مسألة: (ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتيه فيرقى عليه، ويكبر الله ويهلله ويدعوه، ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الآخر، ثم يمشي إلى المروة، فيفعل كفعله على الصفا)
55 paragraphs · vol. 6, p. 179
Page 1 of 2
- vol. 6, p. 179
قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعِدَتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخرُ طوافِه على المروة قال: «لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ، وجعلتُها عمرةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحِلَّ وليجعلْها عمرةً» ، فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحج» مرتين، «لا، بل لأبد الأبد» ، وذكر الحديث، رواه مسلم (١) وغيره ... (٢) .
-
مسألة (٣) : (ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتيه فيرقَى عليه، ويكبِّر الله ويهلِّله ويدعوه، ثم ينزِل فيمشي إلى العَلَم، ثم يسعى إلى العلم الآخر، ثم يمشي إلى المروة، فيفعل كفعله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مَشْيه، ويسعى في موضع سَعْيه، حتى يكمل سبعة أشواط، يحسب بالذهاب سعيةً (٤) وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم (٥) بالمروة).
أما خروجه من باب الصفا، وهو الباب الأعظم الذي يواجه الصفا ... (٦) .
- vol. 6, p. 180
وأما [ق ٣٣١] رُقِيُّه على الصفا فلأن في حديث جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رَقِيَ عليه حتى رأى البيت، واستقبل القبلة» . ولهذا قال أصحابنا (١) : إنه يرقَى على الصفا حتى يرى البيت ويستقبل القبلة، إلا أن هذا كان لما كانت الأبنية منخفضةً عن الكعبة. فأما الآن فإنهم قد رفعوا جدار المسجد، وزادوا فيه ما بينه وبين الصفا، حتى صار المسعى يلي جدار المسجد، وكان قبل ذلك بين المسجد والمسعى بناءٌ للناس، فاليوم لا يرى أحدٌ البيتَ من فوق الصفا، ولا من فوق المروة، نعم قد يراه من باب المسجد إذا خفض.
-
فالسنة أن يكون على الصفا بحيث يتمكَّن من رؤية البيت لو كان البناء على ما كان.
-
وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلَا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه (٢) فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. رواه مسلم وأبو داود (٣) .
-
ويُستحبُّ أن يرفع يديه، ويُسَنُّ أن يستقبل البيت في حال وقوفه على الصفا وعلى المروة، وكذلك في حال وقوفه بعرفة وبمزدلفة وبمنًى وبين الجمرتين؛ لأن في حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فاستقبل القبلة» .
-
وعن عروة قال: من السنة أن يصعد على (٤) الصفا والمروة، حتى يبدوَ
vol. 6, p. 181له البيت فيستقبله (١) . وعن عطاء أنه كان يقول: استقبل البيت من الصفا والمروة، ولا بدَّ من استقباله (٢) . رواهما أحمد.
-
ولأنه حالُ مُكْثٍ للذكر والدعاء، فاستُحِبَّ فيها استقبال القبلة كسائر الأحوال، وأوكد.
-
ولأن الوقوف بالمشاعر نوع من الصلاة، وكذلك قال مجاهد في قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] : «إنها عرفة ومزدلفة ومنى ونحوهن» (٣) ، فيُشرَع فيها استقبال القبلة كالصلاة التامة.
-
ولأن المناسك هي حج البيت، فكان استقبال البيت وقتَ فعْلِها تحقيقًا لمعنى حج البيت وقصده.
-
ولأن جميع العبادات البدنية الفعلية (٤) من القراءة والذكر والدعاء والصلاة والاعتكاف وذبح الهدي والأضحية يُسَنُّ استقبال الكعبة فيها، فما تعلَّق منها بالبيت أولى.
وأما التكبير والتهليل والدعاء فقد ذكره جابر وغيره، وهو المقصود لما روت عائشة ... (٥) .
- vol. 6, p. 182
وأما صفة ذلك ففي رواية عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وقف على الصفا يكبِّر ثلاثًا، ويقول: «لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، يصنع ذلك ثلاث مراتٍ ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك. رواه أحمد والنسائي (١) .
-
وقد تقدَّم في رواية مسلم أنه كان يقول مع هذا التوحيد: «لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبده، وهزمَ الأحزاب وحدَه» ، وأنه يدعو بعد ذلك.
وقال أحمد في رواية عبد الله (٢) : إذا قدِمتَ مكةَ إن شاء الله فإن يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن محمد ثنا أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله فقال: استلم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثةً ومشى أربعةً، حتى إذا فرغ عَمَدَ (٣) إلى مقام إبراهيم، فصلّى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» . فرقِيَ على الصفا حتى إذا نظر إلى البيت كبَّر، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله أنجز وعدَه، وصدقَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحدَه» . ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم دعا، ثم رجع
vol. 6, p. 183إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبَّت قدماه في الوادي رَمَل، حتى إذا صعدَ مشى حتى أتى المروة، فرقِيَ عليها حتى نظر إلى البيت، فقال عليها مثل ما قال على الصفا، فلما كان السابعُ عند المروة قال: «يا أيها الناسُ لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ ولجعلتُها عمرة، فمن لم يكن معه هديٌ فليحلَّ وليجعلها عمرة» . فحلَّ الناس كلهم.
-
فعلى حديث جابر الذي اعتمده أحمد يكبِّر ويهلّل (١) على لفظ الحديث، ثم يدعو ثم يكبر ويهلّل، ثم يدعو ثم يكبر ويهلّل (٢) ، فيفتتح (٣) بالتكبير والتهليل، ويختم به، ويكرِّره ثلاث مرات، والدعاء بينه (٤) مرتين، ولفظ التكبير في كل مرة ثلاثًا، كما جاء في بعض الروايات، ولفظ التهليل مرتين، مع ما فيه من زيادة الحمد والثناء.
-
وعلى هذا يكون التكبير تسعًا، والتهليل ستًّا، والدعاء مرتين.
-
ولفظ «الصحيح» (٥) : «له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» .
-
وفي رواية للنسائي (٦) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «نبدأ بما بدأ الله
vol. 6, p. 184به»، فبدأ بالصفا، فرَقِيَ عليها حتى بدا له البيت، فقال ثلاث مرات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» ، وكبَّر الله وحمِده، ثم دعا بما قُدِّر له، ثم نزل ماشيًا حتى تصوَّبتْ قدماه في بطن المسيل، [ق ٣٣٢] فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة، فصعد فيها، ثم بدا له البيت، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، قال ذلك ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبَّحه وحمِدَه، ثم دعا عليها بما شاء الله، فعلَ هذا حتى فرغ من الطواف.
-
وفي حديث أبي هريرة المتقدم (١) : «أنه رفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو بما شاء الله أن يدعو» .
-
فهذا الحمد يمكن (٢) أن يكون هو الحمد الذي في ضمن التهليل، كما دلَّ عليه الرواية المفسرة، وعليه كلام أحمد، ويمكن أن يكون غيره.
-
وذكر القاضي وأبو الخطاب وجماعة من أصحابنا: أنه يكبِّر ثلاثًا (٣) ، قال القاضي: يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الحمد لله على ما هدانا.
وقال أبو الخطاب (٤) وغيره: يكبِّر ثلاثًا، ويقول: الحمد لله على ما
vol. 6, p. 185هدانا، ثم ابتدأ (١) : «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. (زاد أبو الخطاب: «وهو حيٌّ لا يموت» ، ومنهم من لم يذكر إلّا «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» كما جاء في أكثر الأحاديث) (٢) لا إله إلا الله وحده (زاد أبو الخطاب: لا شريك له) صدقَ وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». ثم يلبِّي ويدعو بما أحبَّ من دين ودنيا، ثم يُعيد الدعاء، ثم يلبِّي ويدعو بما أحبَّ من (٣) دين ودنيا، يأتي بذلك ثلاثًا.
-
فعلى هذا يكون التكبير والتهليل تسعًا تسعًا، والدعاء ثلاثًا.
-
ومنهم من لم يذكر إلا التكبير والتهليل ثلاثًا، والدعاء مرةً، ولم يذكر أنه يكرِّر ذلك ثلاثًا منهم [إلا] (٤) الأثرم وحده (٥) .
-
وقد استحبَّ أحمد في رواية المرُّوذي وغيره لما (٦) روي عن ابن عمر، فقال أحمد: ثم تصعد (٧) على الصفا، وقِفْ حيث (٨) تنظر إلى البنيان إن
vol. 6, p. 186أمكنك ذلك، وقل: الله أكبر سبع مرات، ترفع بهن صوتك، وتقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت (١) ، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَه، ونصر عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحده. لا إله إلا الله، ربّنا وربّ آبائنا الأولين، اللهم اعصِمْني بدينك». وذكر دعاء ابن عمر نحوًا مما يأتي، وفي آخره: «اللهم إنّا قد دعوناك كما أمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعدتَنا، واقضِ لنا حوائج الدنيا والآخرة» .
-
وقد روى بإسناد في رواية عبد الله (٢) : قثنا إسماعيل بن إبراهيم، أبنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر (٣) إذا انتهى إلى ذي طُوًى بات به حتى يصبح، ثم يصلّي الغداةَ ويغتسل، ويحدِّث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، ثم يدخل مكة ضُحًى، ويأتي البيتَ فيستلم الحجرَ ويقول: بسم الله، الله أكبر، فإذا استلم الحجر رمل ثلاثةَ أطوافٍ يمشي ما بين الركنين، وإذا أتى على الحجر استلمه وكبَّر أربعةَ أطوافٍ مشيًا، ثم يأتي المقام فيصلِّي خلفه ركعتين، ثم يرجع إلى الحجر فيستلمه (٤) ، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم، فيقوم عليه، فيكبِّر سبعَ مرات ثلاثًا ثلاثًا، يكبّر ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله
vol. 6, p. 187إلا الله، ولا نعبد إلا إيّاه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». ثم يدعو يقول: «اللهم اعصِمْني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم جنِّبني حدودَك، اللهم اجعلْني ممن يحبُّك ويحبُّ ملائكتك ويحبُّ رسلك، ويحبُّ عبادك الصالحين. اللهم حبِّبني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك (١) ، وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسِّرني لليسرى وجنِّبني العسرى، واغفِرْ لي في الآخرة والأولى، واجعلْني من أئمة المتقين، واجعلْني من ورثة جنة النعيم، واغفِرْ لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلتَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] ،وإنك لا تُخلِف الميعاد، اللهم إذْ هديتَني للإسلام فلا تنزِعْه مني، ولا تنزِعْني منه حتى تَوفَّاني وأنا على الإسلام، اللهم لا تُقدِّمني لعذاب، ولا تؤخِّرني لسيئ الفتن».ويدعو بدعاء كثير حتى إنه ليُمِلُّنا وإنّا لشباب، وكان إذا أتى على المسعى سعى وكبَّر.
-
[و] رواه الطبراني بإسناد صحيح (٢) ، وفي لفظه (٣) : «وكان يدعو بهذا مع دعاء له طويل على الصفا والمروة وبعرفات وبين الجمرتين وفي الطواف» .
قال أحمد في رواية [عبد الله] (٤) : يدعو على الصفا بدعاء ابن عمر، وكلُّ ما دعا به أجزأه. وقال في المروة: ويكثر من الدعاء.
- وحديث ابن عمر هذا يحتمل ثلاثة أوجه:
-
أحدها: أن (١) يكبِّر ثلاثًا، ثم يهلِّل، ثم يدعو، يكرِّر ذلك سبع مرات.
-
والثاني: أن يكبِّر سبع مرات، ثم يهلِّل، ثم يدعو فقط، وهو ظاهر رواية المرُّوذي.
-
والثالث: أن يكبِّر ثلاثًا ثلاثًا سبع مرات، ثم يهلِّل، ثم يدعو. وهو ظاهر ما رواه أحمد واستحبَّه.
وعلى هذين هل يكرِّر ذلك ثلاثًا؟ ... (٢) .
-
وإنما استحبَّ هذا لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان شديدَ الاقتفاء لأثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوصًا في النُّسك؛ فإنه كان من أعلم الصحابة بها (٣) ، فالاقتصار على عددٍ دون عددٍ يُشبه أن يكون إنما فعله توقيفًا (٤) ؛ ولأن عدد الأفعال [ق ٣٣٣] سبع، فاستحبّ إلحاق الأقوال بها.
-
ومن رجَّح هذا قال: أكثر الروايات في حديث جابر ليس فيها توقيتُ تكبير، ولعل حديث ابن عمر كان في بعض عُمَرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو لعل قول جابر: «كبَّر ثلاثًا» أي ثلاثَ نوباتٍ، ويكون كل نوبةٍ سبعًا.
-
وأما الدعاء فقد استحبَّ أبو عبد الله دعاء ابن عمر، إذ ليس في الباب مأثورٌ غيره.
- vol. 6, p. 189
والسنةُ رفعُ الصوت بالتكبير، نصَّ عليه (١) ؛ لأن جابرًا سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولولا جَهْرُه به لم يسمعوه. ولأنه شَرَفٌ (٢) من الأشراف، والسنةُ الجهرُ بالتكبير على الأشراف (٣) .
-
وأما الدعاء فلا يرفع به صوته؛ لأن سنة الدعاء السِّر، كما قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ٥٥] ، وكما قال تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: ٣] ، ولذلك لم يذكر جابر ولا غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظَ دعائه، حيث لم يسمعوه.
-
وأما جهره بذلك حيث يسمع القريب منه فجائز، كما فعل ابن عمر، فإن كان فيه مقصودٌ صالح وإلا إسراره أفضل.
-
وأما التلبية على الصفا والمروة في أثناء الذكر والدعاء، فقد استحبَّها القاضي وأبو الخطاب (٤) وغيرهما (٥) ؛ لأن وقت التلبية باقٍ، وهو موطن ذكرٍ، فاستحبّ فيه التلبية، كما لو علا على شَرَفٍ غيرِ الصفا والمروة وأولى، لامتياز هذين الشَّرَفين بتوكيد الذكر.
-
ولم يذكر أحمد وأكثر أصحابه مثل الأثرم هنا استحبابَ تلبية. وهذا
vol. 6, p. 190أجود؛ لأن الذين أخبروا عن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا والمروة ذكروا أنه كبَّر وهلَّل ودعا وحمِدَ الله، وقال بعضهم: سبَّح. ولو كان قد لبَّى لذكروه، فعُلِم أنه لم يُلبِّ، ولو كانت التلبية من سنة هذا الموقف لفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل التكبير والتهليل.
-
وأيضًا فإن التلبية مشروعة في عموم الإحرام، ولهذا المكان ذِكرٌ يختصُّه (١) ، فلم يزاحم بغيره.
-
وأيضًا فإن التلبية شعار المجيب للداعي، فشُرِع له ما دام يسير ويسعى إلى المقصد، فإذا بلغ مكانًا من الأمكنة التي دُعِي إليها فقد وصل إلى المقصود (٢) ، فلا معنى للتلبية ما دام فيه، فإذا خرج منه وقصد مكانًا آخر لبَّى. ولهذا لم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لبَّى بالمواقف، وإنما لبَّى حتى بلغ عرفة، فلما أفاض منها لبَّى إلى جَمْع، ثم لم يُنقل أنه لبَّى بها إلى أن رمى جمرة العقبة. فعلى هذا هل تكره التلبية؟ ... (٣) .
-
وهذا الكلام فيما إذا كان في حجّ أو قرانٍ، فأما إن كان معتمرًا عمرةً مفردة أو عمرةَ تمتُّعٍ، فإنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر، فلا يلبِّي بعد ذلك في طوافٍ بالبيت ولا بين الصفا والمروة. وهذا هو (٤) المذهب المنصوص المشهور.