مسألة: (ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر. ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد به)
67 paragraphs · vol. 2, p. 522
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 536
والزائد على ذلك لا يوصف بالوجوب عند بعض أصحابنا، لأن الواجب لا يجوز تركُه، وقد سمَّى الله تعالى ما زاد على الواجب تطوعًا في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعني: بأكثر من مسكين {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: ١٨٤] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي
vol. 2, p. 537وجبت في ماله بنت مخاض: «ذلك الذي عليك. فإن تطوَّعتَ بخير منه قبِلناه منك، وآجرَك الله عليه» (١) .
-
ووصفه بعضهم بالوجوب، وإن جاز تركه، كما في الركعتين الزائدتين في صلاة السفر، كما قال بعضهم في الواجب الذي ليس بمقدَّر مثل القيام والركوع والسجود، إذا طوَّله زيادةً على أقلِّ ما يجزئ. وأكثرُ ما فيه أنه يجب باختيار المكلَّف، وهذا جائز، كما يجب إتمامُ الإحرام إذا شَرع فيه.
-
ويجب على العامِّيّ الأخذُ بأحد القولين، إذا اختار تقليد صاحبه. وهذا لأنا [١٧٧/ب] نخيِّره بين أن يتركه أو يفعله على صفة الوجوب، كما يخيَّر بين ترك نوافل العبادات وبين أن يفعلها على الوجه المشروع. فتكون الصفةُ واجبةً بشرط فعل الأصل، وإن لم تكن واجبةً إذا ترك الأصل.
-
فصل
وتجب الكفّارة على العالم والجاهل، سواء كان جاهلًا بالحيض وبالتحريم أو بهما؛ وكذلك الناسي كالعامد، في المنصوص من الوجهين. وفي الآخر: لا يجب. قاله ابن أبي موسى وغيره (٢) ، لأنه معذور، ولأنها كفارة صغرى فلم تجب مع السهو ككفارة اليمين.
-
والأول أشهر، لأنّ الحديث عامٌّ. وقد روى حرب (٣) عن عبد الحميد بن
vol. 2, p. 538عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتى جاريةً له، فقالت: إني حائض، فكذَّبها، فوقع عليها، فوجدها حائضًا. فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال له: «يغفر الله لك أبا حفص. تصدَّقْ بنصف دينار» . ولأنَّ المحرِم أو الصائم إذا وطئ ناسيًا وجبت الكفارة في المشهور من الروايتين، وكذلك هنا.
-
فإن وطئها طاهرًا، فحاضت في أثناء الوطء، فإن استدام لزمته الكفارة. وإن نزع في الحال انبنى على أن النزع هل هو جماع؟ وفيه قولان لأصحابنا، أحدهما: هو جماع. فإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إن جامعتُكِ، لم يجُز له أن يجامعها أبدًا، في إحدى الروايتين، خشيةَ أن يقع النزع في غير ملك. وإذا طلع عليه الفجر، وهو مُولج، فنزَع في الحال لزمته الكفَّارة، كما اختاره ابن حامد والقاضي (١) . فعلى هذا تلزمه الكفارة هنا [١٧٨/أ] على الوجه المنصوص. وهو اختيار ابن حامد، لأن أكثر ما فيه أنه معذور، والمعذور تلزمه الكفارة في النزع، كما تلزمه في الصيام والإحرام. وعلى الوجه الذي اختاره ابن أبي موسى لا كفارة عليه.
-
والقول الثاني: ليس النزع بجماع. فلا شيء عليه هنا، كما لا يفسد صومه بالنزع عند أبي حفص (٢) ، ولا يأثم به في اليمين على إحدى الروايتين.
- vol. 2, p. 539
وهل تجب الكفارة بوطء الصبيِّ والمجنون؟ على وجهين.
-
وتجب من الذهب الخالص. قال جماعة من أصحابنا: وسواء كان تبرًا أو مضروبًا. ويتوجَّه أن لا يجزئه إلا المضروب، لأنّ الدينار اسمٌ للمضروب خاصَّةً، ولهذا يلزمه ذلك في الدية. ولو كان ماله دنانير فأخرج عنها مكسَّرًا لزمه أن يُخرج الفضل بينهما في الزكاة، ويجوز أن يعطيها لواحد وجماعة؛ لأنه لم ينصَّ على عدد، فأشبهت النذر. وإخراج القيمة هنا كإخراجها في الزكاة والكفارة، وكذلك الدراهم عن الدنانير. وقيل: يجوز هنا، وإن لم يجزئه هناك كالخراج والجزية.
-
وأمَّا المصرف، فهو مصرف الكفَّارات في أحد الوجهين، وهم الفقراء والمساكين وكلُّ من يعطى من الزكاة لحاجته (١) كابن السبيل، والغارم لمصلحة نفسه، والمكاتَب. وفي الوجه الآخر: هم المساكين خاصَّة. وكذلك كلُّ صدقة مطلقة.
-
هل تسقط (٢) بالعجز؟ على روايتين، ذكرهما القاضي. إحداهما (٣) : تسقط، واختارها ابن حامد وغيره (٤) ، ككفارة الوطء في رمضان، ولأنه حقٌّ ماليّ ليس ببدل ولا له بدل، [١٧٨/ب] فأشبه صدقة الفطر والمال، لقوله
vol. 2, p. 540- صلى الله عليه وسلم -: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (١) .
-
والثانية: أنها لا تسقط، واختارها بعضهم، ككفَّارة اليمين والظهار والإحرام.
-
فصل
وأمّا المرأة، فلا يجب عليها إن كانت مكرهةً، وهي التي أُضجِعَتْ قهرًا، أو وُطئت وهي نائمة، إذ لا فعل لها. فأما المطاوِعة ففيها وجهان تخريجًا على الصوم والحجّ، لكن المنصوص هنا هو الوجوب، وهو الصحيح في الجميع. لكن تمكينها من وطء الرجل بمنزلة الوطء في الحدِّ، ففي الكفارة أولى. وأما النائمة والتي ضُربت حتى مكَّنت، فهل تلحق بالمطاوعة أو المغلوبة على نفسها؟ على وجهين. ويتخرَّج أن تجب على المكرَهة أيضًا ويتحمَّلها الزوج أو لا يتحمَّلها (٢) ، كما في الحجِّ والصيام، فعلى هذا يلزمها كفارة أخرى. وقيل: الكفارة الواحدة يشتركان فيها.
-
ويجب في وطء النفَساء ما يجب في وطء الحائض، نصَّ عليه، لأنها مثلها.
-
فأمّا الوطءُ في الدم المشكوك فيه، فلا يجوز. وأما الكفارة فينبغي إن تبيَّن أنه حيض كالمبتدأة والمعتادة المنتقلة عادتها أو العائدِ دمُها بعد
vol. 2, p. 541انقطاعه في الحيض والنفاس، إذا تكرَّر ذلك، فعليها الكفارة، وإلا كان كوطء المستحاضة. ووطءُ المستحاضة حرام في إحدى الروايتين إلا أن يخاف العنَت، لأنه دم أذًى، فأشبه الحيض. وفي الأخرى: لا يحرُم كدم القروح والجروح في الفرج، ولم يذكر فيه كفارة.
-
الفصل الخامس: أنّ الحيض يمنع سنَّة الطلاق [١٧٩/أ] فإذا طلَّقها في حالة الحيض كان مبتدعًا بذلك آثمًا (١) ، لقوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] يعني: طاهرًا من غير جماع.
-
وعن عبد الله بن عمر أنه طلَّق امرأته (٢) ، وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتغيَّظ فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر. فإن بدا له أن يطلِّقها فلْيطلِّقها قبل أن يمسَّها. فتلك العدَّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساء» رواه الجماعة (٣) .
-
ولأنه إذا طلَّقها حائضًا لم تحتسب بتمام (٤) الحيضة من القروء، فتتربَّص بعد تلك الحيضة بثلاثة (٥) قروء، وفي ذلك تطويل للعدّة، وذلك
vol. 2, p. 542إضرارٌ (١) بها. وقد قيل: إنَّ الحيض مظنَّة الزهد فيها والنفرة (٢) عنها، فربما يُعقبه الندم.
-
فإذا انقطع الدم كان الطلاق سنّةً، نصّ عليه. وذكر أبو بكر عبد العزيز فيها قولين (٣) ، يعني: روايتين. إحداهما: أنه بدعة حتى تغتسل، وهو اختيار بعض أصحابنا، لأنّ في رواية أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: «مُرْ عبد الله فَلْيراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسَّها حتى يطلِّقها. وإن شاء أن (٤) يُمسكها فَلْيُمسِكْها، فإنّها العِدّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساءُ» رواه الدارقطني (٥) .
-
وهذه الرواية تفسِّر (٦) الرواية الأخرى، وتبيِّن أنَّ المسيس والطلاق إنما يكون بعد الاغتسال. ولأنَّ ما قبل الاغتسال في حكم الحيض في تحريم الوطء، وبقاء العِدّة، وجواز الرجعة؛ فكذلك في تحريم الطلاق وابتداء العِدَّة. وطردُ ذلك إذا قلنا [١٧٩/ب] : إن حضتِ حيضةً فأنتِ طالق.
-
ووجه الأول: ظاهرُ حديث ابن عمر في الرواية المشهورة، ولأنه يصحّ فيه صومها، وتجب فيه الصلاة، فأشبَه ما بعد الاغتسال.
- vol. 2, p. 543
الفصل السادس: أنه يمنع الاعتدادَ بالأشهُر إذا حصلت الفرقة في الحياة، ويوجب الاعتداد به، لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] وقوله سبحانه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: ٤] . فالأمرُ (١) بثلاثة القروء (٢) إنما هو لذوات القرء (٣) . ومفهوم قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} أن من ليست من الآيسات ولا من الصغار تعتدُّ بسوى ذلك، وهو الحيض. فأمّا المتوفَّى عنها زوجُها فعدَّتها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت (٤) صغيرةً أو آيسةً أو ممن تحيض، لقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} الآية [البقرة: ٢٤٠] فعَمَّ ولم يخُصَّ.
-
الفصل السابع: أنه يوجب الغسل. وهذا إجماع لما روت عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تستحاض، فسألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنما ذاك عِرق، وليست بالحيضة. فإذا أقبلت الحَيضة فدَعي الصلاةَ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» رواه البخاري (٥) . وقد تقدَّم أمرُه للحائض بالاغتسال من حديث أم سلمة، وعائشة، وأسماء، وغيرهن.
-
ولأن الله سبحانه وتعالى أخبر أنَّ الحائض ليست بطاهر بقوله: {وَلَا
vol. 2, p. 544تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] ، [١٨٠/أ] وأمر بالطهارة للصلاة بقوله في سياق آية الوضوء {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} إلى قوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: ٦] مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاةً بغير طَهور» أخرجه مسلم (١) . فعُلِم بذلك أنَّ صلاتها قبل التطهُّر صلاةٌ بغير طَهور، فلا تصحُّ. ولأنَّ حدثها أغلظ من حدث الجنب، فهي بالغسل أولى.
-
والموجب له عند بعض أصحابنا: انقطاع الدم، لأنَّ ما قبل ذلك لا يصحّ اغتسالها، فلا يكون الغسل واجبًا. وعند بعضهم الموجب له: خروجُ الدم؛ وانقطاعُه شرطٌ لصحته، كما يجب الغسل والوضوء بخروج الخارجات قبل انقطاعها، وإن كانت الطهارة لا تصح إلا بعد انقطاعها، وهذا أقيس.
-
ولو كان عليها غسلُ جنابة، وهي حائض، لم يجب عليها، لأنه لا يفيد شيئًا. لكن إن كانت الجنابة قد أصابتها قبل الحيض يستحبُّ لها أن تغتسل غسلَها من الجنابة، وإن كانت حائضًا، نصَّ عليه في مواضع؛ لأنها تستفيد بذلك ارتفاع حدث الجنابة الواجب قبل الحيض، ومتى اغتسلت صحَّ، وارتفع حدثُ الجنابة، [و] (٢) بقي حدث الحيض.
-
الفصل الثامن: أنه يوجب البلوغ لِما (٣) روت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخِمار» رواه الخمسة إلا
vol. 2, p. 545النسائي (١) . ولأنه بالحيض تصلح المرأة أن تكون أمًّا، فحصل به الإدراك والبلوغ كالإنزال. ولأنه [١٨٠/ب] أحد الأصلين من المرأة اللذين يُخلَق منهما (٢) الإنسانُ، فحصل البلوغ به كالمني. ولأنّ بلوغَ الأشُدِّ هو استكمال الإنسان قواه، والحيض والإمناء آخر قوى (٣) البدن حصولًا، فبه (٤) يحصل بلوغُ الأشُدّ.