مسألة: (فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا. فإن تاب وإلا قتل)
137 paragraphs · vol. 3, p. 47
Page 4 of 4
- vol. 3, p. 89
الثالث عشر: أنها مقرونة بالتصديق في قوله تعالى (٣) : {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: ٣١ - ٣٢] ، وقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: ٩٢] ، وقوله تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ} [الأنعام: ٧١ - ٧٢] .
-
وخصائص الصلاة كثيرة جدًّا، فكيف تقاس بغيرها!
-
فصل (٤)
قال أصحابنا: يُحكَم بكفره في الوقت الذي يُباح فيه دمُه، وهو ما إذا (٥)
- vol. 3, p. 90
دُعِيَ، فامتنع، كما تقدَّم. قال الإمام أحمد (١) : إذا قال: لا أصلِّي، فهو كافر. نصَّ (٢) على (٣) أنه لا يَرِث ولا يُورَث. ويكون حكمه حكم المرتدِّ في جميع أموره، بحيث لا يُغسَل ولا يصلَّى عليه ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، إلا أنه لا يسقط عنه شيءٌ من الصلوات في زمن الرِّدَّة (٤) ، وإن أسقطناها عن المرتدِّ، لأنه إنما كفَر بتركها، فلو سقطت عنه لزال سببُ الكفر.
-
وإذا صلَّى بعد الامتناع عاد بذلك إلى الإسلام من الردَّة، وصحَّت صلاته. وإن كان الكافر الأصلي لا تصح صلاته قبل الشهادتين، لأن هذا كفرُه بترك فعلٍ، فإذا فعله عاد إلى الإسلام، كما أنَّ مَن كفرُه بترك الإقرار إذا أتى بالإقرار عاد إلى الإسلام.
-
فإن قيل: [٢٣٥/ب] فالمرتدُّ غير هذا، لا يصحُّ إسلامه حتى يأتي بالشهادتين، كيفما كانت ردَّته (٥) .
-
قيل (٦) : ذلك لأنه جاحد، فلا بدَّ أن يأتي بأصل كلمة الإقرار التي تتضمن جميع التصديق والاعتراف. وهذا معترفٌ، فيكفيه الفعل.
- vol. 3, p. 91
فأمَّا إذا لم يُدْعَ ولم يمتنع، فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدِّين في شيء من الأشياء. ولهذا لم يُعلم أنَّ أحدًا من تاركي الصلاة تُرِك غسلُه والصلاةُ عليه ودفنُه مع المسلمين، ولا مُنِع ورثتُه ميراثَه، ولا أُهدِر (١) دمُه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلِّ عصر. والأمة لا تجتمع على ضلالة. وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب.
-
فإن قيل: فالأدلَّة الدالَّة على التكفير عامَّة عمومًا مقصودًا، وإن حملتموها على هذه الصورة ــ كما قد (٢) قيل ــ قلَّت فائدتُها، وزال (٣) مقصودها الأعظم؛ وليس في شيء منها هذه القيود.
-
قلنا: الكفر على قسمين: قسم تُبنى عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح والذبائح، ومنع التوارث و (٤) العقل وحلِّ الدم والمال وغير ذلك= فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره، إما بقول يوجب الكفر، أو عملٍ مثل السجود للصنم وإلى (٥) غير القبلة، والامتناع عن الصلاة، وشبه ذلك. فهذا النوع لا نرتِّبه على تارك الصلاة حتى نتحقَّق (٦) امتناعه الذي هو الترك، لجواز (٧) أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد، أو له عذر وشبه ذلك.
- vol. 3, p. 92
[٢٣٦/أ] والثاني: ما يتعلق بأحكام الآخرة، من الانحياز (١) عن أمة محمد، واللَّحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك= فهذا قد يجري (٢) على كثير ممن يدعي الإسلام. وهم المنافقون الذين أمرُهم بالكتاب والسنة معلوم، الذين قيل فيهم: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} إلى قوله: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية [الحديد: ١٣ - ١٤] . فمن لم يصلِّ، ولم ينو (٣) أن يصلِّي قطُّ، ومات على ذلك من غير توبة= فهذا تارك الصلاة، مندرجٌ في عموم الأحاديث؛ وإن لم يظهر في الدنيا حكمُ كفره.
-
ومن قال من أصحابنا: لا يُحكَم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي أن يُحمَل قولُه على الكفر الظاهر. فأما كفر المنافقين فلا يجوز (٤) أن يُشترَط له ذلك، فإنَّ أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط.
-
فأما إن أخَّرها عن وقتها، وفعَلها فيما بعد، فمات؛ أو كان ممَّن نيَّته (٥) أن يفعلها فيما بعد، فمات= فهذا مع أنه فاسق من أهل الكبائر ليس بكافر، كالأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها (٦) . ولذلك أمرنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن نصلِّي
vol. 3, p. 93معهم النافلة. ولذلك قال ابن مسعود: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: ٥] أخَّروها حتى يخرج الوقت (١) ولو تركوها لكانوا كفَّارًا (٢) .
-
وهذا الضرب كثير في المسلمين، وهم من أهل الكبائر الذين ادُّخِرَت [٢٣٦/ب] لهم الشفاعة. وما جاء من الرجاء لمن يتهاون بالصلاة (٣) ، فإليهم ينصرف. ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد» . ونفيُ المحافظة لا ينفي الفعل، بخلاف ما لم يعزم (٤) فإنه يكون تاركًا (٥) بالكلية كما تقدَّم.
-
وكذلك من أخلَّ بما (٦) يسوغ فيه الخلاف من شرائطها وأركانها. وأمَّا من أخلَّ بشيء من شرائطها وأركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف بعد العلم (٧) ، فهذا بمنزلة التارك لها، فيما ذكره أصحابنا، كما تقدَّم من حديث حذيفة. ولأنَّ هذه الصلاة وجودُها كعدمها في منع الاكتفاء بها، فأشبَه من آمن ببعض الكتاب، وكفَر ببعض.
- vol. 3, p. 94
فأمَّا من يترك الصلاة بعضَ الأوقات لا يقضيها ولا ينوي قضاءها، أو يُخِلُّ ببعض فرائضها ولا يقضيها ولا ينوي قضاءها= فمقتضى ما ذكره كثيرٌ من أصحابنا: أنه يكفر بذلك. فإن دُعي إليها وامتنَع حُكِم عليه بالكفر الظاهر، وإلا لحقه حكمُ الكفر الباطن بذلك (١) . ثم إذا صلَّى الأخرى صار مؤمنًا، لِمَا (٢) دلَّ على ذلك قولُه: «من ترك صلاة العصر متعمِّدًا حبِط عملُه» (٣) وقوله: «من ترك الصلاة عمدًا فقد برئت منه الذمةُ» (٤) . ولا يلزم من ذلك ثبوت (٥) أحكام الكفر في حقِّه كالمنافقين.
-
والأشبه في مثل هذا: أنه لا يكفر بالباطن أيضًا، حتَّى يعزم على تركها بالكلية، كما لم يكفر بتأخيرها (٦) عن وقتها؛ لِمَا (٧) تقدَّم من الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبَر يوم القيامة بالنوافل، ولأنه متى [٢٣٧/أ] عزَم على بعض الصلوات (٨) فقد أتى بما هو بمجرَّده إيمان (٩) .