مسألة: (روى عبادة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة)
58 paragraphs · vol. 3, p. 11
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 25
والأول: المذهب، لأنها عبادة، فلم (٩) تسقط بالإغماء، كالصيام وسائر العبادات (١٠) .
vol. 3, p. 26قال الإمام [٢١٦/أ] أحمد (١) : أغمي على عمَّار بن ياسر ثلاثًا، فقضى (٢) . وروي نحو ذلك عن سمُرة بن جُندُب وعمران بن حصين (٣) .
-
وهذا لأنَّ هذه الأسباب هي بين محرَّم لا يُعذَر في شربه وبين مباح تقصُر (٤) مدته غالبًا، فأشبه النومَ. ويفارق الجنون، فإنه يطول غالبًا، وينافي أهلية التكليف، ويوجب الولاية على صاحبه، ولا يجوز على الأنبياء. ولأنَّ الإغماء والنوم ونحوهما (٥) يزيل الإحساس الظاهر والعقل الظاهر، وإلا فيجوز أن يرى رؤيا، ويُوحَى إليه في حال نومه وإغمائه، ويكون زوال العقل تبعًا لزوال الحسِّ الظاهر (٦) ؛ بخلاف المجنون فإنَّ حسَّه وإدراكه باقٍ، والعقل زائل، فهو في ذلك كالبهائم (٧) . ولهذا النائمُ (٨) والمغمى عليه يندر منهما القول والعمل، بخلاف المجنون.
- vol. 3, p. 27
فصل
وأمَّا الصبيُّ، فلا تجب عليه في أشهر الروايتين (١) .
-
وعنه: أنها تجب عليه إذا بلغ عشرًا. اختارها أبو بكر والتميمي (٢) ، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا أبناءكم بالصلاة لِسَبع سنين (٣) ، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع» رواه أحمد وأبو داود (٤) .
-
وعن سَبْرة الجهني قال: قال رسول الله: «مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٥) .
- vol. 3, p. 28
فقد أمرَ بالعقاب على تركها [٢١٦/ب] وما يُعاقَب على ترك شيء إلا الواجب، لا سيما مع رأفة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ورحمته بأمته. ولأنه يفهم الأمر، ويقدر على الامتثال، فوجب عليه كالبالغ. وهذا لأنَّ عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يُعلَم، والقدرة التي بها يُفعَل، وكلاهما موجود. ولأنَّ العشر مظنة الاحتلام وأول سنيه (١) ، فجاز أن تقوم مقامه.
-
ويُحمَل حديث رفع القلم على مأثم (٢) ما يفعله من الذنوب، لا على مأثم ما يتركه من الواجب. ويؤيِّد هذا أنَّ المأمورات تصح منه، فجاز أن تجب عليه. ولهذا صحَّ منه الإسلام، وهو مُلزِم (٣) لأحكام كثيرة في الدنيا والآخرة. وأما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان، فلا تحرُم عليه. ولهذا لا تصحُّ تصرفاته بغير إذن من نكاح وبيع وهبة، ويقع كفره وقذفه وزناه وسرقته غيرَ موجب للحدِّ والعقوبة. ومن قال هذا صحَّح إسلامه دون رِدَّته كإحدى الروايات (٤) ، وهذا لأنَّ فعلَ البِرِّ أسهل من ترك الإثم. ولهذا قال سهل بن عبد الله (٥) : أعمالُ البِرِّ يفعلها البَرُّ (٦) والفاجرُ، ولا يصبر عن الآثام إلا صِدِّيق. ومن قال هذا التزم وجوبَ الصيام إذا أطاقه.
- vol. 3, p. 29
فأمَّا الحجّ فلا يجب عليه قبل الاحتلام قولًا واحدًا، لقوله: «أيُّما صبيٍّ حجَّ به أهلُه ثم احتلم، فعليه حَجَّة أخرى» وهذا يروى مرسلًا وموقوفًا على (١) ابن عباس (٢) .
-
وكذلك لو بلغ بالسنِّ أو الإنبات ولم يحتلم لم يجب عليه.
-
ولو (٣) حجَّ بعد البلوغ بالسنِّ ثم [٢١٧/أ] احتلم لزمه إعادةُ الحج في رواية منصوصة، على ظاهر الحديث الوارد فيه؛ ولأنَّ السنَّ والإنبات (٤) ليس هو في (٥) الحقيقة الإدراك، لأنَّ الله إنما علَّق الأحكامَ ببلوغ الحلُم بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: ٦] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} [النور: ٥٩] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا
vol. 3, p. 30الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: ٥٨] (١) ، وقوله تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِع القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِم» (٢) . لكن لمَّا كان بلوغُ الحلُم خفيًّا عن غير المحتلم، وكان ذلك غالبًا يكون مع بلوغِ الخمسَ عشرةَ (٣) وإنباتِ شَعر العانة= جُعِلا مظِنَّةً و (٤) علامةً فأُقيما (٥) مقامه في الأحكام التي تتعلَّق بغير هذا البالغ، من الحدود والقصاص والجهاد والحَجْر وغير ذلك، إذ كانوا لا يطلعون (٦) على الحقيقة غالبًا؛ فأمَّا فيما بينه وبين الله فإنه يعلم وقت احتلامه.
-
ولأن هذه الأمور تتكرَّر قبل الاحتلام وبعده، فجاز أن يُجعَل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطًا وعمومًا، بخلاف الحجِّ فإنه لا يتكرَّر. فلو (٧) اجتزأ بحجِّه (٨) قبل الاحتلام لكان قد فعل الحجَّ قبل كمال قواه وبلوغ أشدِّه، وذلك لا يُجزئه (٩) إذا بلغ.
-
والرواية الأخرى هي (١٠) اختيار أكثر أصحابنا، حتى جعلها القاضي
vol. 3, p. 31روايةً واحدةً. وكذلك ابن بطَّة تأول الرواية الأولى، لما تقدَّم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِع القلمُ عن الصبيِّ حتى يحتلم» ، وهذا يعُمُّ قلم (١) الإثم الحاصل بفعلِ محرَّم أو تركِ واجب، [٢١٧/ب] كما شرِكَه (٢) في ذلك المجنون. ولأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج والجهاد. وهذا لأنَّ الصبيَّ في الأصل لمّا كان مظنة نقص العقل وضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشُدّ حدًّا للتكليف، لأنه مظنة استكمال شرائطه غالبًا.
-
ولأنها لو وجبت عليه لقُتِل بتركها كالبالغ، ولكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحدَّ ولم يكتفِ بضربه، ولم يفوِّض ذلك إلى الوليِّ. وبهذا يُعلَم أنَّ ضربه عليها ليتمرَّن عليها ويعتادها. وقد يُضرَب (٣) لمصالحه وإن لم تكن واجبةً عليه، كما تُضرب البهيمة تأديبًا لها ورياضةً (٤) وكما يُضرَب المجنون لذلك. وكان ابن عباس يقيِّد عكرمة على حفظ القرآن والسنّة (٥) . وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ عندي يتيمًا، أفَأضربُه (٦) ؟ قال: «نعم (٧) ، مما كنت ضاربًا منه
vol. 3, p. 32ولدَك» (١) .
-
وكما يُضرَب على الكذب وفعل المحرَّمات، ليكُفَّ عنها ويعتاد تعظيمَ المحرَّمات، وإن كان قلم إثمها (٢) مرفوعًا إجماعًا.
-
وعلى كلتا (٣) الروايتين، فيؤمر بها إذا بلغ سبعَ سنين. قال بعض (٤) أصحابنا: ويهدَّد على تركها، ويُضرَب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث. وذلك واجب على وليِّه وكافله. نصَّ عليه لما (٥) تقدَّم في الحديث، فإنَّ الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الوجوب، وقد قال الله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: ٦] ، قال علي عليه السلام (٦) : علِّموهم وأدِّبوهم (٧) .
- vol. 3, p. 33
وإهمال ذلك سببُ مصيره إلى [٢١٨/أ] النار. ولأنَّ هذا من مصالحه، فوجب مراعاتُه، كما يجب حفظُ ماله، ومنعُه من جميع الفواحش والمعاصي. ويؤمر مع ذلك بالطهارة ونحوها مما يُشترط للصلاة، لأنَّ الصلاة لا تصحّ بدونها.
-
فإن (١) بلغ في أثناء الوقت لزمته الصلاة، وإن كان قد صلَّاها أو هو فيها؛ لأنها حينئذ وجبت عليه، وما تقدَّم كان نفلًا فلم يمنع الإيجاب، كما لو حجَّ (٢) قبل البلوغ ثم بلغ. ولو بلغ في أثنائها وقد خرج (٣) الوقت لم تجب عليه، لزوال وقت الوجوب. هذا هو المذهب المنصوص، حتى لو احتلم في أثناء الليل وقد صلَّى المغرب والعشاء أعادهما. نصَّ عليه.
-
ولو قيل: إنه إذا (٤) صلَّاها مرةً لم تجب عليه ثانيةً، لكان وجهًا (٥) لأنَّ تعجيلَ الصلاة والزكاة قبل وجوبها ــ إذا كان مشروعًا ــ يمنع (٦) الوجوب،
vol. 3, p. 34كما لو صلَّى الثانية من (١) المجموعتين في وقت الأولى، أو فعل الجمعة قبل الزوال. وكذلك لو عجَّل زكاة ماله قبل وجوبه. والنفلُ قد يمنع وجوبَ الفرض، كما لو صلَّى العيدَ أول النهار سقطت عنه الجمعة. ولأنَّ العادة الغالبة أنَّ الصبيان يحتلمون بالليل، ولم يُنقَل عنهم أنَّهم كانوا يؤمرون بإعادة المغرب والعشاء.