الباب الأول: في قياس الطرد

209 paragraphs · vol. 1, p. 652

Page 2 of 6

  1. ومن أمثال هذا القسم: الشفعة في العقار، فإنها معقولة المعنى، وهو لحوق نوع من الضرر بالشريك، في العقار، لا يشترك مع العقار فيه، غيره.

    vol. 1, p. 666
  2. ومن أمثاله: ابتداء المدعين في القسامة بالأيمان: تحصينا للدماء، لغلبة الخفية والغيلة في القتل، بحيث يعسر الإشهاد، والقاتل يستخف الأيمان كما يستخف القتل، ويصر على الإنكار في غالب الأمر، فلذلك ابتدأ المدعون في القسامة بالأيمان، وقد يكون هذا مما يجتمع فيه عدة مناسبات، فيكون من الثاني.

  3. وأما الثاني: وهو ما تجتمع فيه عدة مناسبات، لا تجتمع في غيره، فكضرب الدية على العاقلة في قتل الخطأ، فإنه معقول المعنى، ولذلك كانت تفعله الجاهلية قبل الشرع، وكان الشرع مقرا له، ووجه المصلحة فيه أن الحاجة ماسة إلى مخالطة السلاح وتعلم الحرب والطعان والضراب بها حتى أبيح الصيد من غير ضرورة ولا حاجة، بل لما في ذلك من حصول آلة الحرب، ولما كانت النفس جريرة خطيرة لا تهدر، ولم يتعمد القاتل جناية القتل، فلو أقدناه به أو حملناه المال كله عليه لقطع مخالطة السلاح حتمًا لما يتوقف من ذلك، فكان من النظر السديد ضرب الدية على العاقلة إذ لا كبير حيف عليهم في ذلك لخفتها عليهم بالتوزيع، مع أن ذلك ينجبر بما بينهم من التعاضد والتناصر الذي جبلت عليه القبائل فيما بينها، ولهذا

    vol. 1, p. 668المعنى أيضا أجازت السنة شهادة الصبيان في اللعب، وأمثال هذا كثير.

    vol. 1, p. 667
  4. فهذا معنى هذا الشرط الثالث، ويعبر عنه الأصوليون بأن لا يكون معدولا به عن سسن القياس.

  5. الشرط الرابع: أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعًا عن اصل آخر.

  6. واعلم أن هذا الشرط قد اعتبره الأصوليون، ونقلوا عن الحنابلة

    vol. 1, p. 669وأبي عبد الله البصري من المعتزلة: أنه ليس بشرط، وهو عندنا في المذهب ليس بشرط، بل يجوز عندنا القياس على أصل ثبت حكمه بالقياس على أصل آخر، ومثاله: قياس جمهور أصحابنا قول القاتل لزوجته: أنت طالق، إذا حضت على قوله: أنت طالق رأس الشهر، ثم إنهم يحتجون على حكم الأصل بقياسه على نكاح المتعة، والعلة في ذلك: أن المعنى المقصود من النكاح وهو المودة وحسن الألفة والعشرة لا يفضي إليه النكاح إلا بالتأبيد، أما مع توقع الفراق عند حصول الأجل قطعًا أو ظنا، فذلك مخل لما يقصد من النكاح، وهو المودة وحسن الألفة،

    vol. 1, p. 670وهذا المعنى لما لم يكن هو المقصود من الملك، بل المقصود منه ما لا يخل بالمؤجل كالهبة والاستخدام جاز تعليق العتق بأجل محقق.

  7. والأصوليون يرون أن العلة الجامعة بين الوسط وأحد الطرفين، إن كانت بعينها موجودة في الطرف الآخر فذلك الوسط لغو، ومثال ذلك قياس السفرجل على التفاح في الربا بجامع الطعم، فإذا منع له حكم الربا في التفاح أثبته بالقياس على البر، فيقال له: جعل التفاح أصلا لعو، بل كان ينبغي أن تقيس السفرجل على البر، وتستغني عن ذكر التفاح

    وهؤلاء يرون أن ركن الدليل لا يجوز أن يكون لغوا.

  8. وأما إن كانت العلة بين الوسط وأحد الطرفين غير العلة بين الوسط

    vol. 1, p. 671والطرف الآخر، فإن الوصف الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع، ولا يصح إلحاقه بالأصل الوسط، والوصف الجامع بين الفرعين ليس هو العلة في الفرع الوسط، فلا يكون علة في الفرع المقيس.

  9. ومثاله: لو قاس قائس، الطحلب والمكث إذا تغير بهما الماء على ما تغير بالتراب الجاري هو عليه في الطهورية، بجامع غلبة التغيير وضرورة الحاجة إليه، فإذا منع له حكم الأصل قاسه على الماء إذا صب على الماء، فإنه طهور وخالطه طهور، فالجامع طهورية المخالط.

  10. الشرط الخامس: أن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين، بناء من كل فريق على أن وصفه هو العلة، فإن مثل هذا لا يثبت به حكم الأصل.

  11. ومثاله: قياس أصحابنا قاتل العبد في أنه لا يقتل به على قاتل المكاتب، فإن الحنفية يوافقون أصحابنا على أن قاتل المكاتب لا يقتل، لكن العلة عند أصحابنا في ذلك، كون المقتول عبدا، وألحقوا به قاتل العبد القن، والعلة عند الحنفية: جهل المستحق لدمه، وذلك أنه لما عقد الكتابة فهو متردد بين الرق والحرية، فإن أدى نجوم كتابته عتق وإلا رق، فإذا مات تعذر علينا استطلاع عاقبته من عتق أو رق، فتردد دمه بين السيد وبين الورثة.

    قالت الحنفية: فهذه العلة التي أبديناها إن صحت بطل قياس قاتل العبد على قاتل المكاتب، لأن قاتل العبد معلوم فيه المستحق لا مجهول، وإن لم تصح هذه العلة منعنا حكم الأصل المقيس عليه وهو قاتل المكاتب، وقلنا حينئذ: يقتل قاتل المكاتب فإذن لا يثبت حكم الأصل بمثل هذا الاتفاق.

    vol. 1, p. 672
  12. ومثل هذا يسميه الأصوليون: بالقياس المركب، ولو أثبت أصحابنا حكم المكاتب بنص لصح القياس.

    vol. 1, p. 673
  13. [الركن الثاني: العلة]

  14. والكلام في شروطها، وفي مسالكها، وهي ما ثبتت بها كون الوصف علة.

  15. وأما شروطها: فلنعقد بها مسائل:

    المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا، وذلك كما نعلل وجوب الزكاة بملك النصاب، ونعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان.

  16. وأما تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي ففيه خلاف بين أئمة الأصول.

  17. ومثاله: قياس أصحابنا الحاضر الصحيح في وجوب التيمم عليه على المسافر عند عدم الماء، فيقول: الحاضر لا ماء عنده فيجب عليه التيمم قياسًا على المسافر، فيقال: عدم الماء ليس علة في وجوب التيمم فإن الوصف العدمي لا يكون علة في الحكم الوجودي.

    vol. 1, p. 674
  18. وكذلك - أيضا - لا يكون جزء من العلة، كجعل الطواعية جزء من علة القصاص فلذلك لم توجب الحنفية قصاصا على المكره لفقد علة القصاص لفقد جزئها وهو الطواعية.

  19. وأما أصحابنا فيقولون: الطواعية في نفسها عدمية، لأنها عبارة عن

    vol. 1, p. 675عدم الإكراه، والعدم لا يكون علة ولا جزء علة، وإلى هذا ذهب جماعة من المحققين أعني أن العدم لا يكون علة ولا جزء علة.

    قالوا: لأن العلة لا بد وأن تشتمل في نفسها على مصلحة تحصل عند مشروعية الحكم، والعدم في نفسه لا يكون مشتملا على مصلحة.

  20. وأما تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي فهو بالتعليل المانع، لكن الأصوليين اختلفوا: هل من شرط التعليل بالمانع وجود المقتضى أو ليس من شرطه؟

  21. فالأكثر على أن وجود المقتضى شرط، لأن الحكم إذا لم توجد العلة فيه يكون انتفاؤه لانتفائها لا لوجود المانع.

  22. وهذا كثيرا ما يقع في الجدل، وتتعلق به أبحاث كثيرة في كل مسألة ينفي فيها الحكم بالقياس على مسألة أخرى، ويجمع بينهما بوصف وجودي.

    vol. 1, p. 676
  23. ومثاله: قول أصحابنا في الحلي: مال متخذ للقنية والامتهان، فلا تجب فيه الزكاة قياسًا على الثياب والعبيد.

  24. فيقول الحنفي: قد عللتم بالوصف الوجودي - وهو الامتهان - في الحكم العدمي - وهو عدم وجوب الزكاة - فلا يصح ذلك إلا بعد أن تبينوا أن ذلك الوصف هو المانع من الزكاة، وفي ضمن دعواكم كونه مانعًا تسليمكم أن المقتضى موجود في صورة النزاع، فقد كفيتمونا

    vol. 1, p. 677مؤونة إثبات علة وجوب الزكاة في صورة النزاع، وادعيتم أن المقتضى موجود في الأصل المقيس عليه، فعليكم بيان ذلك.

  25. والجواب عند أصحابنا: أن المال نعمة تستحق شكرا، والإخراج منه لحق المنعم شكر، والزكاة إخراج منه فكانت شكرا، فصلح أن يكون ذلك المال في نفسه موجبًا للزكاة.

  26. المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا، لأن الحكم في نفسه غيب، فإذا كان الوصف أيضا غيبا عنا لم يصح التعليل له، لأن العلة معرفة، والغيب لا يعرف الغيب، وهذا كما نعلل القصاص بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: العمد من أفعال النفوس، وهو خفي لا يصح اعتباره في العلة بالاستقلال ولا بالجزئية، نعم، يعتبر عوضا منه ما يظن وجوده عنده ويسمى الوصف المشتمل عليه {مظنة} .

  27. ومثاله: إذا عللنا نقل الملك في العوضين بالتراضي بين المتبايعين، وقد قال تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لكن الرضا وصف خفي، لأنه من أفعال النفوس، فيتعذر اعتباره بنفسه، ويرجع الاعتبار إلى الأمر الظاهر الدال عليه، كالإيجاب والقبول، فإن قول البائع: {بعتك} دليل على حصول الرضا منه بخروج المبيع عن ملكه، ودخول الثمن في ملكه، وكذلك قول المشتري: {قبلت} ، دليل على خروج الثمن عن ملكه، ودخول المشتري في ماله، فأناط الشرع نقل الملك بالإيجاب والقبول، ولأجل أن المعتبر عندنا ما يدل على الرضا الذي هو المقصود بالأصل في الاعتبار، وكان الفعل - أيضا - قد يدل على الرضا كدلالة القول، كالمعاطاة الحاصلة بين المتبايعين، حكم أصحابنا بأن البيع ليس من شرطه الصيغة خلافًا للشافعية فإنهم لا يحكمون بانعقاد البيع إلا بالصيغة الدالة على الإيجاب والقبول.

    vol. 1, p. 678
  28. والحنفية يفرقون بين الأشياء النفيسة فيعتبرون في بيعها الصيغة

    vol. 1, p. 679ولا يكتفون فيها بالمعاطاة، وأما الأشياء الحقيرة، فتكفي فيها المعاطاة عندهم، وهذا استحسان، ووجهه: أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة، فمن المناسب أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل تحصينًا للبيع، وصونًا له عن خلل التجاحد في الرضا.

  29. المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطًا غير مضطرب، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها.

  30. ومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها

    vol. 1, p. 680تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة بُرُد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة.

  31. المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة، ومعناه: أنه كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، والنقض: أن يوجد الوصف في صورة من الصور

    vol. 1, p. 681ولا يوجد معه الحكم.

  32. والتحقيق فيه التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عند ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة، فلذلك النقض يفسد العلة.

  33. ومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث، بأنه استعجل غرضه قبل أوانه فعوقب بحرمانه، فيطرد أصحابنا هذه العلة في الناكح في العدة، فيحكمون عليه بتأبيد التحريم، معاملة له بنقيض قصوده كما عومل القاتل لموروثه بنقيض مقصوده.

  34. فتقول الحنفية والشافعية: هذه العلة منقوضة بأم الولد إذا قتلت

    vol. 1, p. 682سيدها لاستعجال العتق فإنها تعتق، ورب الدين إذا قتل المديان لاستعجال الدين فإنه يتعجله، فقد انتقضت العلة.

  35. وأما إن كان تخلف الحكم في صورة النقض لمانع، فإن ذلك لا يبطل العلة.

  36. ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب الزكاة في مال الصبي بأنه مالك النصاب فوجب في ماله الزكاة قياسا على البالغ.

  37. فتقول الحنفية: هذه العلة منقوضة بصورة الدين، فإن المديان يملك النصاب ولا تجب عليه الزكاة.

  38. والجواب عند أصحابنا: أن الدين يمنع من وجوب الزكاة، لأنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، وحق الغرماء أقوى من حق الفقراء، لأن المستحق إذا تعين ترجح على مستحق لم يتعين.

    vol. 1, p. 683
  39. المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة، ومعناه: أنه كلما انتفت العلة انتفى الحكم، فمنهم من يشترطه، ويمنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من لا يشترطه، ويجيز تعليل الحكم الواحد بعلتين كتعليل إيجاب الوضوء بالبول والغائط والريح، وتعليل حرمة النكاح بالقرابة والصهر والرضاع.

  40. وكذلك اختلفوا إذا اجتمعت العلل هل ينسب إلى جميعها أو يبقى كل واحد منها علة كما كان حالة الانفراد.؟

    vol. 1, p. 684