فصل في نفقة الأقارب والمماليك والبهائم

17 paragraphs · vol. 4, p. 280

  1. (تجبُ) النفقةُ كاملةً إذا كان المنفَقُ عليه لا يملكُ شيئًا، ولم يكنْ مع المنفِقِ مَن يشركُه في الإنفاقِ (لأبويه وإنْ عَلَوْا) لقولِه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] والإنفاقُ عليهما من الإحسانِ (و) تجبُ النفقةُ أو تتمَّتُها لـ (ـولدِه وإنْ سفَلَ) ذكرًا كان أو أنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (حتَّى ذي الرَّحِمِ منهم) أي: من آبائِه وأمَّهاتِه كأجدادِه المدْلين (٣) بإناثٍ، وجَدَّاتِه السَّاقِطَاتِ، ومن أولادِه كولدِ بنتٍ.

    vol. 4, p. 280
  2. (و) تجبُ النفقةُ أو تتمَّتُها لـ (ـكلِّ من يرثُه) المنفِقِ (بفَرْضٍ) كولدِ الأمِّ (أو تعصيبٍ) كأخٍ وعمٍّ لغيرِ أمٍّ. لا لمن يرثُه برَحِمٍ كخالٍ وخالةٍ سوى عمُودَيْ نسبِه كما سَبقَ.

  3. بمعروفٍ مع فقرِ مَنْ تجبُ له وعجزِه عن تكسُّبٍ، ويسارِ منفِقٍ،

    وتكونُ النفقةُ على من تجبُ عليه (بمعروفٍ) لقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجبَ على الأبِ نفقةَ الرضاعِ، ثُمّ أوجبَ على الوارثِ مثلَ ما أوجبَه على الأبِ. وروى أبو داودَ (١) أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ : من أبَرُّ؟ قال: "أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك" . وفي لفظٍ: "ومولاكَ الذي هو أدناك حقًّا واجبًا ورَحِمًا موصولًا" .

    vol. 4, p. 281
  4. ويشترطُ لوجوبِ نفقةِ القريبِ ثلاثةُ شروطٍ:
  5. الأوَّلُ: أنْ يكونَ المنفِقُ وارثًا للمنفَقِ عليه، وتقدَّمت الإشارةُ إليه.

  6. الثاني: فقرُ المنفَقِ عليه، وقد أشارَ إليه بقولِه: (مع فقرِ مَن تجبُ له) النفقةُ (وعجْزِه عن تكسُّبٍ) لأنَّ النفقةَ إنَّما تجبُ على سبيلِ المواساةِ، والغنيُّ بِملكِه أو قدرتِه على التكسُّبِ مستغنٍ عن المواساةِ، ولا يُعتبرُ نقصُه؛ فتجبُ لصحيحٍ مكلَّفٍ لا حرفةَ له.

  7. الثالثُ: غِنى منفِقٍ، وإليه أشارَ بقولِه: (ويَسارِ منفِقٍ) بأن يفضُلَ ما يُنفقُه على قريبِه عن قُوتِ نفسِه، وزوجتِه، ورقيقِه، يومَه وليلتَه، وعن كسْوةٍ، ومَسكنٍ مِن حاصلٍ (٢) في يدِه، أو متحصَّلٍ (٣) من صناعةٍ وتجارةٍ وأجرةِ عقارٍ، ونحوِها؛ لحديثِ جابر مرفوعًا: "إذا كان أحدُكم فقيرًا، فليبدأ بنفسِه، فإن كان فَضْلٌ، فعلى عيالِه، فإن كان فضلٌ، فعلى قرابتِه" (٤) .

  8. ولا تجبُ نفقةُ قريبٍ من رأسِ مالٍ، أو ثمنِ مِلكٍ، أو آلةِ صِناعةٍ؛ للضَّررِ

    vol. 4, p. 282ومن له وارثٌ غيرُ أبٍ، فنفقتُه عليهم بقدرِ إرثهِم.

  9. ويلزمُ إعفافُ من تلزمُ نفقتُه لحاجةٍ، ونفقةُ زوجتِه وظِئْرِه لحولين.

  10. ولا نفقةَ مع اختلافِ دينِ إلَّا بالولاءِ. وعليه نفقةُ رقيقِه وكسوتُه وسكناه بالمعروفِ، وألَّا يكلِّفَه مُشِقًّا كثيرًا،

    (ومن له وارثٌ غيرُ أبٍ) واحتاجَ لنفقةٍ (١) (فنفقتُه عليهم) أي: على ورَّاثِه (بقدرِ إرثهِم) منه؛ لأنَّ اللهَ تعالى رتَّبَ النفقةَ على الإرثِ بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فمن له أمٌّ وجَدٌّ (٢) ، على الأمِّ ثلثُ النفقةِ، وعلى الجدِّ الثلثان. وأمَّا الأبُ فينفردُ بنفقةِ ولدِه.

  11. (ويلزمُ إعفافُ من تلزمُ نفقتُه) فمن عليه نفقةُ زيدٍ مثلًا؛ لكونِه أباه، أو ابنَه، أو أخاه ونحوَه (٣) ، فعليه تزويجُه (لحاجةٍ، و) عليه (نفقةُ زوجتِه) لأنَّ ذلك من حاجةِ الفقيرِ (و) يجبُ على المنفِقِ على صغيرٍ نفقةُ (ظِئْرِه (٤) لحولينِ) كاملين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [٢٣٣ من سورة البقرة] .

  12. (ولا) تجبُ (نفقة) بقرابةٍ (مع اختلافِ دِينٍ) ولو مِن عمُودَيْ نَسبِه؛ لعدمِ التوارُثِ إذًا (إلَّا بالوَلاءِ) فيلزمُ مسلمًا نفقةُ عتيقِه الكافرِ وعكسهِ؛ لإرثه منه (و) يجبُ (عليه) (٥) أي: السيِّدِ (نفقةُ رقيقِه) ولو آبقًا، أو ناشزًا طعامًا من غالبِ قوتِ البلدِ (و) عليه (كسوتُه وسكناه بالمعروفِ، و) على السيِّدِ (ألَّا يكلفَه مُشِقًّا كثيرًا) لقوله ﷺ : "للمملوكِ طعامُه، وكُسوتُه بالمعروفِ، وألَّا يكلَّفَ من العملِ ما لا يُطيقُ" رواه

    vol. 4, p. 283وإن طلبَ نكاحًا، زوَّجَه، أو باعَه، وإن طلبته أمةٌ، وطئَها، أو زوَّجَها، أو باعَها.

  13. وعليه علفُ بهائمِه وما يصلحُها، ولا يحمِّلُها ما تعجزُ عنه، ولا يحلبُ من لبنِها ما يضرُّ بولدِها، وإن عجزَ عن نفقتِها، أُجبرَ على بيعِها، أو إجارتها، أو ذبحِ مأكولةٍ.

  14. الشَّافعيُّ في "مُسندِه" (١) . ويريحهُ في القائلةِ، ويركبه سفرًا عُقْبَةً (٢) .

  15. (وإن طلَبَ) الرقيقُ (نكاحًا، زوَّجَه) السيِّدُ (أو باعَه) لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] .

  16. (وإن طلبَته) أي: التزويجَ (أمَةٌ، وطِئَها) السيِّدُ (أو زوَّجَها أو باعَها) إزالةً لضررِ الشَّهوةِ عنها. ويزوِّجُ أمةَ صبيٍّ أو مجنونٍ، من يلي مالَه إذا طلبتْه. وإن غابَ سيِّدٌ عن أمِّ ولدِه، زُوِّجت؛ لحاجةِ نفقةٍ، أو وطءٍ.

  17. (و) يجبُ (عليه) أي: على مالِك بهائم (علفُ بهائمِه) وسقيُها (وما يصلحُها) لحديثِ: "عُذِّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ حبستها حتَّى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمَتْها، ولا هي أرسلَتها تأكلُ من خَشَاشِ الأرضِ" متَّفقٌ عليه (٣) . (و) يجبُ عليه أن (لا يحمِّلها ما تعجزُ عنه) لئلَّا يعذِّبَها. ويَحرُمُ لعْنُها، وضَرْبُ وجهٍ، ووسمٌ فيه. (ولا يَحلبُ من لبنِها ما يضرُّ بولدِها) لعمومِ قولِه ﷺ : "لا ضَرَر ولا ضرارَ" (٤) . (وإن عجزَ) مالكُ البهيمةِ (عن نفقتِها، أُجبِرَ على بيعِها، أو إجارتها، أو ذبحِـ) ـها إن كانت (مأكولة) دفعًا للضررِ.