مسألة: (ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا، وقد حل إلا المتمتع إن كان معه هدي، والقارن والمفرد فإنه لا يحل)

49 paragraphs · vol. 6, p. 196

Page 1 of 2

  1. وجملة ذلك: أنه إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد جاز له (٢) أن يحلّ من إحرامه ما لم يكن معه هديٌ، سواء كان قد أحرم بعمرة أو بحج أو بعمرة وحج كما تقدم، وكما سنَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته في حجة الوداع؛ لكن إن أحبَّ المفرد والقارن أن يبقيا على إحرامهما فلهما ذلك كما تقدم.

    vol. 6, p. 196
  2. ومعنى قول الشيخ: إلا المتمتع السائق والمفرد والقارن، يعني لا يقصِّرون ولا يحِلُّون؛ لكن من ساق الهدي فلا يَحِلُّ له الإحلال، والمفرد والقارن لا يجب عليهما الإحلال. ويجوز أن يكون معنى كلامه: أنه ما دام ناويًا للإفراد [ق ٣٣٥] والقران لم يَجزْ له الإحلالُ، وإنما يجوز له الإحلال إذا نوى الإحلال بعمرةٍ وفسخ نية الحج، وحينئذٍ لا يصير مفرِدًا ولا قارنًا.

  3. وأما المحرم بعمرة فإن لم يكن متمتعًا ــ بأن يكون قد أحرم بها قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج، وهو لا يريد الحج من عامِه ــ فهذا يحِلُّ إحلالًا تامًّا؛ فيحلق شعره، وينحر هديه عند المروة وغيرها من بقاع مكة، وإن قصَّر جاز، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة القضية وعمرة الجعرانة.

  4. وقول الشيخ: «ثم يقصِّر من شعره» على هذا إما أن يكون أراد به بيان أدنى ما يتحلَّل به، أو ذكر التقصير لما اشتمل كلامه على المعتمر، متمتعًا كان أو مفردًا لعمرته.

  5. وأما المعتمر عمرةَ التمتع إذا لم يكن قد ساق الهدي فإنه يحلُّ إحلالًا تامًّا، سواء كان قد نوى التمتع في أول إحرامه أو في أثنائه، أو طاف للقدوم وسعى ثم بدا له التمتع؛ لكن يُستحبُّ أن يقصِّر من شعره، ويؤخِّر الحلاق إلى إحلاله من الحج، فيكون قد قصَّر في عمرته وحلَق في حجته، ولو حلق أولًا لم يمكنه في الحج حَلْقٌ ولا تقصير. وبذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فعن جابر بن عبد الله أنه حجَّ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يومَ ساقَ البُدْنَ معه، وقد أهلُّوا بالحج مفرَدًا، فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أقيموا حلالًا حتى إذا كان يومُ التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمْتم بها متعة» . فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتُكم، فلولا أني سُقْتُ الهديَ لفعلتُ مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يَحِلُّ مني حرام حتى يبلغ الهديُ مَحِلَّه» ، ففعلوا.

    vol. 6, p. 197
  6. وعن ابن عمر وعائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج وليُهْدِ» ، الحديث. متفق عليهما (١) .

  7. وقد تقدَّمت الأحاديث أنه أمرهم أن يَحِلُّوا الحلَّ كلَّه، وأنهم لبسوا الثياب، وأتوا النساء.

  8. ولو حلق جاز، وقد روى يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس قال: أهلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فلما قدِمَ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم

    vol. 6, p. 198يقصِّر ولم يحِلَّ من أَجْلِ الهدي، وأمرَ من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى، ويقصِّر أو يَحْلِق. رواه أبو داود (١) .

  9. فصل

    وأما من ساق الهدي ففيه ثلاث روايات:

    إحداهن: لا ينحر هديه، ولا يحلُّ من إحرامه بتقصيرٍ ولا غيره إلى يوم النحر، سواء قدِمَ مكة (٢) في العشر أو قبله. قال في رواية حنبل (٣) : إذا قدِمَ في أشهر الحج وقد ساق الهدْيَ لا يحلُّ حتى ينحره، والعشر أوكَدُ، إذا قدِمَ في العشر لم يحلَّ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدِمَ في العشر ولم يحلَّ.

  10. وهذه الرواية هي المشهورة عند أصحابنا، فيُمْنَع من الإحلال والنحر، سواء كان مفرِدًا للحج أو متمتعًا أو قارنًا. وهذا مما استفاض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك في حديث ابن عمر وعائشة: «تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكةَ قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج،

    vol. 6, p. 199فمن لم يجدْ [هديًا] فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». وذكر الحديث إلى أن قال: ثم لم يحلِلْ من شيء حَرُمَ منه حتى قضى حجَّه، ونحر هدْيَه يوم النحر. متفق عليه (١) .

  11. وعن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فمنّا من أهلَّ بعمرة، ومنّا من أهلَّ بحج، فقدمنا مكة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحِلَّ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحِلّ حتى يحلَّ نحرُ هَدْيِه، ومن أهلَّ بالحج فلْيُتِمَّ حجَّه» . متفق عليه.

  12. وقد تقدَّمت الأحاديث عن ابن عباس وجابر والبراء وغيرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جميع أصحابه أن يحِلُّوا إلا من ساق الهدي.

  13. وفي روايةٍ لابن عباس: «أهلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة، وأهلَّ أصحابه بحجٍّ، فلم يحلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحلَّ بقيّتهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحلَّ» . رواه مسلم.

  14. وعن أسماء قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان معه هديٌ فليُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحِلَّ» ، ولم يكن معي هديٌ فحللتُ، وكان مع الزبير هديٌ فلم يحلَّ. رواه مسلم.

  15. وعن أبي موسى أنه أهلَّ بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقدمتُ عليه، فقال: «هل سُقْتَ من هَدْيٍ؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ بالبيت وبالصفا و [ق ٣٣٦] المروة» .

  16. وكان علي قد أهلَّ بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وساق الهدي فلم يحلَّ، وقد تقدَّم ذلك.

    vol. 6, p. 200
  17. فهذه الأحاديث نصوصٌ في أن من ساق الهدي لا يحلُّ إلى يوم النحر، سواء كان متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع كل من ساق الهدي من الإحلال، وقد كان فيهم المتمتع والمفرد والقارن، ولم يستثنِ المتمتع، ولو جاز الحِلُّ للمتمتع لوجب استثناؤه وبيان ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

  18. ولأنه جعل سَوْقَ الهدي هو المانع من الإحلال, ولم يعلِّق المنعَ بغيره، فعُلِم أنه مانع في حق المتمتع كما أنه مانع من الفسخ في حقّ المفرِد والقارن، إذ لو كان هناك مانع آخر لبيَّنه.

  19. ولأن كل من جاز له الفسخ ــ سواء كان خاصًّا في حقّ الصحابة أو عامًّا للمسلمين إلى يوم القيامة ــ بمنزلة المتمتع في جواز الإحلال، فلما منع أصحاب الهدي من الإحلال عُلِم أن سَوْق الهدي مانع من الإحلال، حيث يجوز الحلُّ لغير السائق.

  20. ولأن حديث عائشة نص خاص في أن (١) المتمتع إذا ساق الهدي لا يحلُّ حتى ينحرَ هدْيَه ويقضي حجَّه (٢) .

  21. وأيضًا فإن الله سبحانه قال: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ، والحلق هو أول التحلُّل بمنزلة السلام من الصلاة، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدتُ هديي، فلا أحِلُّ حتى أنحر» ، وقال لأصحابه: «من

    vol. 6, p. 201ساق الهديَ فلا يحلُّ إلى يوم النحر»، فعُلِم أن الإحلال والنحر لا يكون إلى (١) يوم النحر، فعُلِم أنه لا يجوز الإحلال حتى يحلَّ نحْرُ الهدي، ولا يحلُّ نحْرُ الهدي إلى يوم النحر كما بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لأن نحر الهدي من أسباب التحلُّل، وتقليده له وسَوْقه بمنزلة الإحرام للرجل، ونَحْره بمنزلة الإحلال للرجل؛ ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٣٣] ، {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: ٢٥] ، {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} . والمَحِلُّ: مشتقّ من الحلّ، وذاك بإزاء الحرم، فعُلِم أنه ذو حرمٍ، وإنما ينقضي الإحرام يوم النحر لأن المتمتع إنما يتمُّ نسكه بالحج.

  22. والرواية الثانية: أن سائق الهدي يحلُّ ليقصِّر من شعر رأسه إن شاء، فأما غير ذلك من محظورات الإحرام فلا. قال في رواية أبي طالب (٢) في الذي يعتمر قارنًا أو متمتعًا ومعه الهدي: قصِّرْ من شعرك، ولا تمسَّ شاربك ولا أظفارك ولا لحيتك، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن شاء لم يفعلْ، وإن شاء أخذ من شعر رأسه وهو حرام.

  23. فقد بيَّن أنه يحلُّ من التقصير فقط، ولا يحلُّ من جميع المحظورات، كما يحلُّ الحاجُّ إذا رمى من بعض المحظورات؛ وذلك لما روى ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال: قصَّرتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ. رواه البخاري (٣) ، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي (٤) عن ابن عباس قال: قال لي

    vol. 6, p. 202معاوية: إني قصَّرتُ من رأس (١) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند المروة بمِشْقَصٍ، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجةً عليك.

  24. وعن ابن عباس أيضًا قال: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدَّثني أنه قصَّر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ. رواه أحمد والترمذي (٢) ، وقال: «حديث حسن» . وفيه ليث بن [أبي] سُليم.

  25. وعن قيس بن سعد عن عطاء عن معاوية قال: أخذتُ من أطراف شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ كان معي، بعدما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر. قال قيس: والناس يُنكِرون هذا على معاوية. رواه النسائي (٣) ، وروى أحمد (٤) نحوه.

  26. وأيضًا فإن قضاء العمرة يقتضي الإحلال، وسَوْق الهدي يقتضي بقاء الإحرام، فحلَّ بالتقصير خاصةً توفيةً لحقِّ العمرة ولتتميَّزَ عن الحج، وبقي على إحرامه من سائر المحظورات لأجْلِ سَوْقِ الهدي، لا سيما والتقصير متردّد بين النسك المحض وبين استباحة المحظورات.

  27. والرواية الثالثة: إن قدِمَ في العشر لم ينحَرْ ولم يحِلَّ، وإن قدِمَ قبل العشر نحَرَ وحلَّ إن شاء. ثم هل يحلُّ في العشر بالتقصير؟ مبنيٌّ على ما سبق؛ لكن المنصوص عنه أنه يحِلُّ به، قال في رواية يوسف بن موسى (١) وحرب فيمن قدِمَ متمتعًا وساقَ الهدي: فإن قدِمَ في شوال نحَرَ الهدي وحلَّ وعليه هديٌ آخر، وإذا قدِمَ في العشر أقام على إحرامه ولم يحِلَّ، فقيل له: معاوية يقول: قصَّرتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ، فقال: إنما حلَّ بمقدار التقصير، ويرجع حرامًا مكانه.

    وقال في رواية أبي طالب: إذا كان قبل العشر نحرَ، لا (٢) يضيع، لا يموت، لا يُسْرَق.

    vol. 6, p. 203
  28. وهذا هو [ق ٣٣٧] الذي ذكره القاضي في «المجرد» من غير خلافٍ، قال: لأن له قبل العشر أن ينحر الهدي ويبقى بلا هَدْي، وفي العشر ليس له أن ينحر الهدي فلا يتحلل. وعامة أصحابنا على أنه ممنوع من الإحلال إذا قدِمَ في العشر رواية واحدة.

    وقال القاضي في «خلافه» (٣) : هذه الرواية تقتضي أن سَوْق الهدي لا يمنع التحلُّل عنده، وإنما استحبَّ له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبُّسُه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبُّسُه، فلا يأمنُ مواقعةَ المحظور.

  29. والطريقة المشهورة هي الصواب.

  30. ووجهُ ذلك (١) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما قَدِموا في العشر، ومنعهم من الإحلال لأجل سَوْق الهدي، فثبت الحكم في مثل ذلك، ومن قَدِم قبل العشر لا يُشبِه ذلك؛ لأن المدة تطول، فيخاف أن يموت الهديُ أو يضِلّ أو يُسرق.

    vol. 6, p. 204
  31. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المضحِّي إذا دخل العشْرُ أن يأخذ من شَعره أو بَشَرِه (٢) ، فالمتمتع الذي معه الهدي أولى أن لا يأخذ من شَعره وبَشَرِه، وما قبل العشر ليس بوقتٍ لمنع المُضَحِّي، فجاز أن لا يكون وقتًا لمنع المُهْدِي.

  32. ولأن العشر من أول أوقات النسك، وفيها تُضاعَف الأعمال الصالحة، ويُشرع (٣) التكبير الذي هو شعار العيد، وهي الأيام المعلومات التي يُذكر الله فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام، ولها خصائص كثيرة، فجاز أن يؤخّر النحرُ والحلُّ فيها إلى يوم النحر، بخلاف ما قبلها.

  33. وعلى هذه الرواية يُنْحَر الهديُ قبل العشر، وعليه هديٌ آخر نصّ عليه؛ لأن دم المتعة لا يُنحَر إلا يوم النحر، وإنما فائدة النحر جواز إحلاله (٤) من العمرة.

  34. ومن أصحابنا من يحكي رواية: أنه يُجزئه ذلك عن هدي المتعة، وعلى

    vol. 6, p. 205هذه الرواية (١) لو كان مفردًا أو قارنًا فهل ينحر الهدي قبل العشر؟ وهل له أن يتحلل؟

  35. والرواية الأولى اختيار أصحابنا، لما ذكرنا من الأحاديث الصريحة بذلك.

  36. وهم وإن قدِمُوا في العشر لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّل بعلةٍ عامة، فقال: ... (٢) . ولأنه قال لأصحابه: «من كان منكم (٣) أهدى فلا يحلّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه»، وهذا نهيٌ عن التحلُّل بالتقصير وغيره؛ فإنه نكرة في سياق النفي فكيف يجوز؟

  37. وأمر الذين لم يسوقوا الهدي أن يتحللوا بالتقصير، فكيف يجوز أن يسوِّي بينهم في التقصير بعد إذنه فيه لمن لم يَسُقِ الهدي دون من ساق؟ وقال عن نفسه: «لا يحلُّ منّي حرامٌ حتى يبلغ الهدي محلَّه» . وهذا نص في اجتنابه كلَّ المحرمات من التقصير وغيره.

  38. ثم هم إنما أنكروا أنه أمرهم بالتقصير ولم يقصِّر، فلو كان قد قصَّر زال هذا. ثم هو - صلى الله عليه وسلم - قد خطبهم بهذا وأمرهم به وهو على المروة والناس حوله، فلو كان قد قصَّر من شعر رأسه لم يخْفَ ذلك على أصحابه في مثل ذلك المشهد العظيم، وكيف يقصِّر ولم يأمر غيره ممن ساق الهدي بالتقصير؟

  39. ومن تأمل أحاديث حجة الوداع وأحوالها كان كالجازم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم

    vol. 6, p. 206يحلَّ بشيء من الأشياء.

  40. فأما حديث معاوية فحديث شاذٌّ، وقد طعن الناس فيه قديمًا وحديثًا كما أخبر قيس بن سعد (١) ، فإنهم أنكروا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصّر.