وقَعَ الطاعونُ ببلدِه، ومَنْ أخَذَها الطَّلْقُ حتَّى تنجوَ، فعطيَّته كوصيَّتِه