مسألة: (ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روى أصوله)
84 paragraphs · vol. 2, p. 404
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 416
وأمّا المصحف، فإنه لا يمسُّ منه موضع الكتابة ولا حاشيته ولا الجلد
vol. 2, p. 417أو الدَّفَّ (١) والورقَ (٢) الأبيض المتصل به، لا ببطن الكفِّ ولا بظهره ولا بشيء (٣) من جسده؛ لأنَّ في الكتاب الذي كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ. رواه مالك والأثرم والدارقطني وغيرهم (٤) . وهو كتاب مشهور عند أهل العلم.
وقال مصعب بن سعد: كنتُ أُمسِكُ المصحفَ على عهد (٥) سعد بن أبي وقاص، فاحتككتُ، فقال: لعلك مسِسْتَ ذكرك. فقلت: نعم. فقال: قُمْ،
vol. 2, p. 418فتوضَّأ. رواه مالك (١) .
-
وذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه قال: لا تمسَّ المصحفَ إلا على طهارة (٢) .
-
وعن عبد الرحمن بن يزيد (٣) قال: كنّا مع سلمان، فخرج، فقضى حاجته، ثم جاء، فقلتُ: يا أبا عبد الله، لو توضَّأتَ، لعلَّنا نسألك عن آيات. قال: إنِّي لستُ أمسُّه {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] . رواه الأثرم والدارقطني (٤) .
-
وكذلك جاء عن خلق من التابعين، من غير خلاف يُعرف عن الصحابة والتابعين، وهذا يدلُّ على أنّ ذلك كان معروفًا بينهم.
-
وقد احتجَّ كثير من أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} كما ذكرنا عن سلمان، وبنوا ذلك على أنَّ الكتاب هو المصحف بعينه، وأنَّ قوله: {لَا يَمَسُّهُ} صيغة خبر في معنى الأمر؛ لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره. وردُّوا قولَ من حمله على الملائكة، فإنهم جميعهم مطهَّرون، وإنما يمسُّه ويطَّلع عليه [١٣٤/ب] بعضهم.
-
والصحيح: أنَّ (٥) اللوح المحفوظ الذي في السماء مرادٌ من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون من قوله: {الْمُطَهَّرُونَ} لوجوه (٦) :
vol. 2, p. 419أحدها: أنَّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم، حتّى الفقهاء الذين قالوا: لا يمسُّ القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرَّحوا بذلك، وشبَّهوا هذه الآية بقوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: ١١ - ١٦] .
-
وثانيها: أنه أخبر أنَّ القرآن جميعَه في كتاب، وحين نزلت هذه الآية لم يكن نزل إلا بعضُ المكِّيّ منه، ولم يُجمع جميعُه في المصحف إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وثالثها: أنه قال: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: ٧٨] والمكنون: المصون المحرَّر الذي لا تناله أيدي المضلِّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ.
-
ورابعها: أن قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصحَّ الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية.
-
وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: «فلا يمسَّه» لتوسُّط الأمر بما قبله.
-
وسادسها: أنه قال (١) : {الْمُطَهَّرُونَ} ، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: «المتطهِّرون» ، كما قال تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: ١٠٨] ،
vol. 2, p. 420وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢] .
-
وسابعها: أنَّ هذا مسوقٌ لبيان شرف القرآن وعلوِّه وحفظه، وذلك بالأمر الذي قد ثبتَ واستقرَّ أبلغُ منه بما يحدُث ويكون.
-
نعم، الوجه في هذا ــ والله أعلم ــ: أنَّ القرآن الذي في اللوح [١٣٥/أ] المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينه، سواء كان المحلُّ ورقًا أو أديمًا أو حجرًا أو لِخافًا (١) . فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسَّه إلا المطهَّرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك، لأنَّ حرمته كحرمته؛ أو يكون الكتاب اسم جنس يعُمُّ كلَّ ما فيه القرآن، سواء كان في السماء أو الأرض.
-
وقد أومأ (٢) إلى ذلك قوله تعالى: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: ٢ - ٣] . وكذلك قوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} [عبس: ١٣ - ١٤] فوصفها أنها مطهَّرة، فلا يصلح للمحدِث مسُّها. وكذلك لا يجوز أن يمسَّ بعضو عليه نجاسة. ولو غسل المتوضِّئ بعض أعضائه لم يجُز له مسُّها حتى يكمل طهارته. ولو كانت النجاسة على عضو جاز مسُّه بغيره، لأن حكم النجاسة لا يتعدَّى محلَّها. ويجوز بالتيمُّم حيث يُشرع كما يجوز بالتوضؤ.
- vol. 2, p. 421
فأمَّا إن حمله بعِلَاقته، أو بحائلٍ له منفصلٍ منه لا يتبعه في الوصية والإقرار وغيرهما كغلافه، أو حائلٍ مانعٍ للحامل كحمله في كمِّه من غير مسِّ، أو على رأسه أو في ثوبه، أو تصفَّحه بعود أو مسَّه به= جاز في ظاهر المذهب.
-
وعنه: لا يجوز، لأنه إنما مُنع من مسِّه تعظيمًا لحرمته، وإذا تمكَّن من ذلك بحائل زال التعظيم. وحكى بعض أصحابنا روايةً أنه إنما يحرُم مسُّه بكمِّه وما يتصل به، لأنّ كمَّه وثيابه متصلة به عادةً، فأشبهت أعضاءَه، بخلاف العود والغلاف. وحكى الآمدي روايةً بجواز (١) حملِه [١٣٥/ب] بعلاقته وفي غلافه، دون تصفُّحه بكمِّه أو عود.
-
ولنا أنه لم يمسَّه، فيبقى على أصل الإباحة، لا سيَّما ومفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٢) جواز ما سوى المباشرة، وليس المسُّ من وراء حائل كالمباشرة، بدليل نقض الوضوء وانتشار حرمة المصاهرة (٣) به والفدية في الحج وغير ذلك. والعِلاقةُ وإن اتصلت به فليست منه، إنما تُراد (٤) لتعليقه، وهو مقصود زائد على مقصود المصحف، بخلاف الجلد فإنه يراد لحفظ ورق المصحف وصونه.
-
وتجوز كتابته من غير مسِّ الصحيفة كتصفُّحه بعود، ولأن الصحابة استكتبوا أهلَ الحيرة المصاحف. وقيل: لا يجوز الكتابة، وإن أجزنا تقليبه بالعود. وقيل: يجوز للمحدِث دون الجنب كالتلاوة.
- vol. 2, p. 422
وما فيه شيء من القرآن حكمه حكم المصحف إن كان مفردًا. فإن كُتب مع القرآن غيرُه، فالحكم للأغلب. فيجوز مسُّ كتب التفسير والحديث والفقه والرسائل التي فيها شيء من القرآن، في المشهور عنه، لأنها ليست مصحفًا. وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل الكتاب بكتاب فيه قرآن، وكان يكتب في صدر كتبه إلى أهل النواحي: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ولأن ما فيها من القرآن لا يثبت لها حرمةُ المصحف، بدليل جواز بيعها وشِراها (١) وعموم الحاجة إلى مسِّها.
-
ويجوز مسُّ ما كُتِب فيه المنسوخ [و] (٢) التوراة والإنجيل، في المشهور من الوجهين. وكذلك ما فيه (٣) الأحاديث المأثورة عن الله تعالى، لأن ذلك ليس هو القرآن. وفي مسِّ الدراهم المكتوب عليها القرآن روايتان.
-
وفي مسِّ الصبيان ألواحَهم المكتوبَ فيها القرآنُ وجهان. وقيل: روايتان. ووجه الرخصة عموم الحاجة إلى ذلك.
-
ولا يجوز تمليكه من كافر، ولا السفرُ به إلى بلادهم، لما روى عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافةَ أن يناله العدو» رواه أحمد ومسلم (٤) . ولو ملك الذميُّ مصحفًا بالإرث أُلزِمَ بإزالة ملكه عنه، لأنهم يتديَّنون بانتهاكه وانتقاص حرمته.
- vol. 2, p. 423
فصل
ويحرم على الجنُب ما يحرم على المحدِث. وهو في ذلك أشدُّ، لأن الصلاة تحرُم عليه لأنها صلاة ولأنَّ فيها قراءة. وكذلك الطواف يحرم عليه، لأنه صلاة ولأنه يحتاج إلى المُكث في المسجد الحرام. وكذلك مسُّ المصحف.
-
ويحرم أيضًا عليه قراءةُ القرآن، لما روي عن علي قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجُبه ــ وربما قال: لا يحجُزه ــ عن قراءة القرآن شيء، ليس الجنابةَ. رواه الخمسة (١) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
-
ويجوز بعض الآية في إحدى الروايتين، اختارها القاضي وغيره، لأنه لا يجزئ في الخطبة، ولا يحصل به إعجاز، فأشبه البسملة والحمدلة. والثانية: لا يجوز، وهي أقوى، لقول علي: اقرؤوا القرآن ما لم يُصِب أحدَكم جنابةٌ. فإن أصابته (٢) جنابة فلا، ولا حرفًا واحدًا. رواه الدارقطني، وإسحاق بن راهويه (٣)
vol. 2, p. 424وقال: عليٌّ أعلم بها، حيث روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ على [١٣٦/ب] كلِّ حال إلا الجنابة. والحرف من القرآن، فهو أعلم بما يرويه.
وقال ابن عباس: الجنب والحائض يذكران الله، ولا يقرآن من القرآن شيئًا. قيل: ولا آية؟ قال: ولا نصف آية. رواه حرب (١) .
-
ولأنَّ بعض الآية كالآية في منع المُحدِث من مسِّ كتابتها، فكذلك في منع الجنب من تلاوتها.
-
وأما ذكرُ الله سبحانه ودعاؤه ونحو ذلك، فهو جائز، لأن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ أحيانه. رواه الخمسة إلا النسائي (٢) ، وأخرجه البخاري تعليقًا. ولأنّ المنع إنما جاء في القرآن، وغيرُه من ذكر الله لا يساويه في الحرمة، بدليل أنه لا يُمنعَ المُحدِث من مسِّ صحيفته، ولا تصحُّ الصلاة به إلا عند العجز عن القرآن، وأن التلاوة أفضل من الذكر، وغير ذلك. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (٣) .
vol. 2, p. 425وقال: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (١) .
وقال: «ما تقرَّب العبادُ إلى الله بأفضلَ مما خرَج منه» (٢) .
-
فعلى هذا يجوز من الكلام ما يوافق نظمُه نظمَ القرآن، إذا لم يقصد به تلاوة القرآن، وإن بلغ آيةً، كقول الآكل والمتوضئ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وقول الشاكر: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وقول المستغفر: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} الآية [الأعراف: ٢٣] ؛ لأن هذا الكلام قد يُقصَد به القرآن، ويُقصَد به غيرُه، وإن اتفقت ألفاظها.
-
[١٣٧/أ] ومتى كان شيئًا يتميَّز به القرآن عن غيره، فقد قيل: لا يجوز قراءته بكلِّ حال، لأنه لا يكون إلا قرآنًا. وقيل: يجوز إذا قُصد به معنًى غيرُ (٣) التلاوة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى الروم في رسالة: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ
vol. 2, p. 426تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية [آل عمران: ٦٤] ، لأنه قصَد بها التبليغَ دون القراءة (١) والتلاوة.
-
ويحرُم عليه اللُّبثُ في المسجد بغير وضوء. فأما العبور فيه فلا بأس، لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أُحلُّ المسجدَ لحائض ولا جنب» رواه أبو داود (٢) .
-
وعن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المسجد لا يحِلُّ لجنُب ولا حائض» رواه ابن ماجه (٣) . ولأنَّ المسجد منزل الملائكة، لما فيه من الذكر؛ والملائكةُ لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا جنُب ولا تمثال. كذلك رواه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه مسلم وغيره (٤) . ففي لُبث الجنُب في
vol. 2, p. 427المسجد إيذاء للملائكة.
-
فأمّا المرور فيجوز، لما روت عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ناوليني الخُمْرةَ من المسجد» . فقلت: إني حائض، فقال: «إنّ حَيضتَكِ ليست في يدك» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي (١) .
وقالت ميمونة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حَجْرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخُمرته، فتضعها في المسجد وهي حائض. رواه أحمد والنسائي (٢) .
وقال جابر بن عبد الله: كان [١٣٧/ب] أحدنا يمرُّ في المسجد جنبًا مجتازًا. رواه سعيد في «سننه» (٣) .
وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون في المسجد، وهم جنُب. رواه ابن المنذر (٤) .
- vol. 2, p. 428
وقد احتجَّ أصحابنا على هذه المسألة بقوله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: ٤٣] لأن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما فسَّروا ذلك بعبور الجنُب في المسجد (١) . قال جماعة من أصحابنا وغيرهم (٢) : يكون المراد بالصلاة مواضع الصلاة، كما قال تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج: ٤٠] .
-
وقد فسَّرها آخرون (٣) بأن المسافر إذا لم يجد الماء تيمَّم، لأن الصلاة هي الأفعال أنفسها. القول على ظاهره ضعيف، لأن المسافر قد ذُكر في تمام الآية فيكون تكريرًا، ولأن المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلا في حال عدم الماء، وليس في قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} تعرض لذلك (٤) ، ولأنه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر، فكذلك للمريض، ولم يُستثنَ كما استُثني المسافر، فلو قصد ذلك لبيَّن (٥) ، كما بيَّن في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجدا (٦) الماء. ولأنَّ في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في
vol. 2, p. 429قوله تعالى: {عَابِرِي سَبِيلٍ} ويكون المخصوص أكثر من الباقي، فإنَّ واجد الماء أكثر من عادمه؛ وفي قوله (١) : {وَلَا جُنُبًا} لاستثناء المريض أيضًا، وفيه تخصيص أحد الشيئين (٢) بالذكر مع استوائهما في الحكم. ولأنَّ عبور السبيل حقيقةً (٣) : المرور والاجتياز، [١٣٨/أ] والمسافر قد يكون (٤) لابثًا وماشيًا، فلو أريد المسافر لقيل: «إلا ابن سبيل» (٥) ، كما في الآيات التي عنى بها المسافرين.
-
والتوجيه المذكور عن أصحابنا على ظاهره ضعيف أيضًا، لما تقدَّم من أن الآية نزلت في قوم صلَّوا بعد شرب الخمر، ولم يكن ذلك في المسجد، وإنما كان في بيت رجل من الأنصار. ولأنه جوَّز القربان للمريض والمسافر إذا عُدِمَ الماء بشرط التيمُّم، وهذا لا يكون في المساجد غالبًا.
-
وإنما الوجه في ذلك أن تكون الآية عامّةً في قربان الصلاة ومواضعها، واستثني من ذلك عبورُ السبيل، وإنما يكون في مواضعها خاصَّةً. وهذا إنما فيه حملُ اللفظ على حقيقته ومجازه، وذلك جائز عندنا على الصحيح (٦) . وعلى هذا فتكون الآية دالَّةً على منع اللبث. أو تكون الصلاة هي الأفعال، ويكون قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} استثناءً منقطعًا. ويدل ذلك على منع اللبث، لأنّ
vol. 2, p. 430تخصيص العبور بالذكر يوجب اختصاصه بالحكم، ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي، كأنه قال: لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل.
-
وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث، لما روى أبو نعيم: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء. وكان الرجل يكون جنبًا، فيتوضَّأ، ثم يدخُل فيتحدَّث (١) .
وقال عطاء بن يسار: رأيت رجالًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد، وهم مُجنبون، إذا توضؤوا وضوءَ الصلاة. رواه سعيد (٢) .
-
وهذا لأن الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء، ويرفع حكمَ الحدث الأصغر عن سائر البدن، فيقارب من عليه الحدث الأصغر فقط. ولهذا أُمِر الجنبُ إذا أراد النوم والأكل بالوضوء، ولولا ذلك لكان مجرَّد عَبث. يبيِّن ذلك أنه قد جاء في نهي الجنب أن ينام قبلَ أن يتوضأ: أن لا يموتَ فلا تشهدَ الملائكة جنازته (٣) . فهذا يدلُّ على أنه إذا توضَّأ شهدَتْ جنازتَه، ودخلَت المكان الذي هو فيه. ونُهيَ الجنبُ عن المسجد لئلا يؤذي الملائكة بالخروج، فإذا توضَّأ أمكن دخولُ الملائكة المسجدَ، فزال المحذور.
-
وهذا العبور إنما يجوز إذا كان لحاجة وغرض، وإن لم يكن ضروريًّا.
- vol. 2, p. 431
فأمّا لمجرَّد (١) العبث فلا. فإن اضطُرَّ إلى اللبث في المسجد أو إلى الدخول ابتداءً، أو اللبثِ فيه لخوف على نفسه وماله= جاز ذلك، ولزمه التيمُّم في أحد الوجهين، كما يلزم إذا لبث فيه لغير ضرورةٍ وقد عَدِم الماء. والمنصوص عنه: أنه لا يلزمه لأنه مُلْجَأ إلى اللبث والمقام غيرَ قاصد له، فيكون في حكم العابر المجتاز، كالمسافر لو حبسَه عدوٌّ أو سلطان كان في حكم المجتاز في رُخَص السفر. ولهذا لو دخل المسجدَ بنيَّة اللبث أثِمَ، وإن لم يلبَث، اعتبارًا بقصد اللبث، كما يعتبر قصد الإقامة.