مسألة: (فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عنادا كفر)
3 paragraphs · vol. 3, p. 34
- vol. 3, p. 34
هذا أصل مطَّرِد (٣) في مباني الإسلام الخمس (٤) وفي الأحكام الظاهرة المجمَع عليها (٥) . [٢١٨/ب] إن كان الجاحدُ لذلك معذورًا، مثل أن يكون حديثَ عهدٍ بالإسلام، أو قد نشأ ببادية هي مظنةُ الجهل بذلك، لم يكفُر حتى يعرَّف أن هذا دين الإسلام، لأن أحكام الكفر والتأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة، لا سيَّما فيما لا يُعلَم بمجرَّد العقل.
قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] . وقال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥] ، وقال
vol. 3, p. 35تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: ١٣٤] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} وقال تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: ١٩] ، فالإنذار يحصل (١) لمن بلغه القرآن (٢) بلفظه أو معناه. فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو غير (٣) واسطة قامت عليه الحجة وانقطع عذره.
-
فأما الناشئ بديار (٤) الإسلام، ممن يُعلَم أنه قد بلغته هذه الأحكام، فلا يُقبَل قولُه: إنّي (٥) لم أعلم ذلك، ويكون ممن جحد وجوبها بعد أن بلغه العلم في ذلك، وذلك كافر (٦) كفرًا ينقل عن الملَّة، سواء صلَّاها مع ذلك أو لم يصلِّها، وسواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد، وسواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعض أو لا، وسواء تأوَّل في ذلك أو لم يتأوَّل؛ لأنه كذَّب الله ورسولَه، وكفَر بما ثبت أنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بُعِث به. ولهذا أجمع رأي عمر والصحابة في الجماعة (٧) الذين شربوا الخمر مستحلِّين لها أنهم إن أقرُّوا
vol. 3, p. 36بالتحريم جُلِدوا (١) ، وإن [٢١٩/أ] أصرَّوا على الاستحلال قُتِلوا (٢) . قالوا (٣) : وكذلك من تأوَّل تأويلًا يخالف به جماهيرَ (٤) المسلمين.
-
وكذلك لو أقرَّ أنَّ (٥) الله أوجبها، وصدَّق الرسولَ في الرسالة، وامتنع من قبول هذا الإيجاب (٦) ، وأبى أن يلتزمه وينقاد لله ورسوله (٧) كإبليس، فإنه (٨) لم ينكِر الإيجاب، وإنما استكبر عن القبول= فإنه يكفُر بذلك، ويقال له «كافر» ، ولا يقال له: «مكذِّب» .