الباب الأول: في قياس الطرد

209 paragraphs · vol. 1, p. 652

Page 3 of 6

  1. وعلى ذلك اختلفوا في الأولياء في النكاح إذا اجتمعوا وكانوا في درجة واحدة، فقيل: يعقدون جميعا بعقد واحد، وقيل: يعقد أي واحد منهم كما لو انفرد.

    vol. 1, p. 684
  2. وقد اختلفت الشافعية: فيمن أحدث حدثين، فنوى رفع أحدهما ونسي الآخر، فمنهم من قال: لا يجزئه، لأن كل واحد منهما له مدخل

    vol. 1, p. 685في إيجاب الوضوء، فلا يجزيء رفع احدهما عن رفع الآخر في النية، وقيل: يجزئه لتداخلهما، وأنهما في حكم الحدث الواحد، وقيل: إن نوى أول الحدثين أجزأه، لأنه الموجب للوضوء، والثاني لم يصادف محلا يوجب فيه الحكم، وإن نوى آخر الحدثين لم يجزئه، لأنه نوي ما لا تأثير له في الإيجاب.

  3. المسألة السادسة: اختلفوا في اشتراط التعدية في العلة، وهو أن توجد في محل آخر، غير محلها الذي نص الشرع عليه.

  4. فالحنفية يشترطونها، وأصحابنا وأصحاب الشافعي لا

    vol. 1, p. 686يشترطونها بل يرون أن الدليل إذا دل على اعتبارها كانت علة الحكم الثابتة في محلها سواء كانت موجودة في غيره أو لم تكن.

  5. ومثاله: تعليل أصحابنا تحريم الربا في النقدين بكونها أصلا في الثمينة، فلو دخلها الربا لافتقر إلى شيء آخر يتقومان به.

  6. فتقول الحنفية: هذه علة قاصرة، لا فائدة فيها، لأن الفائدة إن كانت في الأصل فالحكم في الأصل إنما ثبت بالنص لا بها، وإن كانت في غير الأصل فباطل، لأن الفرض أن لا فرع لها.

  7. والجواب عند أصحابنا: أن الحكم في الأصل إنما ثبت بها، بمعنى أنها الباعثة عليه، والنص معرف لا موجب.

    vol. 1, p. 687
  8. [خاتمة]

    vol. 1, p. 688
  9. اعلم أنهم اختلفوا في حكم الأصل، فأصحابنا وأصحاب الشافعي يرون أن حكم الأصل ثبت بالعلة، واصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما ثبت الحكم في الأصل لا بالعلة.

  10. فمن الأصوليين من يزعم أن الخلاف في ذلك لفظي، لا فائدة فيه، ومنهم من يني على ذلك فروعا، ويجعل الخلاف في المعنى.

    فقال: إذا احتج أصحابنا على تحريم قليل النبيذ بالقياس على قليل الخمر، فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر إنما ثبت بالنص، وإذا احتجت الحنفية على إباحة النبيذ غير المسكر: بأن على التحريم في النبيذ

    vol. 1, p. 689إنما هو الإسكار، وقد انتفي في القليل الذي لا يسكر، فيلزم أن لا يكون حرامًا، وهو خلاف الإجماع.

  11. فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر عندنا وكثيره لم يحرم بالعلة، وإنما حرم بالنص، قال: وكذلك تقول الحنفية: علة الربا في النقدين إنما هو الوزن، ويلحقون بذلك كل ما يوزن من النحاس والحديد والرصاص وغير ذلك، وما خرج عن الوزن بالصياغة كأواني النحاس والرصاص والحديد لا ربا عندهم فيه، قالوا: لأن العلة عندنا إنما هي الوزن، وقد انتفت في المصوغ.

  12. فيقول لهم أصحابنا: هذا يلزمكم فيما يصاغ من الذهب والفضة أن لا يكون فيه ربا، فللحنفية ان يقولوا: حكم الربا في النقدين ثبت عندنا بالنص لا بالعلة فخرج تحريم الربا في المصوغ منهما دون غيرهما

    وأما مسالك العلة: وهي الأدلة الدالة على أن الوصف علة في الحكم فهي خمسة مسالك.

  13. [المسلك الأول: النص]

    vol. 1, p. 690
  14. وهو قسمان: صريح وإيماء

    فالصريح: أن يأتي الشارع بصيغة العلة، كقوله سبحانه: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وكقوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم. وقوله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم، في المحرم الذي وقصت

    vol. 1, p. 691به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وكقوله في الشهداء يوم أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وجراحهم تشخب دما. فهذا وأمثاله صريح في التعليل ولذلك عدت الشافعية هذين المسلكين إلى كل محرم وشهيد.

  15. ومثله قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ملكت نفسك

    vol. 1, p. 692فاختاري"، وهو كثير.

  16. وأما الإيماء فهو مراتب.

  17. المرتبة الأولى: أن يذكر صلى الله عليه وسلم مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل، كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: إنها ليست بنجس،

    vol. 1, p. 693وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات»، فلو لم يكن التطواف علة لنفي النجاسة لم يكن لذكره مع هذا الحكم فائدة، لأنه قد علم أنها من الطوافات.

  18. ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» . فلولا أن فعلهم ذلك سبب لعنتهم لم يكن للإخبار عن فعلهم بالدعاء عليهم فائدة.

  19. المرتبة الثانية: الاستنطاق بوصف يعلمه الشارع خاليًا من التنازع ليرتب عليه الجواب، ولو لم يكن للتعليل لكان استنطاقه عن وصف يعلمه خالياً عن الفائدة.

    vol. 1, p. 694
  20. وهذ: كما سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن» .

  21. وكذلك: لما سألته الخثعمية فقالت: «يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى» .

  22. المرتبة الثالثة: أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكمًا عقب علمه بواقعة حدثت، فيعلم أن تلك الواقعة سبب ذلك الحكم.

    vol. 1, p. 695
  23. كما روي أن أعرابياً قال: يا رسول الله: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: اعتق رقبة»، فكأنه، قال: إذا واقعت فكفر.

  24. فأما الشافعية فحملته على الوقاع، وقالت: إنه العلة بنفسه في الكفارة، فلم توجبها على من أكل أو شرب في رمضان عمدًا.

  25. وأما الحنفية فأناطت الكفارة بمعنى يتضمنه الوقاع، وهو اقتضاء شهوة يجب الإمساك عنها، فإن الصيام عبارة الإمساك عن اقتضاء شهوة البطن وشهوة الفرج فلذلك أوجبوا الكفارة على من أكل عمدًا في

    vol. 1, p. 696رمضان، لما فيه من اقتضاء الشهوة التي منع الصيام منها، ولم يوجبها فيما لا شهوة في اقتضائه، كابتلاع حصاة أو نواة.

  26. وأما المالكية: فألغت الشهوة عن درجة الاعتبار، وإنما وجبت الكفارة عندهم على الجنابة على الصوم بتعمد الإفساد مطلقا فأوجبوا الكفارة بابتلاع الحصاة والنواة.

  27. وهذا يسمى عند الأصوليين بتنقيح المناط، وهو: أن يحذف من محل الحكم ما لا مدخل له فيه: ويبقى ماله فيه مدخل واعتبار، وما روي عن ابن القاسم، فيمن ابتلع حصاة فعليه الكفارة من غير قضاء بعيد في النظر، لخروجه عن المآخذ التي قدمناها.

  28. المرتبة الرابعة: أن ينقل الراوي فعلا صدر من النبي صلى الله عليه وسلم أو

    vol. 1, p. 697من غيره، فيرتب عليه حكما منه صلى الله عليه وسلم، فإنه يفيد تعليل ذلك الحكم بذلك الفعل.

  29. كقول الراوي: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، فإن هذا يشعر بأن السهو علة السجود، فلذلك لم يرتب ابن القاسم سجودا على من ترك سنة من سنن الصلاة عمدًا، خلافا لأشهب، فإنه

    vol. 1, p. 698أوجب السجود قبل السلام، نظرا منه إلى أن النقصان علة السجود، سهوا كان أو عمدًا.

  30. ومن ذلك: قول الراوي: زنى ماعز، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم،

    vol. 1, p. 699فإنه يدل على أن الزنا على الرجم، فلذلك قال ابن القاسم في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، وشهد عليه بالإحصان اثنان آخران، فرجم بشهاداتهم، ثم رجعوا جميعًا: أن الدية تجب على شهود الزنا، خلافا لأشهب، فإنه يوجب الدية على الجميع.

  31. فهذه مراتب الإيماء.

  32. [المسلك الثاني: الإجماع]

  33. وهو أن يثبت كون الوصف علة في حكم الأصل بالإجماع.

  34. ومثاله: إذا كان للمرأة أخوان، أحدهما شقيق، فهل يكون أولى بعقد النكاح عليها من الأخ للأب؟ وهذا هو اختيار ابن القاسم أن مزيد القرابة من جهة الأم سبب تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث بالإجماع، فوجب أن يكون كذلك في النكاح بالقياس عليه.

    vol. 1, p. 700
  35. ووجه روايته عن مالك: أن الأم لها مدخل في الإرث، فلذلك كان مزيد القرابة بها مرجحا فيه، ولا مدخل لها في عقد النكاح فلا يكون مزيد القرابة بها مرجحا في النكاح.

  36. [المسلك الثالث: المناسبة]

  37. وهو أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم.

  38. ومثاله: تحريم الخمر، فإن فيه وصفا يناسب أن يحرم لأجله، وهو الإسكار المذهب للعقل، الذي هو مناط التكليف وسبب اقتناء السعادتين: المعاشية والمعادية، ولذلك قال أبو زيد الدبوسي: المناسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول.

    vol. 1, p. 701
  39. ثم المناسب: إما أن ينص الشرع على اعتباره أو لا، والذي نص الشرع على اعتباره ينقسم إلى مؤثر وملائم.

  40. فالمؤثر هو الذي يكون عينه معتبرًا في عين الحكم،

    vol. 1, p. 702ومثاله قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} فإن عين الزنا معتبر في عين الجلد، وهو كثير.