مسألة: (روى عبادة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة)
58 paragraphs · vol. 3, p. 11
Page 1 of 2
- vol. 3, p. 11
عهدٌ. إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له». فالصلوات الخمس واجبة على كلِّ مسلم بالغ عاقل، إلا الحائضَ والنفساءَ).
-
أمَّا عددُ الصلوات المكتوبات وعدد ركعاتها في حقِّ المقيم الآمن، فهو من باب العلم العامِّ الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبلِّغِ عن الله، المبيِّنِ (١) عنه معنى (٢) [٢١١/أ] خطابه وتأويلَ كلامه، الشارعِ عن الله بإذنه وبما أنزل إليه من الكتاب والحكمة.
-
وقد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك, مثل الحديث الذي ذكره الشيخ - رحمه الله - , وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) .
-
وعن طلحة بن عبيد الله (٥) أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبِرْني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة (٦) ؟ قال: «الخمسَ إلا أن تَطَّوَّع شيئًا» فقال: أخبِرْني ماذا فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: «شهرَ رمضان إلا أن تطَّوَّع» فقال: أخبِرني ماذا فرض الله عليّ من الزكاة؟ قال فأخبَره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام. قال: والذي أكرمَك، لا
vol. 3, p. 12أتطوَّع شيئًا، ولا أنقُص مما فرض الله عليّ شيئًا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفلحَ إنْ صدَق» أو «دخل الجنةَ إن صدَق» متفق عليه (١) .
-
وعن أنس بن مالك قال: فُرِضَت الصلاةُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ أسرِي به خمسين، ثم نُقِصَت حتى جُعِلت خمسًا، ثم نودي: يا محمَّدُ إنه لا يُبدَّل القولُ لديَّ، وإنَّ لك بهذه الخمس خَمْسِين. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه (٢) .
-
ومعناه في «الصحيحين» من حديث مالك بن صعصعة (٣) وغيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَعلِمْهم أنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صلوات في اليوم والليلة» (٤) ، وحديث ضِمام بن ثعلبة (٥) .
-
وهي [٢١١/ب] واجبة على كلِّ مسلم عاقل (٦) بالغ ــ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع ــ على أيِّ حال كان، من صحة أو سقم، أو خوف أو أمن (٧) ، أو إقامة أو سفر ــ والأدلّة (٨) الدالَّة على وجوبها في هذه الأحوال عمومًا
vol. 3, p. 13وخصوصًا كما تذكر (١) إن شاء الله تعالى ــ إلا الحائض والنفساء، لما سبَق في باب الحيض أنَّ الحائض لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة. فأمَّا المستحاضة ومَن به سلَسُ البول، فتجب عليهما. ويجب عليهما قضاءُ ما تركاه منها، كما تقدَّم.
-
فصل
فأما الكافر الأصلي، فإنها تجب عليه، في أشهر الروايتين، بمعنى أنه يعاقَب على تركها في الآخرة، وفي الدنيا إذا شاء الله تعجيلَ عقوبته؛ ويُذَمُّ على ذلك في الدنيا والآخرة.
-
فأما في حال كفره، فلا تصحُّ منه. وإذا أسلم لم يجب عليه القضاء باتفاق، لأنَّ الله تعالى يقول: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] .
-
وعن عمرو بن العاص قال: لما جعَل الله الإسلامَ في قلبي أتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: ابسُطْ يدَك فلْأُبايِعْك. فبسَط يمينَه. قال: فقبضتُ يميني، فقال: «ما لك يا عمرو؟» . فقلتُ: أردتُ أن أشترِط. فقال: «تشترط ماذا؟» قلتُ: أن (٢) يُغفَر لي. قال: «أما علمتَ أنَّ الإسلامَ يهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدِم ما كان قبله؟» رواه مسلم (٣) .
-
وفي لفظ لأحمد (٤) : «الإسلام يجُبُّ ما قبلَه» .
- vol. 3, p. 14
وقوله: «الإسلام يهدم [٢١٢/أ] ما قبله» يعني (١) : من تركِ الواجبات وفعلِ المحرَّمات، بخلاف الهجرة والحجِّ فإنهما يهدمان ما فعل من إثم فيما بين العبد وبين الله تعالى، دون ما ترك من واجب يُقضَى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أحدًا ممن أسلم أن يقضي صلاةً ولا صومًا ولا زكاةً، ولم يأخذه (٢) بضمان دم ولا مال ولا شيء (٣) من الأشياء.
-
وهذا لأنّ الكافر كان منكرًا للوجوب وللتحريم، فكان الفعل والترك داخلًا في ضِمْن هذا الاعتقاد الباطل، وفرعًا له. فلما تاب من هذا الاعتقاد وموجَبِه غفر الله له الأصلَ وفروعَه (٤) ، ودخلت هذه الفروع فيه في حال المغفرة، كما دخلت فيه في حال المعصية. بخلاف من تركه معتقدًا للوجوب، فإنَّ (٥) الترك هناك غير مضاف إلى غيره بل إلى كسل، فالتوبةُ منه بالنشاط إلى فعل ما ترَك (٦) .
-
ولا يخاطَب الكافرُ بفعلها إلا بعد أن يُسلِم، لما روى ابن عباس أنَّ النبيَّ
vol. 3, p. 15- صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنَّك تأتي قومًا أهلَ كتاب (١) ، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله. فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلِمْهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، فتُرَدُّ إلى فقرائهم. [٢١٢/ب] فإن هم أطاعوك لذلك فإيَّاك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» رواه الجماعة (٢) .
-
وأما الكافر المرتدّ، فالمشهور أنه يلزمه قضاءُ ما تركه (٣) قبل الرِّدَّة من صلاة وزكاة وصوم، ولا يلزمه قضاءُ ما تركه في زمن الرِّدّة. وهذا هو المنصوص عنه في مواضع، مفرِّقًا بين ما تركه قبل الرِّدَّة وبعدها.
-
وحكى ابنُ شاقْلا روايةً أنه لا يلزمه شيء من ذلك (٤) ، بناءً على أن الردَّة تُحبِط العمل لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: ٦٥] ، وقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: ٥] ، وقوله: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: ٨٨] ، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ٢٥ - ٢٨] .
- vol. 3, p. 16
وأنَّ (١) الكفر الطارئ يهدِم ما كان (٢) قبله من الصالحات، كما أنَّ الإيمان الطارئ يهدم ما كان قبله من السيئات. والقضاءُ إنما يراد به جبرُ ما حصل (٣) من الخلل في العمل، فإذا حبِط الجميعُ فلا معنى لجبره، مع ظاهر قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] .
-
وعنه رواية أخرى (٤) : أنه يلزمه قضاء الجميع. أمّا ما قبل الردَّة (٥) ، فلوجوبه عليه. وأمَّا ما بعد الردَّة، فلأنه قد (٦) التزم حكمَ الإسلام، فلا يُقبل منه الرجوع عنه؛ [٢١٣/أ] كالمسلِم إذا تركها عامدًا. ولهذا يضمن ما أتلفه في حال الردَّة من دم (٧) أو مال، على المنصوص. ولهذا لا يُقَرُّ على دينه بعقد جزية ولا رِقٍّ (٨) .
- vol. 3, p. 17
فإذا لم يُقَرَّ (١) على الاعتقاد لم يُقَرَّ على موجَبه وهو الترك، فيكون مطالَبًا بالفعل في الدنيا. ولأنَّ الدليل يقتضي وجوبها على كلِّ حال (٢) . وإنما عُفي للكافر الأصلي عن القضاء، لأنَّ مدَّة الترك تطول غالبًا. وقد كان على دين يَعتقِد صحتَه، ولم يَعتقد بطلانَه؛ وهو مع ذلك مُقَرٌّ عليه، يجوز أن يهادَن ويُؤمَن وأن يسترَقَّ ويُعقَد له الجزية إن كان من أهل ذلك، بخلاف المرتدِّ.
-
ووجه المشهور: أنَّ ما تركه قبل الردَّة (٣) قد وجب في ذمته واستقرَّ، فلا يسقط بعد ذلك بفعله لو كان مباحًا، فكيف يسقط بالمحرَّم؟ ولأنه ترك صلاةً يُخاطَب بفعلها ابتداءً، فخوطب بقضائها كالنائم والناسي، وأولى. ولأنّ تخلُّلَ المُسقِط بين زمنَي (٤) الوجوب والقضاء لا يُسقِط الواجبَ، كما لو ترك الصلاةَ ثم حصل جنون أو حيض، ثم حصل العقل والطهارة، فإنه يجب القضاء.
-
وأمَّا حبوطُ عمله بالردَّة، فقد منع ذلك أكثر أصحابنا (٥) ، وقالوا: الآيات فيمن مات على الردَّة، بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة:
vol. 3, p. 18٢١٧]. والإطلاق في الآيات البواقي لا يمنع [٢١٣/ب] ذلك، لأنَّ كلَّ عقوبةٍ مرتَّبةٍ على كفر، فإنها مشروطة بالموت عليه؛ كما أنَّ كلَّ مثوبة مرتَّبة على إيمان، فإنها مشروطة بالموت عليه (١) .
-
فإن قيل: التقييد في هذه الآية بالموت على الكفر إنما كان لأنه رتَّب عليه (٢) شيئين، وهما (٣) : حبوط العمل، والخلود في النار، والخلود إنما يستحقُّه الكافر؛ وتلك الآيات إنما ذُكِر فيها الحبوط فقط، فعُلِم أنَّ مجرَّد الردَّة كافٍ (٤) فيه.
-
قلنا: قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة، ٥] وقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: ٦٥] ، لا يكون إلا لمن مات مرتدًّا، لأنَّ الخاسرين: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وهذا ليس لمن مات على عمل صالح.
-
ولأنه (٥) إذا عاد إلى الإسلام فقد غُفِر له الارتداد الماضي، فإن (٦) التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجَباته، وحبوطُ العمل من موجَباته. يبيِّن هذا أنه لو كان فعَل في حال الردَّة ما
vol. 3, p. 19تقتضيه الردَّة من شتم أو سبٍّ أو شُربٍ (١) لم يُقَم عليه إذا أسلم.
-
ولأنَّ الكافر (٢) الحربيَّ لو تقرَّب إلى الله بأشياء، ثم خُتِم له بالإسلام، لكانت محسوبةً له، بدليل ما روى حكيم بن حِزام قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيت أمورًا كنتُ أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة (٣) وعتاقة وصلة، هل فيها من أجر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أسلمتَ على ما سلَف لك مِن [٢١٤/أ] خيرٍ» متفق عليه (٤) .
-
فإذا كان الكفرُ المقارِنُ (٥) للعمل لا يُحبِط إلا بشرط الموت عليه، فأن لا يحبطَه (٦) الكفر الطارئ إلا بشرط الموت أحرى وأولى، لأنَّ بقاءَ الشيء أولى (٧) من ابتدائه وحدوثه، والدفع أسهل من الرفع. ولهذا فإنَّ (٨) الردَّة والإحرام والعِدَّة تمنع ابتداء النكاح، دون دوامه. كيف وتلك الأعمال حين عُمِلت عُمِلت لله سبحانه، وقد غفَر الله ما كان بعدها من الكفر بالتوبة منه.
- vol. 3, p. 20
ومن أصحابنا من قال: يُحبِط العمل مطلقًا، لكن قال: الإحباط هو (١) إهدارُ الثواب، لا إبطال العمل في نفسه؛ بدليل أنه لا ينقض ما قبل الردَّة من الأمور المشروطة بالإسلام، كالحكم والولاية والإرث والإمامة والذبح. فلا تبطل صلاةُ من صلَّى خلفه (٢) ، ولا يحرُم ما ذبحه قبل الردَّة. ولا يلزم من بطلان ثوابه بما فعله سقوطُ الواجب الذي لم يفعله، فإنّ الردَّة تناسب التشديد لا التخفيف.
-
ثم نقول: فعلُ المكتوبة له فائدتان. إحداهما: أنه يقتضي الثواب. والثانية: أنه يمنع العقاب الواجب بتقدير الترك. فإذا ارتدَّ ذهبت الفائدة الواحدة (٣) وهي (٤) الثواب، وبقيت الأخرى، وهي منعُ العذاب على الترك، بحيث لا يعذَّب مَن فعل وحبط (٥) عمله، على نفس ما فعله من الخير (٦) ، وإنما يعذَّب على الكفر المُحبِط، كما يعذَّب من لم يفعل. وهذا الخلل [٢١٤/ب] يتعيَّن جبرُه، وإلا عوقب على الترك.
-
وهذا معنى ما يجيء في كثير من الأعمال الواجبة أنها غير مقبولة، أي لا ثواب فيها، وإن أبرأت الذمَّةَ، بحيث لولا الفعلُ لكان معاقَبًا (٧) ، ولولا
vol. 3, p. 21السبب المانع من القبول (١) لكان فيها ثواب. ولهذا قلنا: إذا أتى قبل الردَّة ما يوجب الحدَّ من زنى أو سرقة أو غيرهما (٢) ، فإنه يقام عليه الحدُّ بعد الإسلام الثاني، نصَّ عليه؛ بخلاف من أقيم عليه الحدُّ قبل الردَّة، فإنه لا يقام عليه الحدُّ ثانيةً.
-
وأيضًا (٣) فلو فرضنا أن لا فائدة أصلًا فيما فعله قبل الردَّة، فإنما ذاك (٤) فيما يفعله دون ما وجب (٥) عليه ولم يفعله؛ فإنه الآن قادر على فعله على وجهٍ يفيده (٦) ، فيجب عليه، كما يجب عليه (٧) قضاء الحقوق التي كانت واجبةً قبل الردَّة. ويثاب على قضائها، وإن كان قد بطلت فائدةُ ما قضاه قبل الردَّة (٨) .
-
وأما ما بعد الردة (٩) ، فإنه لم يخاطَب به ابتداءً، وإنما يخاطب أولًا بالإسلام، فلا يجب قضاؤه كالكافر الأصلي؛ فإنَّ الموجِبَ للسقوط في أحدهما موجودٌ في الآخر. وقد ارتدَّ جماعة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر،
vol. 3, p. 22ومكث منهم طائفة على الردَّة (١) برهةً من الدهر، ولم يُنقَل أنَّ أحدًا منهم أُمِر بالقضاء. ولأنَّ الترك هنا كان في ضمن الاعتقاد، فلما غُفِر له الاعتقاد غُفِر له ما في ضمنه. ولأنَّ إيجابَ القضاء هنا قد يكون فيه تنفير عن الإسلام، لا سيَّما إذا كثرت أعوامُ الردَّة، وكانت (٢) الأموال كثيرة؛ [٢١٥/أ] فإنه قد يعجز عن القضاء، فيصبر (٣) على الكفر فرارًا من القضاء.
-
فأما ما فعله قبل الردَّة، فلا يجب عليه قضاؤه بحال، لأنَّ الذمة برئت منه، حتّى الحجّ في إحدى الروايتين. وعنه: إيجابُ قضاء الحجّ. فمن أصحابنا من علَّل ذلك بأنَّ العمل الماضي حَبِط بالردَّة، فيجب عليه ما يجب على الكافر الأصلي. فعلى هذا يجب إعادة ما صلَّى (٤) إذا أسلم، ووقتُه باقٍ. وهذه طريقة ابن شاقْلا وأبي الخطاب وغيرهما (٥) .
-
وقال القاضي وأكثر أصحابه مثل الشريف أبي جعفر والآمدي (٦) : يجب إعادةُ الحج، مع القول بأنَّ العمل لم يحبَط أصلًا (٧) ؛ لأنَّ هذا
vol. 3, p. 23إسلام (١) جديد، والإسلام مبنيٌّ (٢) على خمس، فلا بدَّ فيه من جميع المباني؛ بخلاف ما تكرَّر (٣) وجوبه من الصلاة والزكاة والصوم. ولأنَّ الاحتساب له بذلك الحجِّ لا يمنَع أن يجب عليه حجٌّ ثانٍ بالإسلام، كالكافر الحربي لو حجَّ ثم أسلم لزمه حجٌّ ثانٍ (٤) ، مع أنَّ ذلك الحجَّ محسوب له. وكذلك العبد والصبيّ لو حجَّا قبل الوجوب كُتب لهما ثوابه، ثم يلزمهما بالوجوب (٥) حج ثان.
-
وإذا أسلم لزمه قضاءُ ما تركه بعد الإسلام، وإن لم يعلم وجوبه.
-
فصل
وأما المجنون، فلا يجب عليه قضاؤها (٦) في ظاهر المذهب. نصَّ عليه في رواية صالح وأبي داود وغيرهما (٧) .
-
وقد روى حنبل عنه (٨) : أن المجنون يقضي الصلاة والصيام إذا أفاق، كالمغمى عليه. وحمله بعض أصحابنا على الجنون [٢١٥/ب] العارض دون المطبِق، لقرب شبهه بالإغماء.
vol. 3, p. 24وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال (١) : المبرسَم (٢) يعيد (٣) الصلاة، وإن طال ذلك شهرًا أو أكثر.
-
والأول هو المذهب، لما روى عليٌّ (٤) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يُفيق» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٥) . وهذا الحديث ينفي القضاء والأداء، لكن وجب القضاء على النائم، لقوله: «من نام عن صلاة أو نسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكَرها» (٦) ، فبقي المجنون على الإطلاق كالصبي.
- vol. 3, p. 25
وأما من زال عقله بغير الجنون (١) ، فيجب عليه القضاء، سواء كان السبب مباحًا أو محرَّمًا (٢) ، من فعله أو من غير فعله، كالسكران ببَنْجٍ (٣) أو خمرٍ (٤) ، والنائم، والمغمَى عليه لمرضٍ أو شُربِ دواء أو غير ذلك.
وقال القاضي: إن كان الإغماء بشرب دواء مباح لم يجب القضاء، لأنه لو وجب القضاء لامتنع من شرب الدواء، بخلاف إغماء المريض (٥) .
-
والمباح: هو ما تحصل معه السلامة في أغلب الأحوال، وإن كان سمًّا (٦) في أقوى الوجهين. وفي الآخر: لا يجوز شربُ السَّمِّ بحال (٧) .
-
وقيل: إن كان عقله يزول بالدواء ويطول (٨) ، فهو كالمجنون. وإن كان لا يدوم كثيرًا، فهو كالإغماء.