مسألة: (ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لناو جمعها، أو مشتغل عنها بشرطها)

23 paragraphs · vol. 3, p. 36

  1. أمَّا فعلُها في الوقت المضروب لها ففرضٌ، وتأخيرُها عنه عمدًا من الكبائر، لقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] والمحافظةُ (١) : فعلُها في الوقت، لأنَّ سببَ نزول هذه (٢) الآية تأخير الصلاة يوم الخندق دون تركها (٣) ، لأنَّ السلف فسَّروها بذلك (٤) ، ولأنَّ المحافظة خلاف الإهمال والإضاعة، ومَن أخَّرها عن وقتها فقد أهملها ولم يحافظ عليها.

    vol. 3, p. 37
  2. وقولِه تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: ٥٩] . وإضاعتُها: تأخيرُها عن وقتها. كذلك فسَّرها ابن مسعود (٥) وإبراهيم (٦) والقاسم بن مُخَيْمِرة (٧) والضحاك (٨) وغيرهم، من غير مخالفٍ لهم (٩) . قال

    vol. 3, p. 38ابن مسعود: إضاعتها: صلاتها لغير وقتها (١) ، لأنَّ الشيء الضائع ليس هو معدومًا، إنما (٢) هو مهمل غير محفوظ.

  3. وقولِه تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: ٤ - ٥] . والسهو (٣) [٢١٩/ب] عنها (٤) : إضاعة الوقت (٥) .

  4. كذلك فسَّر هذه المواضع جماهير (٦) الصحابة والتابعين، وهو (٧) معقول من الكلام.

    وقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: ١٠٣] . وأمَر سبحانه الخائفَ أن يصلِّي، مع الإخلال بكثير من الأركان. وكذلك المتيمِّم ونحوه، ولو جاز التأخير لما احتاج إلى شيء من ذلك.

  5. وسائرُ الآيات الموجِبة فعلَها في الوقت المحدود مثل قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (١) [ق: ٣٩] ، وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، دليلٌ مفصَّل على ذلك. وكذلك الأحاديث.

    vol. 3, p. 39
  6. وعن (٢) أبي ذر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا أبا ذر، إنها ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة، فإن أدركتموهم فصَلُّوا الصلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً» رواه أحمد ومسلم (٣) .

  7. وعن أبي قتادة قال (٤) : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخِّر صلاةً إلى وقت (٥) الصلاة الأخرى» رواه مسلم (٦) .

  8. والنصوص بذلك (٧) كثيرة، وهو مجمع عليه.

  9. فأمّا (٨) الذي يؤخِّرها، ينوي جمعَها إلى التي بعدها، حيث يجوز

    vol. 3, p. 40ذلك= فهذا في الحقيقة قد صلَّاها في وقتها. ولذلك (١) يصلِّيها أداءً، لأن وقت الصلاة (٢) هو الزمن (٣) الذي حدَّه الله سبحانه لجواز فعلها، وإنما استثناه الشيخ لسببين.

  10. أحدهما: أنه ليس هو الوقت المطلق، وإنما هو وقتٌ في حال العذر خاصة، وقد (٤) لا يفهم هذا من مطلق الوقت.

  11. الثاني: [٢٢٠/أ] أنَّ (٥) التأخير إليه لا يجوز إلا بنية العزم على الفعل، فلو قصَد تركَها في الوقت، ولم يقصد فعلَها فيما بعد، أثِمَ بذلك.

  12. فأما تأخيرها من (٦) أول الوقت إلى آخره فيجوز. وهل يُشترَط له العزم ليكون بدلًا عن التعجيل؟ فيه وجهان:

    أحدهما: يُشترَط. قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما (٧) ، لأن الصلاة تجب بأول (٨) الوقت وجوبًا موسَّعًا. واعتقادُ الوجوب واجب على الفور،

    vol. 3, p. 41ومتى وجَب الاعتقاد وجَب (١) العزم؛ لأنه (٢) لو جاز التأخير من غير بدل عنه لبطَل معنى الوجوب في أول الوقت، ولأنَّ العزم على الترك حرام. فإذا لم يكن ذاهلًا أو ناسيًا، فلا بدَّ من العزم على الفعل أو الترك (٣) .

  13. والثاني: لا يُشترَط. قاله أبو الخطاب وغيره، وذكره القاضي في بعض المواضع (٤) ؛ لأنَّ النصوص الدالَّة على جواز التأخير ليس فيها شرطُ العزم، فاشتراطُه تحكُّم. ولأن العزم لو كان بدلًا عن الفعل، فينبغي أن لا يجب الفعل. وإن كان بدلًا عن تعجيله، فالتعجيل ليس بواجب. ولأنَّ الإنسان إذا دخل وقتُ الصلاة (٥) فإن لم يعلَم به بنوم أو غيره، فلا إثم عليه اتفاقًا.

  14. وإن علِمَ بالوقت (٦) وعزَم على الترك أَثِم اتفاقًا، لكن لنفسِ العزم على المعصية، كما لو عزمَ على الترك قبل الوقت. وإن لم يعزم على واحد منهما، أو همَّ بالترك، وحدَّث به نفسه، فهذا مورد الوجهين. و (٧) لا يجب تأثيمه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تتكلَّم أو تعمَلْ به» متفق عليه (٨) .

  15. [٢٢٠/ب] فصل

    وإنما يجوز التأخير من أول الوقت إلى آخره إذا لم يغلب على ظنه الفوات بالتأخير. فأمَّا إن غلب على ظنِّه الفواتُ بالتأخير أو (١) حدوث أمر يمنع منها أو من بعض فروضها قبل خروج الوقت، كمريضٍ (٢) يغلب على ظنه الموت، أو من يقدَّم للقتل، أو امرأةٍ عادتها: تحيض في أثناء الوقت، أو عريانٍ أُعِيرَ (٣) سترةً في أول الوقت ولم يُمهَل إلى آخره، أو متوضئٍ عادمٍ للماء في السفر، لا تبقى طهارته إلى آخر الوقت، ولا يرجو وجودَ الماء= لم يجُز له التأخير إلى الوقت الذي يغلب على ظنه فوتُ ذلك بالتأخير (٤) إليه، لأنه يفضي إلى تفويت واجب، فإنه إذا (٥) أخَّرها في هذه المواضع فمات مات عاصيًا.

    vol. 3, p. 42
  16. وإن أُخْلِفَ (٦) ظنُّه أثِمَ، وكانت الصلاة أداءً، لأنه تبيَّن أنَّ الوقت الشرعي باقٍ. والقضاءُ فعلُ العبادات (٧) بعد الوقت المحدود بالشرع. ولهذا (٨) لو نام

    vol. 3, p. 43عنها أو نسيها حتى خرج الوقت صلَّاها قضاءً، وإن لم يجب عليه فعلُها إلا في ذلك الوقت. ولهذا فإنَّ ما تقضيه الحائض ونحوها من الصوم يكون قضاءً، وإن لم يجب فعلُه إلا بعد خروج الوقت. ومثل هذه الصورة: العبادة الواجبة على الفور، فإنها لو أُخِّرت عن أول أوقات الإمكان كانت أداءً، وإن أثِمَ بالتأخير، إذ (١) لم يوقِّت الشرعُ لها وقتًا عامًّا. ومما يكون أداءً مع الإثم: صلاة العصر بعد الاصفرار، والعِشاء في النصف الثاني من الليل.

  17. ولو أخَّرها تأخيرًا جائزًا ومات قبل الفعل [٢٢١/أ] فقيل: يموت عاصيًا، لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. والمشهور أنه لا إثم عليه، لأنَّ اشتراط ما لا يُعلَم ولا دليل عليه غير جائز. والتأخير هنا له حدٌّ ينتهي إليه، بخلاف الواجب المطلق إن جوَّزنا تأخيرَه فإنَّا نؤثِّمه، إذ ليس للتأخير حدٌّ موقت.

  18. وأما قوله: «أو مشتغل بشرطها» ، فمثلُ أن يستيقظ، فيخاف إن توضَّأ، أو لبِسَ (٢) ثوبَه، أو إن أزال عنه نجاسةً= طلعت الشمس. فإنَّ هذا يفعلها بشروطها الواجبة، لأنه حينئذ خوطب بالصلاة، فيجب عليه أن يفعلها (٣) بشروطها وأركانها؛ إذ لا يقدر على أكثر من ذلك. وليس هذا (٤) تضييعًا ولا تفريطًا؛ إذ ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة.

  19. وكذلك الكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت، والصبيُّ إذا بلغ؛ وقد ضاق الوقت عنها وعن شرائطها= فإنهم يشتغلون بشروطها (١) ، وإن خرج الوقت، لأنه حينئذ أُمروا (٢) بإقامة الصلاة. وقد أمَر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، وهذا هو الوقت الذي وجب فعلُها فيه وإن كان بعد خروج الوقت المحدود في الأمر العامّ. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فَلْيصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ ذلك وقتها» (٣) . بخلاف من ضاق الوقت عن تعلُّمه الفاتحة أو التشهُّد (٤) ، فإنه يصلِّي بحسب (٥) حاله [٢٢١/ب] ولا يتعلَّم، لأنَّ الأول قادرٌ على نفس الشرط، مشتغلٌ بفعله. وهذا عاجز عن الركن، وإنما يشتغل بتعلُّمه وليس هو نفسَ الركن. وأيضًا فإنَّ محلَّ الشرط قبل (٦) الصلاة، وحكمه مستدام إلى آخرها، فإذا اشتغل به في وقته لم يكن قد (٧) أخَّر الصلاة. والقراءةُ محلُّها في نفس الصلاة، فإذا اشتغل بتعلُّمها فهو اشتغالٌ (٨) في وقت خطابه بالصلاة.

    vol. 3, p. 44
  20. وإذا (١) تعمَّد تأخيرَ الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها، مثل أن تكون عليه نجاسة أو هو جنُب، وأخَّر الصلاةَ بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت= فعليه أن يشتغل بالطهارة أيضًا. وهو آثِمٌ بفعلها في غير الوقت، لأنه كان يجب عليه الطهارةُ قبل ضيق الوقت، والصلاةُ فيه. فمتى أخَّر ذلك فعليه أن يفعله (٢) كما وجب عليه، مع إثمه بالتأخير.

    vol. 3, p. 45
  21. ولو أخَّر التيمُّمَ في السفر (٣) ، وهو عادم للماء، ثم وجده قبل خروج الوقت، فهنا وجهان. والفرق بينهما أنه كان قد وجب عليه الصلاة بتيمُّم، ولم يرخَّص له في التأخير إلى أن يخرج الوقت، فمتى صلَّى بالتيمم فقد فعل ما وجب عليه، وقد تقدَّم هذا.

  22. فأمَّا (٤) إن عجَز في الوقت عن بعض الشروط والأركان، وعلِم أنه يقدر عليه بعد خروج الوقت، كعارٍ يعلَم أنه يجد الثيابَ بعد الوقت، أو محدِث يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت، أو خائفٍ يعلم أنه يأمن بعد [٢٢٢/أ] الوقت، أو مريضٍ يعلم أنه يصحُّ بعد الوقت، ونحوهم (٥) = فإنه لا يجوز له التأخير بالنصوص الظاهرة في وجوب الصلاة في حال الخوف والمرض والعُرْي،

    vol. 3, p. 46وبالتيمُّم (١) ، وإلى غير القبلة. ولا فرق في هؤلاء بين من يشتغل بتحصيل الشرط ويعلم أنه يحصِّله بعد الوقت أو من ينتظر حصولَه بعد الوقت، لأنَّ الشرط متى طال زمنُ حصوله سقَطَ، وكانت مصلحةُ الصلاة في الوقت متقدِّمة (٢) على مصلحة حصوله؛ بخلاف ما زمنُه قريب. ولأنَّ الشرط هنا معجوز عنه، وإنما يريد أن يشتغل بتحصيل القدرة عليه، أو ينتظر حصوله (٣) ، وهذا غير واجب، فلا يفوِّت بسببه واجبًا، وهو الصلاة في الوقت. ومثل هذا، لو دخل عليه الوقت، والقبلة مشتبهة لا يعلم جهتها إلا بعد خروج الوقت، فإنه (٤) ليس له الاشتغال بشرط يستغرق الوقت.

  23. وإن كان الاجتهاد ممكنًا، لكن قد ضاق الوقت، بحيث إذا اجتهد فات الوقت، فإنه يصلِّي بالتقليد أيضًا في أشهر الوجهين؛ كما لو لم يكن عالمًا بالدليل (٥) ، والوقتُ ضيِّق عن (٦) التعلُّم والاجتهاد. ولأنه ليس مشتغلًا بشرطها، وإنما هو طالب للعلم (٧) به، فأشبَه مَن طلبَ العلم بالأدلَّة (٨) . وفي الآخر: عليه أن يجتهد مع ضيق الوقت، كما على المفتي والحاكم أن يجتهدا (٩)