[تفسير قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}]

22 paragraphs · vol. 1, p. 102

  1. وَقَوْلهُمْ: هَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَل مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} .

    vol. 1, p. 102
  2. يُقَالُ: قَوْلُهُ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} . مَذْكُوْرٌ فِي مَوْضِعَينِ:

    أَحَدُهُمَا: هَذَا الموْضِعُ، وَهُوَ قَولُهُ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ} ، وَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ}.

  3. فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِين يُقَاتِلُونَ المُؤْمِنِينَ، هَمُ الَّذِين قَالَ {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ، وَهَذَا لا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ؛ بَلْ مَنْ كَانَ مِنَ المُحَارِبِينَ المُقَاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلْ حَيثُ ثَقِف، وَلَيس مِنْ حُكْمِهِ أَنْ لا يُقَاتَلَ إِلَّا فِي حَالَ قِتَالِه، بَلْ مَتَى كَانَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ

    vol. 1, p. 103الَّذي يُحِيفُ المُسْلِمِينَ، وَمنْ شأَنِهِ أَنْ يُقَاتِلَ، قُتِل قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ نَائِمًا.

  4. وَهُوَ يُقْتَلُ أَسِيرًا، فَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غَيرَ وَاحِدٍ بَعْدَ الأَسْر، مِثْل: عُقْبَة بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَالنَّضْرِ بنِ الحارِثِ (١) ، وَحَكَّمَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيظَةَ - لمَّا نَزَلُوْا - أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، فَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانُوْا مِائَتَين (٢) .

  5. ثُمَّ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللهُ حَدِيثَ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - شُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ المُشْرِكِينَ، يَبِيتُوْنَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ؟ فَقَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ" (١) .

    قَالَ: وَهَذَا لا يُنَاقِضُ نَهْيَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَان، فَإِنَّ هَذَا إِذَا أُصِيبُوْا بِغَيرِ تَعَمُّدٍ لَهمْ، وَذَاك إِذَا تَعَمَّدُوْا، فَإِنَّهُمْ لَيسُوْا كَصِبْيَانِ المُسْلِمِين وَذُرِّيَّتَهُمْ، وَلا كَأَهْلِ العَهْد، فَإِنِّ لهِؤُلاءِ عِصْمَةً مَضْمُوْنَةً، وَمُؤْتَمَنَةً بِالأَيمَانِ وَالأَمَانِ.

    vol. 1, p. 104
  6. وَنِسَاءُ أَهْلِ الحَرْبِ وِصِبْيَانُهُمْ لِيسَ لَهُمْ عِصْمَةٌ مَضْمُوْنَةٌ، وَلَكِنْ لا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ عَمْدًا، إِذَا كَانوْا لَيسُوا مِنْ أَهْلِ القِتَالِ.

  7. وِإِذَا قُتِلُوْا فِي الحِصَار وَالبَيَاتِ، فَلَيسَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَدَعُوْا

    vol. 1, p. 105مَا أُمِرُوْا بِهِ مِنْ الجِهَادِ لِئَلَّا يُصَابَ مِثْل هَؤُلاءِ (١) .

  8. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ، - إِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أَنَّهُمْ لا يُقْتَلُوْن إِلَّا حَالَ قِتَالهِمْ - فَقَدْ غَلِطَ فِي فَهْمِ الآيَة، وَكَيفَ تَكُوْنُ مَنْسُوْخَة بِقَوْلِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ! ! .

    vol. 1, p. 106
  9. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ قَائِلُ هَذَا القَوْل مِمَّنْ يُسَمِّي تَقْييدَ المُطْلَقِ وَتَخْصِيصَ العَامِ نَسْخًا، حَتَّى قَدْ يُسَمِّي الاسْتِثْنَاء نَسْخًا، وَهَذَا اصْطِلَاحُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَف، فَكُلُّ آيَةٍ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ مِنْ دَلالَةٍ أُخْرَى قَالُوْا: إِنَّها نَسَخَتْهَا، وَتَسْمِيةُ هَذَا نَسْخًا مُطَابِقٌ لِلغَة، كَمَا سَمَّى اللهُ رَفْعَ مَا أَلْقَى الشَّيطَانُ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} (١) .

    vol. 1, p. 107
  10. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُوْلُ: قَوْلُهُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (١) . مَعَ أَنَّ هَذِهِ فِي آلِ عِمْرَان، وَهِي

    vol. 1, p. 109مَدَنِيَّةٌ، وَتِلْكَ فِي التَّغَابُنِ وَهِي مَكِّيَّةٌ، أَوْ بَعْضُهَا.

    vol. 1, p. 108
  11. والنَّسْخُ هُوَ: الرَّفْعُ وَالإِزَالَةُ (١) ، فَإِذَا جَاءَتْ آيَةٌ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ دَلالَةَ تِلْكَ الآيَةِ عِلَيهَا كَانَتْ رَفْعًا لِهَذَا الظَّنِّ، وَهَذَا بَيَانٌ.

  12. وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (٢) أَنَّ النَّسْخَ هُوَ: بَيانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ العَامِ فِي الأزْمِانِ مَعْ تَرِاخِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّخْصِيص، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرَاخِي.

  13. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَابُدَّ عِنْد نُزُوْلِ المَنْسُوْخِ مِنْ الاسْتِعَارَةِ بِالنَّاسِخ، وَعَلَى هَذَا: فَالنَّسْخُ عِنْد هَؤلاءِ مِنْ جِنْسِ تَقْيِيدِ المُطْلَق، وَهُوَ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِد بِالخِطَاب، وَهَذَا النَّسْخُ لا يُنْكِر أَحَدٌ، لا اليَهُوْدُ ولا غَيرُهُمْ.

  14. وَتَسْمِيَةُ هَذَا النَّوْعِ نَسْخًا جَائِزٌ لا نِزَاعَ فِيه، لَكِنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُوْلُ: (لا نَسْخَ إِلَّا هَذَا) ، هُوَ مَحَلُّ النِّزَاع، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الأُخْرَى تَقَوْلُ فِي النَّسْخِ هُوَ: رَفْعٌ لِلحُكْمِ بَعْد شَرْعِهِ؛ وَلهِذَا يَجُوْزُ النَّسْخُ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْتِ وَقَبْلَ التَّمَكُّن، كَمَا نَسَخَ اللهُ أَمْرَ ابْرَاهِيم بِالذَّبْحِ قَبْلَ التَّمَكُّن، وَنَسَخَ الصَّلَوَاتِ مِنَ الخَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاء، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الكَلَامِ كَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْن عَقِيلٍ، وَالغَزَّالِيِّ، وأَبَي مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيّ، وَغَيرِهِمْ (١) .

    vol. 1, p. 110
  15. وَالْقَوْلُ الأَوْلُ، هُوَ قَوْلُ المُعْتَزِلَة، وَقَدْ وَافَقَتْهُمْ عَلِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِين، كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَكَأَبِي إِسْحَاق الأَسْفَرَايِنِيّ، وَأَبِي

    vol. 1, p. 111المَعَالِيِّ (١) .

  16. لَكِنَّ هَؤُلاءِ تَنَاقَضُوْا، فَإِنَّهُمْ يُجَوّزُوْنَ النَّسْخَ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَكُوْنُ بِرَفْعِ جَمِيعِ مَدْلُوْلِ الخِطَابِ (٢) ، وَطَائِفَةٌ طَرَدَتْ قَوْلَهَا كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغِيرِه، فَإِنَّ هَؤُلاءِ وَافَقُوا المُعْتَزِلَةَ فِي المَنْعِ مِنَ النَّسْخِ قَبْل التَّمَكُنِ مِنَ الفِعْل، وَقَبْلَ

    vol. 1, p. 112حُضُوْرِ الوَقْتِ، وَهَذَا فِي الحقِيقَةِ مُوَافَقَةٌ مِنْهُمْ لَمِنْ مَنَعَ النَّسْخَ مِنَ اليَهُوْدِ.

  17. وَمَنْ حُكِيَ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ المَنْعُ مِنَ النَّسْخِ كَأَبِي مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيِّ (١) ، فَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ إِذَا كَان التَّخْصِيصُ المُتَّصِلُ لا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ مِنْ عُقَلاءِ بَنِي آدَمَ.

  18. وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ مَوْرِدِ الخِطَاب، وَلَا فِي النَّسْخ، كَأَبِي الحُسَينِ البَصْرِيّ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: لابُدَّ إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَخَهُ فِيمَا بَعْدُ - أَنْ يُشْعِرَ المُخَاطَبِينَ بِنَسْخِهِ؛ لئَلَّا يُفْضِي إِلَى

    vol. 1, p. 113تَجْهِيلِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ (١) .

  19. وَالجُمْهُوْرُ يَقُوْلُونَ: مَنِ اعْتَقَدَ تَأْبِيدَهُ بِغَيرِ دَلِيلٍ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَأُتِيَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ.

  20. فَالَّذِينَ قَالُوْا: هَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} قَدْ أَرَادُوْا: أَنَّ قَوْلَهَ: {وَاقْتُلُوهُمْ} بيَّنَ مَعْنَى قَوْلَهُ: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، وَنَسَخَ مَا يُظَنُّ مِنْ أَنَّهَمْ لا يُقَاتَلُونَ إِلَّا حَالَ المُسَايَفَة، وَهَذَا مَعْنَى صَحِيحٌ لا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ.

  21. وَأَمَّا قَوْلٌ مَنْ قَالَ: {وَلَا تَعْتَدُوا} مَنْسُوخٌ.

  22. فَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الاعْتِدَاءَ هُوَ الظُّلْمُ (٢) ، وَاللهُ لا يُبِيحُ الظُّلْمَ

    vol. 1, p. 114قَطٌّ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالنَّسْخِ بَيَانُ الاعْتِدَاءِ المُحَرَّم، كَمَا تَقَدَّمَ.