الباب الأول: في قياس الطرد
209 paragraphs · vol. 1, p. 652
Page 5 of 6
- vol. 1, p. 715
ومثاله: قياس أصحاب الشافعي في بسم الله الرحمن الرحيم، أنها من القرآن في كل سورة على سائر أي القرآن بجامع أنها مكتوبة بخط المصحف.
-
[المسألة الرابعة: اختلف الأصوليون في نفي الحكم: هل هو شرعي أو لا؟]
-
فمن رآه حكما شرعيا أجاز إثباته بالقياس، ومن لم يره حكما شرعيا منع من ذلك، والمحققون يجيزون فيه قياس الدلالة ويمنعون من قياس العلة.
-
ومثاله: قول أصحابنا في الحلي: لا تجب فيه الزكاة قياسا على عبد الخدمة، وثياب المهنة، فيقول المعترض: حكم [الأصل ليس
vol. 1, p. 716بشرعي فلا يصح] القياس عليه، وحكم الفرع ليس بشرعي، فلا يجوز إثباته بالقياس.
-
فهذا تمام القول في الأركان الأربعة.
- vol. 1, p. 717
[الفصل الثاني: في أقسام قياس الطرد]
-
اعلم أن الجامع بين الأصل والفرع في قياس الطرد، إما أن يكون جملة ما وقع الاشتراك فيه بين الأصل والفرع، وهو قياس لا فارق، ويسمى قياسًا في معنى الأصل.
-
وإما أن يكون بعض ما وقع الاشتراك فيه، وينقسم قسمين:
إما نفس العلة، ويسمى قياس العلة.
-
وإما ما يدل على العلة، ويسمى قياس الدلالة، فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قياس لا فارق.
-
وحاصله: بيان إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، والعلة موجودة في
vol. 1, p. 718الأصل لثبوت حكمها فيه، فوجب كونها مشتركة سواء كانت جملة المشترك او بعضه.
-
ومثاله: قول أصحاب أبي حنيفة في المديان: تجب عليه الزكاة قياسًا على غير المديان، وبيان ذلك: أنه لا فارق بين الأصل والفرع إلا الدين الموجود في الفرع بدليل أنه لو عدم منه لانقلب الفرع أصلا ولو وجد في الأصل لانقلب الأصل فرعا، فدل أنه لا فارق بينهما إلا الدين، لكن الدين لا يصلح أن يكون مانعا من الزكاة، إذ لو منع من زكاة العين لمنع من زكاة الحرث والماشية، وإذا ثبت أن الدين غير مانع، ولا فارق غيره وجب الاشتراك في كل ما سواه، وأن العلة الموجودة في الأصل من جملة ما سواه، فوجب الاشتراك فيها.
-
مثاله أيضا: إذا استولي الكفار على اموال المسلمين، فالشافعية يقولون: لا يملكونها والحنفية يقولون: إنهم
vol. 1, p. 719يملكونها، وعند أصحابنا أن استلاءهم يفيد شبهة الملك لا حقيقته.
-
فتقول الشافعية: أجمعنا أن الغاصب لا يملك ما استولى عليه بالعدوان فكذلك الكافر، لا يملك ما استولى عليه، وانه لا فارق بينهما إلا الكفر في الفرع والإسلام في الأصل، لكن الإسلام لا يصلح ان يكون مانعًا من الملك والكفر لا يصلح أن يكون مقتضيا للملك، فوجب انتفاء سبب الملك في حق المسلم الغاصب وفي حق الكافر المستولي بانتفاء الملك.
-
القسم الثاني: قياس العلة، وهو قياس المعني، وقياس الشبه، وقد تقدمت أمثلتهما في مسالك العلة.
-
القسم الثالث: قياس الدلالة.
- vol. 1, p. 720
اعلم أن قياس الدلالة هو الذي لا يجمع فيه بعين العلة، بل بما يدل عليهما مما يلزم من الاشتراك في عين العلة، وهو عند بعض الأصوليين من قبيل الاستدلال، فلنؤخره إليه.
- vol. 1, p. 721
خاتمة
اعلم أن الاعتراض على القياس: إما بمنع الحكم في الأصل، وإما بمنع وجود الوصف، في الأصل، وإما بمنع كونه علة، [وإما بمعارضته بوصف آخر] في الأصل يصلح أن يكون علة وإما بمنع وجوده في الفرع، وإما بمعارضته بوصف آخر يقتضي نقيض الحكم.
-
فهذه ستة اعتراضات.
-
وبيان انحصار الاعتراضات فيها: أن من لم الحكم في الأصل ووجود الوصف المدعي كونه علة في الأصل، وكون ذلك الوصف علة بانفراده، وأنه موجود في الفرع، وأنه سالم عن معارض
vol. 1, p. 722يقتضي نقيضه في الفرع، فقد سلم القياس، فدل ذلك على أنه لا يقع الاعتراض إلا من أحد هذه الوجوه.
- vol. 1, p. 723
[الاعتراض الأول: منع الحكم في الأصل]
-
ومثاله: احتجاج الشافعية وبعض أصحابنا على أن الخنزير يغسل الإناء من لووغه سبعا [فإنه حيوان مستقذر مستعمل للنجاسة فوجب غسل الإناء من ولوغه سبعًا] قياسًا على الكلب.
-
فتمنع الحنفية الحكم، وعو غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا
vol. 1, p. 724في الأصل، والأصل عند الشافعية وأصحابنا: إثبات الحكم في الأصل بالنص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا.
-
[الاعتراض الثاني: منع وجود الوصف في الأصل]
-
ومثاله: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على أن الترتيب واجب في الوضوء بقولهم: عبادة يبطلها الحدث فكان الترتيب فيها واجبا قياسًا على الصلاة.
-
فتقول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا: لا نسلم وجود الوصوف الذي هو الحدث في الأصل الذي هو الصلاة، لأن الحدث عندنا لا يبطل الصلاة، وإنما يبطل الطهارة، وببطلان الطهارة تبطل الصلاة.
- vol. 1, p. 725
والجواب عند الأولين: إثبات أن الصلاة يبطلها الحدث فإن من لم يجد ماء ولا ترابا إذا صلى وأحدث في أثناء صلاته بطلت صلاته، وليس ثم طهارة يبطلها الحدث.
-
وعند الحنفية: أن من سبقه الحدث توضأ وبني على صلاته كما يبني في الرعاف عندنا ولو أحدث مختارا بعد أن سبقه الحدث، وقبل أن يتوضأ بطلت صلاته، ولم يبن عليها فدل ذلك على أن الحدث يبطل الصلاة نفسها.
-
الاعتراض الثالث: منع كون الوصف علة.
-
ومثاله: احتجاج الحنفية على أن المعتقة تحت الحر لها
vol. 1, p. 726الخيار كالمعتقة تحت العبد، فيقول أصحابنا: لا نسلم أن ملكها لنفسها بالعتق وهو العلة في خيارها.
-
والجواب عند الحنفية: النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ملكت نفسك فاختاري، والنص مسلك من مسالك العلة.
-
وبالجملة فهذا من أعظم الاعتراضات، وتتفرع منه أسئلة كثيرة، وهي عشرة أوجه، وهي مشروحة في المطولات.
-
[الاعتراض الرابع: المعارضة في الأصل]
-
وهي على قسمين:
معارضة بوصف يصلح أن يكون علة مستقلة.
- vol. 1, p. 727
ومعارضة بوصف يصلح أن يكون جزء علة.
-
فأما الأول: فمثاله: قول الشافعية في جريان الربا في الفتاح: مطعوم، فوجب أن يكون فيه الربا، قياسًا على البر.
-
فيقول أصحابنا: لا نسلم أن الطعم هو العلة، فإن القوت وصف يصلح أن يكون علة مستقلة، وهو غير موجود في التفاح.
-
والجواب عند الشافعية: أن يبينوا كون الطعم علة مستقلة، بقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام، غير متعرضين للتعميم فيه، بل بما اشتمل عليه النص من الإيماء إلى العلة.
-
وأما الثاني: فمثاله: احتجاج أصحابنا في وجوب القتل بالمثقل، بأنه قتل عمد عدوان، فيجب فيه القصاص، قياسًا على القتل بالمحدد.
-
فتقول الحنفية: لا نسلم أن القتل العمد العدوان مستقل بالعلة حتى ينضاف إليه كون المقتول به جارحًا.
-
والجواب عند عند أصحابنا: أن القتل العمد العدوان مناسب للحكم
vol. 1, p. 728ومفض إلى الحكمة المقصودة منه، وهو الزجر، فوجب أن يكون مستقلا في الاعتبار.